رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فى رحاب المفكر الإسلامى الكبير «خالد محمد خالد» (5)


14-11-2025 | 10:40

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

ويستمر حديثى مع المفكر الإسلامى الكبير «خالد محمد خالد» حول موضوع الديمقراطية السياسية، وأطرح عليه التساؤل القائل إن المجتمعات الإسلامية لا تخلو من دروب الفوضى والانحراف وهنا يعلق قائلا:

- (لا وجود لمثل هذا الانحراف الوبائى الوخيم فى المجتمعات الإسلامية، وإن وجد شىء غريب من هذا؛ فإنه يكون من الظلم أن أخلع عليه صفة التعميم لأنه يظل محصورا داخل نطاق ضيق من الأنفس المريضة. ثم لا ننسى فى هذا المجال دور الظروف السياسية فى تصحيح المسار السديد والرشيد للأمة والمجتمع. فكلما كان المجتمع يحيا فى ظروف سياسية ديمقراطية تصون حرياته، وتكفل حقوقه، أهّله ذلك لأن يحيا حياة خالية من الضعف والعقد).

 

 

ولكن المجتمع البريطانى الذى تحدثت عنه الآن يحيا حياة تسودها الديمقراطية والحرية، ورغم ذلك وجدنا فيه البرلمان الذى يبيح المثلية الجنسية على مستوى الأمة كلها؟

(هذا يرجع إلى اختلاف المفاهيم الأخلاقية، ممثلو الشعب البريطانى عندما اتخذوا هذا القرار لم يخطر ببالهم أن هذه المثلية رذيلة ومن ثم أباحوها. أما الفضائل التى تنبثق عن قيم مجتمعهم مثل التشبث بالحرية والشجاعة والأمانة والصدق فإنهم لا يفرطون فيها).

الحديث عن الديمقراطية يقودنا إلى أن نقف عندها بعض الوقت ونتساءل عن الديمقراطية الحقيقية؟

هذا سؤال جيد. والتعريف الحقيقى للديمقراطية هو بداية كل حديث عنها. فنحن نرى الديمقراطية اليوم شبيهة بليلى التى يقول عنها الشاعر:

وكلٌّ يدعى وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا

فنحن نرى الدول الرأسمالية تعتبر نفسها ديمقراطية. والبلدان الشيوعية تسمى نفسها الديمقراطية الشعبية. والديمقراطية مظلومة بين الفريقين، فهى فى رأيى مع المجتمع الرأسمالى. والمجتمع الماركسى طائر يحلق مع غير سربه. بيد أنه من الحق أن نقول إننا نشاهدهم فى الدول الرأسمالية أقل قيودا وأكثر حركة).

وهل هذا يمكن أن يوصلنا إلى التعريف الحقيقى للديمقراطية؟

(نعم، فهى فى رأيى قدرة الشعب على تغيير حكامه وقوانينه عن طريق الاقتراع الحر لا عن طريق القوة والانقلاب. وبالتالى فإن كل شعب يملك استخدام تلك القدرة يمكنه أن يُغير حاكمه الذى جاء أوان تغييره، كما يمكنه تغيير القوانين التى لم يعد بقاؤها فى صالحه، ويتم هذا عن طريق الاقتراع الحر على مستوى نوابه فى البرلمان أو على مستوى الأمة كلها. وهنا فإن الحاكم الرشيد يخلق المعارضة إذا لم توجد لتكون مصباحا فى يمينه تضيء له الطريق. هو الشعب الذى يصح لنا أن نقول عنه إنه عن حق يعيش الديمقراطية).

هذا بالنسبة لتعريف الديمقراطية كما ترونها فيما إذا تحدثنا عن ديمقراطية التطبيق، فما هى الصورة المُثلى التى ترونها تعبيرا صادقا عن الديمقراطية؟

(من الواضح أنه لكى يكون الشعب حرا لا سيما فى دول تقرر نظمها السياسية حقه فى هذه الحرية، وذلك يقتضى أن تكون هناك معارضة برلمانية لها شكلها القانونى، ومعارضة على مستوى الأمة كلها تستطيع أن تؤيد الحكومة إذا أحسنت، وتستطيع أن تقوّم أخطاءها إذا أخطأت، ثم تستطيع أن تسقطها وتطيح بها إذا ركبت رأسها واستمرت على هذا الخطأ).

وما الذى يقتضيه هذا؟

(هذا يقتضى قيام أحزاب سياسية بلا قيد ولا شرط اللهم إلا شرطا واحدا، وهو أن تعترف هذه الأحزاب بكبرى قيم المجتمع وهى الإيمان بالله إيمانا قويا، كما يقتضى أن يكون حق الأفراد والأحزاب والجماعات فى إخراج صحف خاصة بهم حقا مقررا لا نزاع فيه ولا عدوان عليه، ذلك أن الصحافة التى تخضع لتنظيم حكومى لا يمكن أن نعتبرها صحافة ديمقراطية جادة ممثلة لمجتمع ديمقراطى حقيقي. ولعلّى هنا لا أثنى على نفسى حين أقول إن رأيى هذا عن الديمقراطية ليس رأيا أهتف به لأول مرة. بل أنا أنادى به منذ فجر 23 يوليو، ومنذ علمتنا تجربتنا الديمقراطية قبل الثورة أن نعرف حقا ما على الديمقراطية، وما المطلوب منها؟).

معنى هذا أنكم تحترمون وتقدرون تجربتنا الديمقراطية قبل ثورة يوليو 1952؟

(نعم أحترمها كل الاحترام، فلولاها ما أتيح لثورة 23 يوليو أن تشهد النور، لقد شهدنا هذه التجربة وعشناها ورأينا فضلها الكبير على استمتاع الشعب بحريته التى تكاد تكون حرية مطلقة. كانت هناك سلبيات لا محالة، وهذا طبيعة كل نظام فى كل زمان، بيد أن الحياة الديمقراطية أشاعها وجود الأحزاب السياسية، ووجود الصحافة الحرة التى ساهمت فى بناء شعب حر قوى رشيد، ولنأخذ هذا المثال وحده: عندما عطل الدستور فى أوائل الثلاثينيات وصدر قرار تعطيله، لم تمضِ ساعات حتى جاء صباح جديد يحمل استقالة أربعمائة عمدة احتجاجا على هذا التعطيل. إن هؤلاء الأربعمائة لم يجتمعوا فى مؤتمر، ولم يلتقوا على هذا القرار. إنما اتخذه كل واحد منهم تلقائيا لأن الديمقراطية السياسية كانت قد جعلت منهم رجلا واحدا).

وماذا عن عامى 1950، 1951؟

(أيضا شهدنا فيهما روح الربيع؛ حيث بلغت الديمقراطية والحرية شأوا متفوقا إبان حكومة الوفد فى هذين العامين اللذين لا يمكن أن يتم نسيانهما أبدا فى تاريخ مصر. فخلالهما أعطى الشعب والجيش النور الأخضر للقيام بالثورة على الأوضاع السياسية. لقد كانت تجربتنا الديمقراطية قبل الثورة رائعة رغم وجود المعوقات الكثيرة المتمثلة فى القصر الملكى وفى الاستعمار البريطانى والإقطاع والرأسمالية. كانت حياتنا السياسية مفعمة بالمشاهد الباهرة والمواكب الهادرة تجسدت معها إرادة شعب يمارس الديمقراطية وكأنه يمارسها من قرون وليس من بضع سنوات بدأت بعام 1923).

وللحديث بقية..

أخبار الساعة