من العجيب أنك تذهب لمكان مرات كثيرة وعديدة لتقوم فيه بعمل ما، والغريب أنك تظل على تلك الحالة من الجهل بالمكان؛ حتى يُحدث الله أمرا به أو فيه يجعلك تراه مرة أخرى بعين أخرى، والمكان الذى أقصده كان حديقة بجوار استديو الجيب بالزمالك، وقد ذهبت إليه عشرات المرات؛ كى أسجل عدة مرات للقناة الثانية فى العديد من البرامج، وكان يتم التسجيل فى تلك الحديقة التى لم أكن أعرف اسمها!!
حين كلفنى الفنان الدكتور أحمد هنو وزير الثقافة بالتنسيق مع المسئولين عنها؛ ليكون بها عمل ثقافى فنى؛ لتكتمل خدمات الحديقة الثقافية والفنية التى تقدم للرواد تمهيدا لافتتاحها قريبا، لم أكن أعرف أين هذه الحديقة حين أبلغنى أنها المسلة بجوار الأندلس؛ شعرت بدهشة الوزير أننى لم أعرفها ربما لأننى لست من أبناء القاهرة ووجودى بها زاد على العشرين عاما فقط، طلبت من السيد المقدم ممدوح عبد العاطى المنسق العام للافتتاح أن يرسل لى اللوكيشن ففعل مشكورا بعد أن نسقت معه تفاصيل الأنشطة الثقافية.
وبعد السؤال عرفت المكان لكننى لم أكن أتخيله؛ إنه المكان الذى صورت فيه مرات عديدة برامج للتليفزيون المصرى وخاصة القناة الثانية، كانت المفاجأة سعيدة فقد تغيرت تماما صورة الحديقة القديمة الغنية بموقعها، الفقيرة قديما بما تمتلكه من قدرات وإمكانيات وتحتاج لأشياء كثيرة كى تقدم خدماتها فى أجمل صورة، فهمت لماذا كان التكليف من الوزير دكتور هنو باكتمال الصورة الثقافية والفنية التى نقدمها للناس.
تذكرت على الفور مشروع كشك الموسيقى الذى استعدته من التاريخ فى حديقة صقلية ببنها عام 2009 حين كنت مديرا عاما لثقافة القليوبية، وأردت تعميم الفكرة فى كل حدائق مصر العامة، وكذلك حديقة الفنون التى أسستها بمدينة الفنون بالهرم بالمركز القومى لثقافة الطفل، وهى عبارة عن أنشطة ثقافية وفنية تقدم للأطفال، وتطوير الحديقة الثقافية بالسيدة زينب النموذج المهم الذى أسسه الدكتور فوزى فهمى فى التسعينيات.
أقول ذلك للتأكيد أن وجود حالة ثقافية بالحدائق العامة هى نقلة نوعية مختلفة وفارقة فى إضفاء روح من الجمال والوعى والترفيه والترويح لمرتادى هذا المكان، علاوة على وجود خدمات من الممكن أن يستفيد منها الرواد وتستثمرها الدولة أحسن استثمار، فتكون ضربت عصفورين بحجر واحد؛ قدمت للناس خدمة متميزة مجانية، وفى الوقت نفسه استفادت من عائد الاستثمار لزيادة مواردها.
وبعد تعيين المكان وتحديد ما الذى سوف نقدمه مبدئيا تعبيرا عن الحالة الفنية التى تناسب المكان والافتتاح؛ كان التمثيل النموذجى لمرسم مفتوح للفنون التشكيلية، ومعرض بعدها من نتاج هذا المرسم الذى شارك فيه عدد من فنانى الهيئة العامة لقصور الثقافة ورودها من الشباب الصغير وبعض الأطفال المتميزين، وشاركت أيضا جمعية الجمالية للتراث، وافتتح الحديقة وزيرة التنمية المحلية والبيئة الدكتورة منال عوض ومستشار رئيس الجمهورية للتخطيط العمرانى والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة وصديقى الأعز المهندس المعمارى محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضارى بوزارة الثقافة وجمع كبير من الإعلاميين والصحفيين.
والسؤال الذى ظل يراود كل محبى الفنون والثقافة وأصحاب الرؤى الشاملة لأى مشروع يتم عمله الآن فى مصر فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، هل سنظل نقدم تلك الأنشطة أم سيقتصر على الافتتاح؟ لذا كان التواصل مرة ثانية للبحث فى تشغيل تلك الحديقة ثقافيا طوال العام من خلال رؤية واضحة لبرنامج تشغيل محدد الأنشطة، فكانت الرؤية: حدائق ثقافية جاذبة للجمهور كمتنفس للشعب المصرى بخدمات ثقافية وفنية مجانية، وكانت الرسالة: أن تقوم وزارة الثقافة ممثلة فى الهيئة العامة لقصور الثقافة باستخدام قدراتها الثقافية والفنية إضافة لبعض القطاعات والهيئات بالوزارة لتشغيل تلك الحدائق فى القاهرة والأقاليم بشكل منتظم وبجدول زمنى معروف ومحدد للرواد الذين يتوافدون عليها.
ومن أهداف هذا النشاط الترويح عن المواطنين وتوعيتهم ودعم ورعاية الأطفال والشباب واكتشاف مواهبهم ضمن خطة بناء الإنسان، وتم تحديد المواعيد والمدة المحددة صيفا وشتاء، وتم الاتفاق بعد اعتماد الدكتور أحمد هنو وزير الثقافة أن يكون النشاط أسبوعيا لمدة خمس ساعات مع تقديم عدد من الأنشطة المتنوعة ومنها:
أولا: مرسم مفتوح لمجموعة من الفنانين فى القاهرة والأقاليم
ثانيا: معرض مفتوح مواكب للمسرح المفتوح لمجموعة أخرى من الفنانين
ثالثا: ورش لرواد الحديقة من الأطفال للتدريب على بعض الحرف التقليدية والتراثية
مثل الجلد والتدوير والأركيت والفخار والطرق على المعادن والتدوير، والسجاد، والكليم، منتجات الجريد وغيرها.
رابعا: معرض لبيع الحرف التراثية من القصور المتخصصة
خامسا: معرض لبيع كتب وزارة الثقافة بأسعار مخفضة
سادسا: تخت موسيقى من 3-5 فنانين مصاحب للمعارض الفنية والحرف والكتب.
وختاما؛ أرى أن تلك بداية مهمة من الممكن تعميمها فى باقى الحدائق العامة فى الأقاليم، ومن الممكن أن نبدأ بالحدائق الموجودة بعواصم المحافظات والمدن والمراكز الكبيرة، وأعتقد أن ذلك سوف يحقق أمرين فى غاية الأهمية وهما عمل حالة من الوعى والترويح والترفيه المجانى للناس؛ وفى الوقت نفسه يستثمر الأماكن المهمة التى تقدم الخدمات للناس من مطاعم وكافيهات وبنوك وبريد ومحلات متنوعة النشاط التجارى والثقافى؛ فيصير المكان كرنفالا للمتعة والترفيه والتسوق، وبذلك نكون قد حققنا الحُسنيين.