رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النضارة والحضارة والجسارة


5-11-2025 | 15:46

.

طباعة
بقلـم: د. جيهان زكى

على ضفاف النيل، يمتلئ هواءُ القاهرةِ برائحةٍ عَطِرةٍ وبعبقِ بخورٍ يتطاير ويأتينا من زمن بعيد، زمنِ أوزيريس، راعى الخيرِ والعدلِ والسلام. أما أنسامُ الفجرِ الأولى، فتناغمت مع البهجةِ والفرحةِ اللتين نسجتْهما إيزيس بيديها الحانيتين كى تنثر المودّةَ والسكينةَ فى النفوس، والأملَ والسعادةَ فى القلوب، وكأنّ الحياةَ تتجدّد مع كل صباح لتحفظ الوعد بالخلود.

اليوم، على هذه الأرضِ الطيّبة، تستعدّ جموع الشعب المصرى لإعلاءِ لواءِ الجمالِ والرقيّ، فى لحظةٍ من اللحظاتِ التى سيخلّدها التاريخُ، ذلك اليومِ الذى ستشرقُ فيه مصرُ بوجهِها النَضر، وتتجلّى للعالمِ بثوبِها الذى حاكته حضارةٌ لا تتقادمُ ولا تشيخُ، حضارةٌ تُذكِر القاصى والدانى أنّ الفن والحضارة هما ريادتُها، وأنّ الثقافةَ الأصيلةَ هى أسلوبُ معيشِتها، وأن التفاؤل وحب الحياة ومددها بعد الموتِ لهوَ سر عظمتهم منذ فجرِ الزمان.

 

 

وبما أنى من المؤمنين بأن الشرق والغرب يلتقيان أحيانًا على دروب التاريخ..

فقد شاءت الأقدار أن يكون الأول من نوفمبر موعدًا لافتتاح المتحف المصرى الكبير، ذلك اليوم الذى يحتفل فيه الكاثوليك بـ«عيد جميع القديسين»، يومٍ يرمز فى ثقافتهم إلى العالم الآخر وفكرة الاحتفال بأرباب حياة ما بعد الموت. يا لروعة التقاء الرموز!

فها هو المتحف المصرى الكبير وكأنه معبد للخلود المصري، يفتح أبوابه فى اليوم ذاته الذى يحتفى فيه الغرب بذكرى القديسين والأرواح، وكأنما أرادت مصر أن تذكّر العالم بأن فلسفة الحياة والموت التى آمن بها أجدادها كانت وستظل منارة تهدى الإنسان إلى معنى البقاء.

وسواءٌ أتى الزائر من الشرق أو من الغرب، أو لم يأتِ، فالجميع سيتهافت لمتابعة هذا الحدث الفريد على شاشات القنوات الفضائية أو شبكات التواصل الاجتماعي.

حدث استثنائى واستعدادات غير مسبوقة لاستقبال الأمراء والرؤساء والنبلاء وكبار الدبلوماسيين وممثلى الحكومات، ليشهدوا جميعًا ميلاد صفحة جديدة من تاريخ مصر، تاريخ لا ينضب، ووطن لا يغيب عنه النور.

عزيزى القارئ

بينما أتابع هذا الزخم المهيب حول افتتاح المتحف المصرى الكبير، قفز إلى خاطرى طيفُ فكرةٍ غمرَتنى بالحنين والفخر، فقد تذكرت احتفالية تدشين الصالات الأمامية لمعبد إسنا الذى شُيد على بعد كيلومترات بسيطة من مدينة طيبة القديمة، والتى وصف لنا أجواءها عالم المصريات الفرنسى سيرچ سونرون، الذى قام بقراءة وترجمة الابتهالات والترانيم المنقوشة على جدران المعبد والتى عكست فى روايتها أجواء الفرحة والبهجة التى ملأت القلوب، ومن مصدر علمى آخر، قرأ جان يويوت متونا تتحدث عن الاستعدادات والمتابعة من قبل النبلاء وكبار القادة لتفاصيل استقبال الرعايا الأجانب والمدعوين لحضور هذه اللحظات الاستثنائية والمشاركة فى فاعلياتها، كما عكف العالم بيرنارد ماثيو على دراسة إعداد دبلوماسيى البلاط الملكى وتأهيلهم لخوض مثل هذه المهام الملكية الرفيعة.

وكأن التاريخ يُعيد نفسه!

فعلى خلفية هذا الفكر المقارن بين الماضى والحاضر، تجرأت فى وجدانى أن أقيم حديثا مع ما تبقى من هذه المبانى القديمة أو ما نعرفه بـ«الأثر» وتخيلت، أنا ابنة الحداثة، أن صوته يصلنى خافتا عبر قرون وألفيتين من الزمان ولكنه مسموع.. فيفضفض ويقول:

بيسمونى باللغة العربية «أثر»

وده اسم عربى قديم جدا.. بس مش أقدم منى

ميلادى كان من زمان أوى.. فلا كانى ولا مانى

كان فيه البشر غير البشر والناس غير الناس

عَدِت علىّ شمس وراها شمس

تصبح علىّ.. وتطمن علىّ.. وكمان تدفينى

بكام شعاع كده من بتوع إخناتون

فاكرينه.. ده العابد الخاشع أدام خالق الكون

ثم تنهد واسترسل فى الحديث..

آه على قسوة البشر

عينى عليك يا «آثر»

ولّى الزمن عليك وجبر

حتى العيال ولاد ولادى.. لا بقوا عارفنى

وتقريبا نسيوا مين أبويا ومين اللى جايبنى

كل همهم يلعبوا ويشخبطوا على أحجارى

بس كنت دايما صابر على كل اللى بيجرالى!

ووجدتُنى أُسارع فى الإجابة على «أثر»، كأنّ شيئًا فى داخلى قد انتفض من أعماق الذاكرة، فأفقت من تخيّلاتى ورفعت صوتى قائلةً:

لا، أيّها المعلّمُ الفيلسوفُ، أيّها الحكيمُ الجليل!

لا تحزن أيّها الوقور، فما زال لك فى هذا الزمان أحبابٌ وتلاميذُ وأتباعٌ وعشّاقٌ، لم ولن ينسوا أنك أنت الذى علّمتَنا، وعلّمتَ البشريةَ جمعاء، معنى الحكمةِ والمعرفةِ، وفتحتَ أمام الإنسانِ أبوابَ النور.

انظر من عليائك، وتأمّل ما صنع أبناؤك الأوفياء..

ها هو المتحفُ المصرى الكبير، شامخٌ كهيبةِ الأهرامات، شيدَه أبناؤك بفخرٍ واعتزازٍ، إعلاءً لأمجادك، وحفاظًا على ذاكرتك الخالدة، وتكريمًا لمسيرتك التى علّمتِ الدنيا معنى الخلود.

أما آن لك أن تطمئنَّ، وأن ترى بعينِك كيف ما زال الوفاءُ حيًّا، والبرُّ بالأجدادِ قائمًا لا يزول؟

دعنى أحكِ لك، يا معلّمى العظيم، تجربتى مع هذا المتحفِ الذى نترقّب جميعًا افتتاحَه الرسميَّ، لتعلمَ أن جموعًا من عشّاقِ حضارتِك الباهرة لم يألوا جهدًا فى صونِ إرثِك وحمايةِ تراثِك. لقد حملوا الأمانةَ بإخلاصٍ، وساروا على دربِك بالحبِّ والعلمِ والعمل، كى يظلَّ اسمُك منقوشًا فى ذاكرةِ الزمان، كما كنتَ دائمًا: معلّمَ الحياةِ ومُلهمَ الأجيال!

شاءت الأقدار، فى مطلع الألفية الثالثة، وتحديدًا حين كنت أشغل منصب مدير إدارة المنظمات الدولية بالمجلس الأعلى للآثار التابع آنذاك لوزارة الثقافة أن يكون ملف المتحف المصرى الكبير أحد الملفات التى كنت أتابعها بوصفه أحد مشاريع التعاون الثنائى بين مصر ومؤسسة «الجايكا» اليابانية، وذلك بالتنسيق مع زميلتى العزيزة الدكتورة نورة عبيد المسئولة عن حشد التمويل لهذا المشروع الضخم، وكذلك الأستاذ أيمن عبد المنعم والذى جاء من بعده الأستاذ محمد غنيم رحمه الله. الكل يعمل على قدم وساق بحماس وإيمان بأهمية هذا المشروع القومى.

كان الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة فى ذلك الوقت، يُولى هذا الملف اهتمامًا بالغًا، ويتابعه شخصيًا مع الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور زاهى حواس حينذاك،

وكان حريصًا على أدق التفاصيل المعمارية، وعلى اختيارات التصميم «السينوغرافي» لهذه المساحة الفريدة، بما يليق باستقبال عشرات الآلاف من القطع الأثرية التى ستحكى تاريخ مصر الممتد عبر العصور.

ومنذ ذلك الحين، مرَّ أكثرُ من أربعةَ عشرَ عامًا، كان خلالها مشروعُ المتحفِ المصرى الكبير رحلةً ملحميّةً من العملِ والإصرار، تُجسِّد إرادةَ وطنٍ لا يعرفُ المستحيل. فقد تعاقبت على أرضِ المشروعِ مراحلُ دقيقة من التخطيطِ والبناءِ والتطوير، شهدت خلالها واجهةُ المبنى تحوّلاً معماريًّا مهيبًا، أعيدت صياغتُه بروحٍ حديثةٍ تستلهمُ عظمةَ الأهرامات وتُجارى فى الوقتِ ذاته لغةَ العمارةِ العالميّة.

وفى داخلِ هذا الصرحِ العظيم، جرى تأهيلُ مساحاتٍ شاسعةٍ، وتحويلُها إلى قاعاتِ عرضٍ متخصّصةٍ، صُمِّمت وفقَ أحدثِ المفاهيمِ المتحفيّة فى العالم، لتروى للعالمِ قصةَ الإنسانِ المصرى منذ فجرِ التاريخ. فكلُّ قاعةٍ من قاعاتِ المتحف تحكى فصلًا من ملحمةِ الخلودِ، وتُقدّم للزائر تجربةً حسّيةً وبصريّةً راقيةً تجمع بين عبقِ الماضى وابتكاراتِ الحاضر.

لقد جُهِّزت القاعاتُ بأحدثِ تقنياتِ الإضاءةِ والعرضِ ثلاثى الأبعاد، وأنظمةِ الحفظِ البيئى المتقدّمة، لتصونَ كنوزًا لا تُقدَّر بثمن، تُعدّ من أعظمِ ما أبدعَه الإنسانُ فى تاريخه الطويل. هنا، يقف تمثالُ رمسيس الثانى شامخًا كرمزٍ للخلود، وهناك تلمعُ كنوزُ توت عنخ آمون فى عرضٍ غير مسبوق، لم يَجمعها مكانٌ واحدٌ من قبل.

وتضافرت مؤسّساتُ الدولةِ المصريّة، مدنيّةً وعسكريّةً، علميّةً وثقافيّةً، فى ملحمةِ تعاونٍ نادرٍ، لتشييدِ هذا المشروعِ الوطنى العملاق، ولإخراجِه بالصورةِ التى تليقُ بمصر، أمّ الحضارات، ومهدِ الفنونِ والعلوم. كان الهدفُ منذ البداية أن يُصبحَ هذا المتحفُ نافذةً تطلُّ منها مصرُ على المستقبل، كما كانت دائمًا بوّابةَ الماضى إلى الحاضر.

إنّه ليس مجرّد مبنى من حجرٍ وزجاج، بل رسالةٌ حضاريّةٌ للعالم بأنّ مصرَ، التى علّمتِ الإنسانيةَ معنى الخلود، لا تزالُ تصنعُ التاريخَ بيديها، وتُعيدُ تعريفَ الجمالِ والحضارةِ برؤيتها الفريدة التى تمزجُ بين الأصالةِ والتجديد.

تابعتُ بشغف الأحاديث الأخيرة التى أدلى بها السيد الوزير فاروق حسنى حول نشأة فكرة إقامة هذا الصرح العظيم، وفلسفة إنشائه، ورغم أننى تشرفتُ بالعمل فى دائرته ما يقرب من عشر سنوات، كمدير لإدارة المنظمات الدولية، وبالتوازى إدارة الآثار المستردّة ثم كرئيس لهيئة إنقاذ آثار النوبة، إلا أننى حين استمعت إليه مؤخرًا، شعرت كأننى أعيش التجربة من جديد، وأنه مازال محتفظا بروح الشباب والحماسة والشفافية التى أخرج بها فكرة بناء المتحف منذ ميلادها الأول إلى النور.

وربما تحملُ هذه الملحمةُ فى طيّاتها رسالةً غير مباشرة، وربما تحملُ هذه الملحمةُ فى طيّاتها رسالةً غير مباشرة، لكنها بالغةُ الأهمية، إلى الشباب عمومًا، وإلى شبابِ الأثريّين بوجهٍ خاص فى أن الإيمانَ بالفكرةِ الصائبةِ والعملَ المخلصَ لترجمتها على أرضِ الواقع، لهما أفضل السبلُ لتحويلِ الحلمِ إلى حقيقة.

فالمشروعاتُ القوميةُ العظيمةُ لا تولدُ بلا تحدّيات، لكنها، بإصرارِ أبنائها، تزدهرُ فى النهاية، وتُعيدُ للوطنِ وجهَه المشرقَ الجميل.

فعلينا أن نثبتُ أن الحلمَ حين يسكنُ قلبًا مؤمنًا، لا بدّ أن يرى النور وأن تستلهم الحكمة والقوة من الجد الأكبر «رمسيس الثاني» الذى يقف شامخًا فى سكونه المهيب، يستقبل المصريين ويسعد بإحياء أمجاده وأمجاد أجداده وأولاده.

فأتخيّله يصغى إلى همس من يلتفون حوله لالتقاط صورة، ويسعد بضحكاتهم ونكاتهم التى تسعده وترفه عنه وسط سكون وطول الأيام.

فتخيلت أيضا نظرته العميقة لاحد أولاده من المصريين وكأنه يود أن يحادثه ويقول له

تعالى.. جر الكرسى وإقعد معايا

أحكيلك وأفضفضلك على اللى عملته فينا الدنيا

فاكر «رمسيس» جدك الكبير صاحب الموميا

ما فى بنى آدم، أبيضانى ولا أسمرانى إلا وأتمنى قربه

عَدِت بيه الأيام والليالى وهو سايق فى عز جبره

ولا طال الزمن شكله ولا حتى شعرة من شعره

فارد طوله ومادد رجله فوق زمان ومكان

وهناك بعيد أوى فى بلاد الدهب والمرجان

تحت شمس النوبة .. راح يرتاح من تعب الأيام

فقعد على شط النيل، وإنجعص فوق عرشه تمام

وجنب منه الست «حلاوتهم» .. قصدى المدام

طول بعرض وشعر طاير، مدهون بزيت الزمان

بس يا بنى الزمن غدار..

فى يوم فاق جدك على المية مغرقه رجليه

يا ولاد إيه اللى حصل.. دا إحنا فى الجبل!

قالوا.. معلش يا جدو، أصل إحنا بنبنى «سد»

سد.. «سد» يعنى ايه؟

فردوا.. دا الشىء لزوم الشىء

وبعد شوية أيام بليالى، حس فيها جدك بالضيق

لقى الناس تانى بتهم وتجرى عليه

أبيض وأسمر وكمان الملون ابن الإيه

وجدك يا بنى، ما بقاش فاهم إيه اللى بيجرى حوليه

أتراهم بيبنوا «سد» بس المرة دى «عالى»

«سد» تانى ..فاكر الكلمة دى ولسه فى بالى

طب وأنا مالى.. دا انا قاعد فى حالى!

لا.. خلاص القعده دى ما بقتش تنفع

حنشيلك وواحده واحده علشان تطلع

تبص من فوق بحيرة كبيره وميه كتيره

تفكرك بأيام أوزوريس والفيضان

وهيلا بيلا.. شالوا جدك الددبان

وطلعوا بيه دورين.. وكام متر كمان

ولكن تصدق.. بعتلى تانى يشتكى من رجليه

شيعلى بدل المرسال إتنين.. يقولولى»ليه»؟

ليه يا ولاد ليه؟

ده «من ساب داره إتقل مقداره»!

ومن فات تاريخه وقديمه ..

فرطت منه أيامه وسنينه!

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة