رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الجيزة تنفض «غبار عقود» بتطوير المنطقة المحيطة.. «مِنْ جاوِر المتحف يسعد»


5-11-2025 | 15:58

.

طباعة
تقرير: أحمد جمعة

منْ يمر اليوم بطريق الفيوم ويتجول بالمناطق السكنية المجاورة للأهرامات، يكاد لا يصدق أن هذه هى الجيزة التى عرفها لعقود، تلك التى كانت تختنق بزحامها وتئن تحت غبارها، فالمدينة التى كانت تقف عند عتبة التاريخ، وقد أدار لها الزمن ظهره، تعيد اليوم ترتيب ملامحها فى مشهد غير مسبوق من التطوير، بالتزامن مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، والذى شهده العالم فى احتفال مهيب، أكد مجد مصر الحضارى وهيبتها أمام الدنيا بأسرها.

ولسنوات طويلة، كانت الشوارع المؤدية إلى الأهرامات تعانى من مشاكل عدة، بداية من ازدحام خانق، وواجهات باهتة، وعشوائية تكاد تبتلع الملامح الحضارية للمكان، لكن الدولة قررت أن تكون هذه المنطقة «واجهة مصر الحديثة»، وأن «يليق مدخل الأهرامات ومحيط المتحف بعظمة التاريخ الذى يحمله».

 

 

بدأت خطة التطوير قبل نحو ثلاث سنوات، فى إطار رؤية شاملة تبنتها الحكومة لإعادة صياغة المشهد العمرانى حول هضبة الأهرام، فلم تقتصر الخطة على تحسين الطرق أو تجميل المداخل فحسب، بل استهدفت تغيير الصورة الذهنية للمكان بأكمله، ليصبح محيط المتحف المصرى الكبير واجهة حضارية تليق بمكانته العالمية.

شمل المشروع تطوير طريق الفيوم الذى أُعيد تأهيله وفق أعلى المعايير، وتجديد منطقة «مساكن الضباط» التى شهدت نقلة عمرانية ملحوظة، إلى جانب رفع كفاءة الطريق الدائرى وإصلاح الأعطال التى طالته لسنوات، كما امتد التطوير إلى قلب المنطقة الأثرية نفسها، حيث جرى نقل المدخل السياحى المؤدى إلى الأهرامات إلى طريق الفيوم بدلاً من نزلة السمان، لتتكامل المنظومة المرورية والسياحية حول المتحف فى مشهد واحد يعكس وجه الجيزة الجديد.

وجاء «الممشى السياحى» الذى يربط المتحف المصرى الكبير بمنطقة الأهرامات، وهو عمل هندسى فريد بطول يقارب كيلومترين، ليكون أكثر من طريق، بل كرحلة مميزة للسائح ينقله من حضارة إلى حضارة، من المتحف الذى يضم كنوزا فريدة إلى الأهرامات التى تمثل ذروة المجد الإنسانى القديم.

ومن شارع الرماية إلى طريق الفيوم، ومن محور الهرم إلى مداخل الطريق الصحراوى، تغير كل شيء تقريبًا، فجرى إعادة رصف الطرق بطبقات جديدة، وإصلاح وتأهيل الأعمدة بإنارة حديثة موفرة للطاقة، وإعادة طلاء الواجهات المطلة على المتحف بألوان موحدة تميل إلى البيج الذهبى، لتتماهى مع الطابع الأثرى للمنطقة، مع تطوير السور الموازى لمنطقة حدائق الأهرام، كما تمت زراعة مناطق خضراء بامتداد الطريق، وإنارة الأشجار، وتركيب لافتات باللغتين العربية والإنجليزية لتوجيه الزوار؛ وكى تصبح حركة المرور انسيابية بشكل أكبر.

وأكد المهندس عادل النجار، محافظ الجيزة، أن المحافظة كانت «بطل المشهد» فى الحدث العظيم المتمثل فى افتتاح المتحف المصرى الكبير؛ إذ تزيّنت وتجملت لهذا الحدث غير المسبوق منذ عقود، باعتبارها الواجهة التى تمثل مصر أمام ضيوفها من مختلف دول العالم، وأوضح أن المحافظة نفذت خطة تطوير شاملة للمنطقة المحيطة بالمتحف، امتدت لتشمل المحاور والطرق الرئيسية مثل الطريق الصحراوى، وطريق الفيوم، ومحورى المريوطية والمنصورية، ومنطقة أبوالهول، واستمرت أعمال التطوير على مدار أشهر طويلة، تتابعت خلالها الجهود فى مشهد متكامل جمع بين الهندسة والجمال، حيث جرى إنشاء طرق جديدة، وزراعة آلاف الأشجار والنخيل، وإقامة مسطحات خضراء واسعة تُعيد إلى المكان روحه الطبيعية، مع تحسين الرؤية البصرية، وتركيب الإضاءات الحديثة، وتعليق اللافتات والأعلام الخاصة بمصر والدول المشاركة فى الاحتفال؛ لتتحول المنطقة إلى لوحة نابضة بالحياة.

وشدد محافظ الجيزة على أن هناك متابعة ميدانية دقيقة ومستمرة من الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، للأعمال المنفذة منذ انطلاق المشروع وحتى اليوم، مؤكدًا أن العمل يجرى ليلًا ونهارًا، وأن الصيانة الدورية مستمرة بالشكل الذى يليق باسم مصر، ويجعل العالم يتحدث عنه بفخر وإعجاب.

وأشار إلى أنه تم تكليف رؤساء الأحياء المعنية بالمتابعة اليومية لأعمال الدهانات على أعمدة الإنارة، ورفع كفاءة الإضاءة الليلية، وتعليق الأعلام واللافتات التجميلية، لضمان الظهور بالمظهر الحضارى اللائق والمشرّف الذى يعكس الوجه الجمالى لمحافظة الجيزة، ويتناغم مع أهمية هذا الحدث التاريخى الفريد.

ولم يقتصر العمل -كما يؤكد المحافظ- على تطوير الطرق والمحاور فحسب، بل امتد ليشمل رفع كفاءة الخدمات العامة كافة، من مرافق وصرف صحى وكهرباء وإنارة، بما يضمن جاهزية البنية التحتية بالكامل لاستقبال الزوار والوفود من أنحاء العالم، وليظل المكان عند مستوى المكانة التى يستحقها جوار الأهرامات والمتحف المصرى الكبير.

من بين سكان المنطقة الذين لمسوا التغيير بأنفسهم، يتحدث مصطفى أحمد جابر، أحد أهالى منطقة مساكن الضباط بالرماية، والذى قال: « الحقيقة إن رفع كفاءة الخدمات المحيطة بالمتحف بدأ من اللحظة الأولى للتخطيط للمشروع، وجاءت أعمال التطوير وفق خطة شاملة لإعادة بناء البنية التحتية من الجذور، خاصة فى مجال النقل والطرق، حيث تمت إعادة تخطيط وتوسعة طريق الفيوم والطريق الصحراوى بالكامل، بما يواكب حجم الحركة المنتظر مع افتتاح المتحف المصرى الكبير».

وأضاف: «كان هناك تطوير للبنية التحتية الخاصة بمرفق النقل والطرق، وإعادة تخطيط وتوسعة شاملة لطريق الفيوم، والطريق الصحراوى، مع تهيئة تلك الطرق بوسائل تأمين أكبر مثل الرادارات والمطبات الصناعية، وكبارى عبور المشاة، ما يساهم بشكل ملحوظ فى خفض نسب حوادث الطرق».

وأكد أن العنصر الجمالى كان حاضرًا بقوة فى فلسفة التطوير؛ إذ لم تقتصر الجهود على البنية التحتية فحسب، بل امتدت لتلامس روح المكان وهويته: “الناس كلها لاحظت المشروع الجميل اللى نفذوه على الطريق الصحراوى فى الاتجاه المؤدى للمتحف، لوحات فنية بتجسد شخصيات مصرية مؤثرة فى التاريخ، مثل نجيب محفوظ وأم كلثوم، وطه حسين وأحمد زويل، وهذا ما جعل الطريق نفسه كأنه معرض مفتوح للهوية المصرية”.

ولفت إلى أن أعمال التطوير لم تتوقف عند طلاء العمارات أو تجميل الواجهات، بل امتدت لتشمل تجهيز المدينة بكل تفاصيلها اليومية، فقد جرى إنشاء مواقف انتظار منظمة للأتوبيسات والسيارات، وتركيب أعمدة إنارة حديثة تزين الشوارع والمداخل، إلى جانب تشجير الميادين والطرق بأشجار ونخيل.

ولم تغب اللمسة الأمنية عن هذه المنظومة، كما يوضح جابر الذى أضاف: «دلوقتى وجود الارتكازات الأمنية بقى جزء من المشهد، فيه انتشار واضح لقوات الشرطة حوالين المنطقة كلها، وده مطمن جدًا للسكان والزوار على حد سواء، وإحنا كأهالى الرماية حاسين إن المنطقة بقت بتتنفس من جديد، واللى يشوف التغيير النهارده يعرف إن الجيزة فعلاً استعدت لشهور علشان تستقبل العالم».

وعلى هذا المنوال، قال المهندس رشاد حسين أحد سكان المنطقة، إن مشروع المتحف المصرى الكبير، شكل تغييرا جذريا فى تحسين جودة الخدمات للسكان بمنطقة الرماية، مضيفا: “التخطيط لجذب الزوار للمتحف يتطلب تيسير سبل الوصول للزائرين، وهذا ما قامت عليه الدولة بالعمل على تشييد أكثر من 3 محطات مترو أنفاق ضمن المنطقة المحيطة بالمتحف المصرى الكبير”.

وأضاف أن الفائدة من إنشاء تلك المحطات لن تقتصر على خدمة زوار المتحف فحسب، بل ستمتد أيضًا إلى سكان المناطق المحيطة الذين سيستفيدون بصورة مباشرة من سهولة الحركة وتحسن شبكات النقل العام، وهو ما يخفف الضغط المرورى بالمنطقة.

وامتد التطوير ليشمل شبكة المواصلات الحديثة، حيث يجرى إنشاء 3 محطات بالقرب من المتحف، من بينهم محطة مخصصة للمتحف المصرى الكبير، تم تشطيبها بطراز فرعونى مميز يتناغم مع هوية المتحف ومعمار المنطقة، وتتزين فى الوقت الراهن بالتزامن مع افتتاح المتحف، والثلاث محطات هي: المتحف الكبير، والرماية، والأهرامات، وتهدف إلى تيسير حركة الزوار والمترددين الذين يُتوقع أن يتزايد عددهم بشكل كبير بعد الافتتاح الرسمي.

وتم الانتهاء من أعمال إعادة الشيء لأصله بالمنطقة المحيطة بالمتحف، وهذه المحطات الثلاثة أصبحت مُنتهية من السطح قبل افتتاح المتحف الكبير. ويمتد الخط الرابع لمترو الأنفاق فى مرحلته الأولى لمسافة 19 كيلومترًا، ويضم 17 محطة تبدأ من محطة حدائق الأشجار وحتى محطة الفسطاط، على أن يتقاطع مع الخط الثانى فى محطة الجيزة، ومع الخط الأول فى محطة الملك الصالح، ما يجعله شريانًا جديدًا يربط المتحف بباقى أحياء العاصمة ويعزز من سهولة الوصول إلى هذا الصرح العالمى.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة