رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سر الأحقاد الإخوانية على الاستثمارات القطرية


14-11-2025 | 10:44

.

طباعة
بقلـم: طارق أبوالسعد

من الصعب فهم موقف جماعة الإخوان من الاستثمارات فى مصر إلا فى ضوء الحقيقة القائلة: ليس اعتراضهم على المستثمر، بل عداؤهم لمصر ذاتها ويمكنك صديقى القارئ أن تضع مكان كلمة «المستثمر» أى دولة أو أى جهة وستكون الإجابة صحيحة بنسبة مائة فى المائة فالمحرّك الأول والأخير لجماعة الإخوان الإرهابية هو العداء والكراهية لمصر.

فلو افتُتح مسجد جديد، أو طُوِّرت المناطق العشوائية، أو تحسّنت البنية التحتية، أو انتصرت الدولة فى معركة سياسية خارجية، أو تبنّت موقفًا مشرفًا فى القضية الفلسطينية، لوجدت الجماعة سببًا للهجوم على الدولة المصرية. فالإخوان لا تحركهم القيم أو المبادئ، بل الكراهية والعداء المستمران.

 

تجلّت هذه الكراهية بوضوح فى موقفهم من الاتفاقية المصرية القطرية، إذ شنّ إعلاميو الجماعة ورموزها حملة شعواء ضد مصر عقب توقيعها، وضخّوا شائعات وأكاذيب كثيرة أملًا فى صرف الشعب عن الالتفاف حول قيادته، رغم أن الاتفاقية تمثل تقدمًا اقتصاديًا وحضاريًا مهمًا.

مثل الهجوم على الاتفاقية مفارقة لافتة؛ فالجماعة التى طالما رأت في «قطر» الحليف السياسى والإعلامى الأوثق جاء اليوم الذى تشن حملة على استثمارتها ومصالحها فى مصر، فـ«الإرهابية» نظرًا لتشربهم أفكارًا مغلوطة عن مفهوم الدولة وإدارتها وتغليب مصالحها، رأوا أن الواجب على «قطر» الاستمرار فى دعمهم إلى ما لا نهاية، وأن عليها الاستمرار فى العداء للدولة المصرية إلى ما لا نهاية، أو إلى أن يعودوا للحكم مرة ثانية، هذا الخبل الفكرى الذى لم يفرق بين «قطر الدولة» و«قطر الحليف»، فقطر الدولة تعقد الاتفاقيات السياسية والاقتصادية بما يحقق مصالحها وبما هو متاح، أما قطر الحليف فيخضع لتغييرات السياسة.

الاتفاقية التى تغيظهم

قبل مناقشة أسباب الهجوم الإخوانى «المثير للغثيان»، من المهم توضيح جوهر الاتفاقية، فالمشروع يُعدّ نموذجًا للتعاون العربى بين مصر وقطر فى مجال التنمية العقارية والسياحية، فتوقيع عقد شراكة استثمارية بين الهيئة العامة للمجتمعات العمرانية الجديدة (ممثلةً عن الحكومة المصرية) وشركة الديار القطرية التى تتبع جهة سيادية قطرية، أى أن الاستثمار «قطرى رسمي» وليس مجرد نشاط اقتصادى لرجال أعمال قطريين.

وتنص الاتفاقية على تطوير منطقة «علم الروم/ سملا» فى الساحل الشمالى الغربى بمحافظة مطروح، باستثمار يُقدَّر بنحو 29.7 مليار دولار أمريكى، مع التزام «شركة الديار القطرية» بدفع 3.5 مليار دولار نقدًا كقيمة الأرض، إلى جانب استثمار «عيني» يُقدَّر بنحو 26.2 مليار دولار لتنفيذ المشروع، مع حفظ حقّ هيئة المجتمعات العمرانية المصرية فى الحصول على 15 فى المائة من صافى أرباح المشروع بعد استرداد التكاليف.

وتشمل الخطة التنفيذية للاتفاقية إنشاء بنية تحتية متكاملة: محطات كهرباء، ومحطات تحلية مياه، ومعالجة صرف صحى، ومدارس، وجامعات، ومستشفيات، وإقامة مجتمعات وأحياء سكنية، تستهدف الحكومة المصرية من الاتفاقية إلى تحويل الساحل الشمالى الغربى من منطقة موسمية إلى وجهة سكنية وسياحية نشطة طوال العام.

من أجل هذا نصت الاتفاقية على أن المنشآت السكنية تستحوذ على نحو 60 فى المائة من مساحة المشروع تقريبًا، ومناطق خدمية على 15 فى المائة، والمساحات الخضراء والطرق والمناطق مفتوحة على 25 فى المائة، وتستهدف الحكومة المصرية توفير فرص عمل للمصريين أكثر من 250 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشر، من خلال تشغيل المرافق السياحية والترفيهية، والمنشآت فندقية التى تسع لـ«أكثر من 4,500 غرفة»، مع إقامة مارينا دولى، ومارينا محلية، وبحيرات صناعية، وملاعب جولف.

«الإرهابية» تتخذ مصر عدوا وجوديا

هذه الاتفاقية؛ فى هذا التوقيت تمثل نقلة نوعية لا يمكن لأى معارض أو مؤيد إنكار جدواها، فالاتفاقية القطرية وغيرها من الاتفاقيات الاقتصادية، تسمح للدولة المصرية من جنى ثمار المشروعات الاقتصادية التى بدأتها فى 2014 والمستمرة حتى الآن، ومع ذلك لم تتوقف الجماعة عن الهجوم، لأن عداءها لمصر عداءٌ وجوديّ.

فبعد عقد من الهجوم على الدولة المصرية وإغراقها وإغراق شعبها بملايين من الشائعات والأكاذيب التى شملت كل شيء وأى شيء، كانت تتوقع أن تنهار الدولة وتفشل، أو على الأقل تنخفض شعبية الرئيس السيسي، ليسهل الضغط على الشعب ويقبل بعودتهم أو بالمصالحة، وبالتالى فأى نجاح اقتصادى مصرى يُضعف روايتها عن فشل النظام، من هنا ارتكز هجومهم على كل مشروع تنموى كبير، وعلى وجه الخصوص إذا كان دعمًا عربيًا، يُنظر إليه كـ«تهديد لروايتهم عن الأزمة»، ويُهاجم تلقائيًا مهما كان الطرف الآخر ومهما كانت الاتفاقية دون النظر لمصلحة الشعب والمواطن البسيط.

فالجماعة التى ترى مصر عدوًا أبديًا، ترى أى دعم لها مباشرا أو غير مباشر بمثابة «دعم للعدو اعتراف بشرعيته، حتى لو جاء من حليف سابق، فالإخوان الذين غادروا الزمان لا يدركون أن موازين المنطقة العربية تتغير وهم لم يغادروا لحظة إعلان عزل مرسي، وسقوطهم فى الشارع العربى والمصري، لم يدركوا أن المصالحة الخليجية فى قمة العُلا (2021) ضبط العلاقات مع القاهرة والدوحة والمنامة والرياض، وجاء بعدها التقارب المصرى التركى، لم يفهموا أن هذه الدول تدار من رجال دولة لا من رجال عصابات.

كما لم يفهموا أن مصر «الدولة» عندما فتحت الباب للاستثمارات الاقتصادية أمام كل العالم، كانت تدرك أنها أصبحت قوة سياسية وعسكرية واقتصادية، وأن معاداتها على طول الخط ليس من الحكمة ولا من السياسة ولا من المنطق، كما لم يفهموا أيضًا أن «قطر الدولة» رأت أن الاستثمارات فى مصر فرصة اقتصادية وسياسية لإذابة الجليد، وأن التعاون الاقتصادى مع مصر خيار سياسى يحمى مصالحها ويُعيدها للمنطقة بثوب مختلف.

العداء أعمق من الاتفاقية

جوهر المسألة ليس فى «الاستثمارات القطرية»، بل فى «منطق الإخوان تجاه الدولة المصرية» فالجماعة ترى أن أى تقوية لمؤسسات الدولة إضعاف لها، فهم يعلمون جيدًا أن الاستقرار الاقتصادى أساس الأمن القومي، ومن يسيطر على الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد يملك مفاتيح القرار الدولي، وقدرة الدولة على الصمود فى وجه العقوبات أو الهجمات الاقتصادية، وهذا ما تقوم عليه السياسة الاقتصادية المصرية الناحجة حتى الآن وأحد مظاهر نجاحها الاتفاقيات الاقتصادية مثل التى نتحدث عنها.

كما يعلمون أن هيبة الدولة وقدرتها لم تعد تقف على الشق العسكرى فقط، بل أصبحت القدرة على التحكم فى الموارد والأسواق والعملات سلاحًا أكثر تأثيرًا واستدامة، فبدلًا من المعارك العسكرية، أصبحنا فى زمن المعارك الاقتصادية، حيث يمكن تجميد الأموال أو فرض حصار مالى أو تعطيل تدفق السلع ليُصاب اقتصاد الخصم بالشلل، هذه الأدوات باتت جزءًا من ترسانة الدول الكبرى، إذ تُدار المعارك من البنوك والشركات العالمية لا من الخنادق، وأن أى تقدم اقتصادى مصرى يعنى صعوبة فرض القوى الإقليمية على مصر «عودة الإخوان الإرهابية» أو أن فرص عودتهم للحياة الاجتماعية تتناقص، وبالتالى ستزداد مشاكلهم مع قواعدهم وأسرهم الاجتماعية، ومع حلفائهم الذين أقسموا لهم أنهم عائدون لقصر الحكم بعز عزيز أو ذل ذليل.

ما فهمه الإخوان ويعرفونه جيدًا، أن أى تقدم اقتصادى أو سياسى مصري، هو خصم من رصيدهم عند ممولهم، فإذا كان الإخوان يحملون حقدا وكراهية وعداء للدولة المصرية إلا أنهم مستعدون لبيع هذا العداء لمن يشتريه، والقوى الغربية التى تمنع أى تقدم لمصر اشترته ووجهته لإضعاف الدولة المصرية وللتأثير على قراراتها السياسية، وبالتالى كل تحركاتهم ضد الدولة المصرية هى وإن كانت نابعة من كراهيتهم لمصر إلا أنها أيضًا لصالح الممول، وبالتالى أى كل تقدم مصرى يعد خصمًا من رصيدهم عند الممول، ويضعهم فى حرج أمامه، كأداة ضعيفة غير قادرة على تنفيذ المطلوب وربما يستبدلهم بآخر، فضلًا عن أن التقدم الاقتصادى يضعهم فى حرج أمام المتحالفين معهم مدعى المعارضة المصرية، الذين راهنوا على سقوط الدولة، وعلى عدم قدرتها على الصمود أمام الضربات الاقتصادية التى شنتها القوى المعادية لمصر، فانحازوا للإخوان ولم ينحازوا للوطن، هؤلاء يطالبون الإخوان بتفسير ما يحدث، وربما هذا يفسر لماذا انصرف البعض عن الجماعة وطالبوا بالعودة لمصر والاعتراف بخطأ انحيازهم للجماعة الإرهابية.

الحرب النفسية الاقتصادية

الإخوان يستخدمون الاقتصاد كجزء من معركتهم ضد الدولة المصرية واستقرارها، فتحول لأداة في «الحرب الاقتصادية النفسية»، وهى حرب قائمة على المعنى والصورة أكثر من كونها نقاشًا حول السياسات أو الأرقام، فـ«الإرهابية» لم تُعَدّ نفسها يومًا كحركة اقتصادية، بل تطرح نفسها كحركة شاملة، فكرية وسياسية وعسكرية تتناقض مع الدولة الحالية وجوديًا، فإما الدولة المصرية وإما الجماعة، ولا تفاهم بينهما ولا تصالح، بل النقيض بالنقيض مثل الليل والنهار، لذا لا تُعادى الاتفاقات من منظور اقتصادي، فلا تعادى الاتفاقية كم منطلق الفكر الاشتراكى مثلًا باعتبارها نشاطا «رأسماليا»، أو تعاديها من منظور رأسمالى بحت يرفض تدخل الدولة فى الاتفاقيات ويرى تركها لرجال الأعمال والشركات الاقتصادية الكبري، بل «الإرهابية» تعادى الاتفاقية لأنها إضافة وعلامة نجاح لعدوها، «وهى الدولة المصرية»..

فبعد فقدان الجماعة أدواتها السياسية المباشرة، انتقلت إلى ساحة الصراع الرمزي، حيث تُستخدم القضايا الاقتصادية لتقويض شرعية الدولة وتشويه إنجازاتها، يستخدم الإخوان فى معركتهم شعارات مختصرة سهلة الانتشار مثل «النظام يبيع البلد»، «ثروات الشعب المنهوبة»، لتتحول التنمية إلى رمز للظلم لا للنهضة.

لا يناقش الإخوان تفاصيل العقود أو جدوى الاستثمار، بل يركّزون على المعنى السياسى والرمزى للمشروع الاقتصادى، حتى لو كان الاستثمار طبيعيًا حتى لو كان مفيدًا للمواطن المصري، فكل مشروع اقتصادى جديد عندهم رمز سياسي لا حدث اقتصاديًا، يجب هدمه وتحطيمه وتحويل مشاعر الفرحة إلى قلق أو توجس أو انصراف عنه، يعتمد هذا الخطاب على البساطة العاطفية مقابل تعقيد الحقائق الاقتصادية، وعلى استثمار الذاكرة الشعبية المثقلة بتجارب فاشلة، وبهذا يصبح الاقتصاد ميدانًا لتصنيع الغضب السياسي، لا أداة تنمية.

فى النهاية، تخوض الجماعة حربها بلغة الرموز لا الأرقام، والمعادلة لديهم بسيطة ومكررة: أى مشروع كبير مع دولة أوروبية يصبح (مشروع يقدمه النظام كرشوة ليظل فى الحكم)، أما إذا كان المشروع مع دولة عربية فيصبح (النظام يبيع البلد من أجل التغطية على فشله الاقتصادى)، هذه الجمل القصيرة لنزع الشرعية الشعبية عن أى نجاح اقتصادى محتمل، والحفاظ على غضب قواعدهم من النظام، فالإخوان بالداخل المصرى يشاهدون النجاحات الاقتصادية، ويلمسون التفاف الشعب حول قيادته، وقادة الجماعة فى الخارج تخشى أن ينحاز قطاع كبير منهم لخطاب الدولة رويدًا رويدًا، لذا يقدمون له هذا الخطاب للحفاظ عليهم بعيدًا عن أفراح الدولة المصرية ونجاحاتها.

استمرار فشل الجماعة ولحظة الحقيقة

تراهن الجماعة على أن حساسية المصريين تجاه فكرة «بيع الأراضى» أو «الاستثمار الأجنبى» كشكل من أشكال السيطرة والهيمنة، كما تذكرهم بالمستعمر القديم، وإعلام «الإرهابية» يستخدم الخطاب الرمزى لا الحقائق الرقمية؛ فالعقل الجمعى يستجيب أسرع للصور والشعارات منه للأرقام، والاقتصاد مجال معقد لا يفهمه الجمهور بسهولة، فيسهل تسييسه عبر العاطفة بهذا الشكل، يتحول الاقتصاد إلى معركة نفسية لتحطيم معنويات الشعب المصرى، لكن المصريين وبخبراتهم وتجاربهم المريرة مع الإرهابية وخطابها، يطبقون عليهم المثل المصرى القديم «خليك مع الكداب لحد باب الدار»، أى استمع له لحد ما تصل معه إلى نهاية الطريق ووقتها ستعلم أنه كذاب فلا تسمع له بعدها، وهذا ما حدث مع «الإرهابية» استمع لهم المصريون بإنصات، حتى ظن الإخوان أن المصريين صدقوهم، فلما وصلوا لباب الدار «أى للحكم» اكتشفوا كذبهم وعدم صدقهم فانصرفوا عنهم، والمصريون بعد التجارب المريرة مع «الإرهابية»، التى امتدت من 2011 إلى اليوم أصبح لديهم مناعة ضد أكاذيبهم وشائعاتهم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة