من مجرد امتداد صحراوى بلا ملامح واضحة على خريطة الساحل الشمالى الغربى، تحوّلت منطقتا سملا وعلم الروم بمحافظة مطروح إلى نقطة جذب استثمارى إقليمى ووجهة جديدة لرءوس الأموال العربية. فبعد النجاح الكبير لمشروع رأس الحكمة الإماراتى، الذى تتجاوز استثماراته 150 مليار دولار، عند اكتمال مراحل المشروع، وجاءت صفقة «الديار القطرية» لتطوير سملا وعلم الروم، كإشارة واضحة على ثقة المستثمرين العرب فى الاقتصاد المصرى واستقراره المالى والسياسى.
تشكل هذه الصفقات جزءًا من رؤية الدولة لتحويل الساحل الشمالى الغربى إلى محور تنموى وسياحى عالمى، يضم مناطق سكنية وتجارية وترفيهية، ويخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لأبناء المنطقة، بالإضافة إلى تحريك قطاعات البناء والخدمات والسياحة، هذا فضلا عن أنها تؤكد قدرة مصر على استقطاب رءوس الأموال الأجنبية بما يدعم الاحتياطى النقدى، ويسهم فى ضبط سوق الصرف، وتعزيز استقرار سعر الجنيه أمام الدولار. وتضع مناطق جديدة مثل رأس الحكمة وسملا وعلم الروم والعلمين والضبعة على رادار المستثمرين العرب، فى خطوة استراتيجية نحو تنمية شاملة ومستدامة تواكب رؤية مصر 2030.
ومع توقيع هذه الاتفاقيات، يتضح أن مصر لم تعد مجرد مساحة على الخريطة، بل بوابة للاستثمار والتنمية المستقبلية فى قلب الساحل الشمالى الغربى، وهو ما أكده رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى فى تصريحاته حول تفاصيل المشروع، حيث أوضح أن «الصفقة تشمل استثمارات ضخمة تصل إلى نحو 29.7 مليار دولار، تتضمن دفعة نقدية أولى بقيمة 3.5 مليار دولار سيتم تحويلها قبل نهاية العام، إلى جانب مقابل عينى عبارة عن وحدات سكنية فاخرة بمشروع علم الروم تقدر قيمتها بنحو 1.8 مليار دولار، كما ستحصل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على 15 فى المائة من صافى أرباح المشروع بعد استرداد التكاليف».
«د. مدبولى»، أشار إلى أن «المشروع يأتى فى إطار رؤية الدولة لتحويل الساحل الشمالى الغربى إلى منطقة جذب استثمارى وسياحى متكاملة تعمل على مدار العام، وليس خلال موسم الصيف فقط»، مؤكدًا أن اختيار منطقتى سملا وعلم الروم جاء لما تتمتعان به من مقومات طبيعية واستراتيجية تؤهلهما لتكونا وجهة سياحية عالمية جديدة على البحر المتوسط.
ومن محافظة مطروح، أكد الدكتور إبراهيم الحفيان، وكيل وزارة الإسكان بالمحافظة، أن«مردود مشروع ديار القطرية على المحافظة كبير جدًا من الناحية الاقتصادية والعقارية والسياحية»، موضحًا أن «مشروع رأس الحكمة الإماراتى يتميز بمردود سياحى أكبر، لكن مشروع ديار القطرية يمتد على مساحة كبيرة ويشكّل مدينة متكاملة، محققًا جزءًا اقتصاديًا مهمًا جدًا لمحافظة مطروح، ولأول مرة تحصل المحافظة على هذه الاستفادة الكبيرة».
وأضاف «الحفيان»، أن «المشروع سيرفع المستوى الإنشائى والمعمارى فى المنطقة، ويُحدث تغييرًا واضحًا فى الهوية البصرية، ما يجعل مردوده إيجابيًا على مظهر محافظة مطروح عامة، كما سيحقق المشروع عوائد مالية كبيرة، وستسهم المنطقة فى إعادة ترتيب وتصنيف مطروح كمدينة متكاملة، بدلا من أن تكون مجرد عزب متناثرة ومشاريع قديمة لم تُنفذ»، مشيرا إلى أن التصميم والأعمال المخطط تنفيذها فى المشروع سيكون لها تأثير كبير جدًا على محافظة مطروح، من حيث التطوير العمرانى والاقتصادى والبصرى.
وأوضح أنه من المقرر إقامة مشروعات صناعية مصاحبة فى المنطقة المحيطة بالمشروع، بالتعاون بين محافظة مطروح وهيئة التنمية الصناعية، فى منطقة قبلى الطائق مقابل موقع المشروع، وستكون المنطقة الصناعية خفيفة ومتخصصة فى الصناعات المتوسطة والصغيرة، وتشمل مجمعًا للصناعات يهدف إلى دعم المشروعات الكبرى، وتوفير فرص عمل جديدة للشباب المحليين، وتعزيز النشاط الاقتصادى فى مطروح.
وأشار إلى أن هذه المنطقة الصناعية تبعد 6 كيلومترات عن مشروع ديار القطرية، و20 كيلومترًا عن مشروع رأس الحكمة الإماراتى بمنطقة الجراولة، وستخدم هذه المشروعات فى الأعمال الإنشائية والصناعات التى يحتاجها المشروع، بما يسهم فى حدوث انتعاش اقتصادى ورفع معدلات التوظيف للشباب.
فى السياق ذاته، أشاد عبدالكريم صافى، رئيس مجلس العمد والمشايخ بمحافظة مطروح، بالمشروعات الاستثمارية الكبرى التى تشهدها المحافظة، مثل مشروع رأس الحكمة الإماراتى وصفقة الديار القطرية فى سملا وعلم الروم، واصفًا إياها بأنها «خطوة استراتيجية لتعزيز التنمية الاقتصادية فى المنطقة بعد سنوات طويلة من الركود».
«صافي» أشار إلى أن هذه المشروعات تخلق رواجًا اقتصاديًا غير مسبوق فى المحافظة، من خلال تحريك قطاعات البناء والخدمات والسياحة والفنادق والمطاعم، وتفتح آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لسكان مطروح والمناطق المجاورة، بما يرفع مستوى الدخل المحلى ويحدّ من الهجرة الداخلية.
وأضاف أن «المشروعات لا تقتصر على العائد المالى للمستثمرين، بل تمتد فوائدها لتشمل تحريك الاقتصاد المحلى، وتعزيز السياحة المستدامة، وخلق بيئة استثمارية جاذبة على مدار العام، ما يجعل مطروح اليوم على خريطة التنمية والاستثمار العربى والدولى»، مؤكدًا أنها «تمثل نقلة نوعية فى مستوى المعيشة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتضع المحافظة فى قلب الاستثمارات الكبرى فى الساحل الشمالى الغربى».
ومن ناحية أخرى، أكد الدكتور عادل عامر، أستاذ الاقتصاد الدولى، أن «المشروع الذى تبلغ تكلفته التقديرية نحو 27 مليار دولار، ويمتد على مساحة 4900 فدان، يمثل إحدى العلامات الفارقة فى تطوير الساحل الشمالى، وواجهة عالمية جديدة تعيد تعريف مفهوم السياحة على البحر الأبيض المتوسط، كما يعد من أهم المشروعات الاستثمارية المشتركة بين مصر وقطر فى قطاع التطوير العقارى والسياحى».
وأوضح أن «تنفيذ المشروع سيتم من خلال إحدى الشركات التابعة لشركة «الديار القطرية»، بالتنسيق مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، ضمن سلسلة من الاستخدامات الاستراتيجية التى تركز على الواجهات السياحية ذات القيمة الاقتصادية العالية.
ويستهدف المشروع تحقيق تنمية عمرانية وسياحية متكاملة تشمل مناطق سكنية وتجارية وخدمية وصناعية، إلى جانب مراسٍ لليخوت وملاعب جولف، وبنية تحتية متطورة تضم محطات لتحلية المياه ومعالجتها، ومستشفيات وجامعات ومقار حكومية»، مضيفًا أن «الاتفاقية تضمنت دفع قيمة مالية قدرها 3.5 مليار دولار للدولة المصرية، إضافة إلى مقابل عينى بمساحة بنائية 396 ألف متر مربع، وفق ما تم الإعلان عنه من قِبل الشركة المنفذة»، ومشيرًا إلى أن العائد المتوقع من المشروع لن يقل سنويا عن 1.8 مليار دولار من الصفقات العقارية الكبرى مع الصناديق السيادية الخليجية لدعم الاقتصاد وزيادة موارد النقد الأجنبى.
«د. عادل» شدد على أن «الإقبال المتزايد من الصناديق السيادية الخليجية على الاستثمار فى مصر؛ دليل واضح على ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى، وأن هذا المشروع يمثل نموذجًا متميزًا للتعاون العربى، ويعكس قدرة الدولة المصرية على إدارة المشروعات الكبرى وجذب الاستثمارات الضخمة».
وفى نفس السياق، قال الدكتور خالد الشافعى، خبير اقتصادى، إن «موجة الاستثمارات العربية الأخيرة فى مصر، مثل مشروع رأس الحكمة الإماراتى وصفقة الديار القطرية فى سملا وعلم الروم؛ تمثل تحولًا استراتيجيًا فى خريطة الاستثمار المصرى، وتوجيه الصناديق السيادية الخليجية بوصلتها نحو مصر ليس مجرد تدفق رأسمال مؤقت، بل يعكس ثقة طويلة الأجل فى الاقتصاد المصرى واستقراره السياسى والمالى».
وأوضح الشافعى أن «هذه الاستثمارات تلعب دورًا كبيرًا فى تعزيز الاحتياطى النقدى الأجنبى، ما يسهم فى دعم استقرار سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، ويخفف من الضغوط على السوق النقدى، خصوصًا مع ضخ رءوس أموال ضخمة من الصناديق السيادية، ما يتيح للحكومة تمويل مشاريع التنمية الكبرى وتحقيق عوائد مستقبلية تساعد فى تمويل الموازنات العامة».
كما أشار إلى أن «هذه الصفقات تمنح الاقتصاد المصرى مرونة أكبر لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وتقليل مخاطر تذبذب سعر الدولار، هذا فضلا عن أنها تفتح فرصًا جديدة لتحريك قطاعات البناء والسياحة والخدمات، وخلق آلاف الوظائف، بما يدعم الدخل المحلى ويقوى القوة الشرائية للجنيه».
واختتم الدكتور خالد الشافعى تحليله بالقول إن «مصر أصبحت اليوم وجهة استثمارية جذابة للصناديق السيادية العربية والعالمية، ليس فقط بسبب العوائد المالية المباشرة، ولكن أيضًا لدورها فى إعادة رسم خريطة التنمية المستدامة على الساحل الشمالى الغربى، بما يحقق تكاملًا بين الاستثمارات الكبرى، واستقرار الاقتصاد الكلى، ودعم سوق العمل المحلى».