«عشت لأرى المتحف المصرى يفتح أبوابه أمام العالم، عشت لأرى الحلم يتحول إلى حقيقة على أرض الواقع، إنه شعور لا يوصف ولا أجد كلمات تستطيع أن تعبر عنه...»، هكذا تحدث الفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير، لكن وراء الحلم الكبير قصة طويلة من العمل الجاد والفلسفة العميقة التى مكّنت من تحقيق الحلم.
تلك قصص تستحق أن تُروى ليسجلها تاريخ البشرية، فصولها مملوءة بالبطولات والإنجازات العلمية، وأبطالها بشر آثروا العمل فى صمت، ما بين أيديهم كنوز فريدة لا مثيل لها ولن تتكرر بعد اليوم، عملوا وسط أجواء من الاجتهاد والعمل والمثابرة لبناء أركانها البليغة التى يندر تكرارها، استغرقت عملية بناء أركانها وحبك فصولها أكثر من 23 عاما متواصلة من الكدّ والاجتهاد والعمل وسط ظروف متغيرة باستمرار، قصص يطول سردها عن بناء المتحف المصرى الكبير هى ولادة الفكرة وتفاصيل فلسفة البناء الذى نجح فى المزج بين الحداثة وروح الحضارة المصرية وأهرامات ملوك الدولة القديمة.
أول فصول تلك الرحلة الشاقة هى عبقرية الفكرة التى خرجت بطريقة عفوية، عندما راود الفنان فاروق حسنى قبل نهاية تسعينيات القرن الماضى، أطلقها فى وجه مَن انتقدوا المتحف المصرى بالتحرير وتندّروا عليه وأسموه «المخزن المصرى» نتيجة تكدس القطع الأثرية داخل قاعات العرض والمخازن، ردد قائلا بكل ثقة : «مصر تبنى أكبر متحف للآثار المصرية لن يرى العالم مثيلا له، هو أهم وأكبر بناء ثقافى فى القرن الـ21، يضم أكبر مخازن متخصصة وأحدث معامل لترميم الآثار وأجمل قاعات عرض متحفية»، هكذا جاء رده وقرر تنفيذ الفكرة الطموحة، وقبل حلول عام 2002 قرر المضى قُدما بعدما وافقت الحكومة المصرية على تنفيذها.
وخلال رحلة البناء، كانت هناك قصص شيّقة تقف خلف التجربة الاستثنائية التى يخوضها اليوم زائر المتحف المصرى الكبير، أعظم متاحف العالم العلمية المتخصصة فى سرد تاريخ الحضارة المصرية القديمة، بداية من تفاصيل الواجهة التى تحمل رموز الكتابة الهيروغليفية المقدسة، وحتى تفاصيل المبنى البديع الذى يتراءى من بعيد، وكأنه أحد أهرامات الدولة المصرية القديمة، الذى يتماهى مع ملامح الجبانة الملكية التى تقف شامخة لآلاف السنين، حتى أشعة الشمس التى تنكسر داخله لتحمل ضياء خافتا، يُنير وجه الملك رمسيس الثانى «الجد الأعظم»، ثم يتناثر عبر بهوه العظيم.
«درب من الخيال»، هكذا نظر الكثير لفكرة بناء متحف كبير وسط صحراء الجيزة المطلة على أهرامات الدولة القديمة والتى لا تبعد سوى كيلومترين فقط، الموقع فريد وضخم تزيد مساحته على 500 ألف متر مربع، ويتطلب تصميما استثنائيا يتماهى مع بانوراما الأهرامات البديعة، لذا أعلنت الحكومة المصرية فى عام 2002 عن مسابقة معمارية دولية لاختيار أفضل تصميم لمبنى متحف جديد تمتزج فيه الحداثة بروح الصحراء المصرية، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، والاتحاد الدولى للمهندسين المعماريين، تقدم للمسابقة 150 مكتبا للتصميمات الهندسية المعمارية من 80 دولة وأكثر حول العالم، فاز بها التصميم الذى قدمته شركة «هينجهان بنغ» لمجموعة من شباب المهندسين المعماريين من أيرلندا، تصميمهم اعتمد على فكرة انكسار أشعة الشمس؛ إذ إنها تشرق من خلف قمم الأهرامات الثلاثة ثم تمتد إلى موقع المبنى المتحفى، هناك تتلاقى ككتلة مخروطية عند مبنى المتحف المصرى الكبير، لذا جاء تصميم الواجهة الرئيسية للمتحف على شكل مثلثات تنقسم إلى مثلثات أصغر فى إطار رمزى للأهرامات، وذلك طبقا لنظرية رياضية عن التقسيم اللانهائى لشكل المثلث، كى تخلق حوارا بصريا مع أعظم المبانى الهندسية فى تاريخ البشرية، وهى أهرامات الجيزة.
استوحى التصميم الفائز فكرته من زاوية انحدار الهرم الأكبر للمك «خوفو» بزاوية 52 درجة كى يتماهى موقع المبنى المتحفى بصريا مع الأهرامات، استخدم المهندسون خطوطًا مستقيمة ونقوشًا هندسية مستلهمة من الفن المصرى القديم، دون الوقوع فى فخّ التقليد، لتظهر الواجهة وكأنها شيفرة معمارية تربط الماضى بالمستقبل، وجاء تصميم الواجهة الأمامية الضخمة التى ترتفع لأكثر من 40 مترا لتقف أمام الزائر قبل أن يبدأ رحلته داخل المتحف كحائط ضخم يجسد حالة التمازج بين الحديث والقديم ويفصل بين الواقع وبين الخيال الذى سيلازمه خلال رحلته داخل المبنى المتحف الضخم، الواجهة كانت مصممة لتغطيها أحجار الألباستر الشفافة كى تسمح بمرور الضوء الطبيعى، لكن نظرا لتكلفتها الباهظة تم الاستغناء عن الألباستر بمادة مصنّعة أخرى لتؤدى الغرض وتعكس بعضًا من روح المعابد المصرية القديمة، وإن ظلت أشعة الشمس تلاحق الزائر داخل البهو العظيم والدرج الملكى كى تقوده نحو المسار الصحيح.
تنفيذ التصميم الفلسفى على تلك الأرض الصحراوية كان مثل معركة مليئة بالتحديات الجيولوجية والبيئية؛ إذ كان من ضمن اشتراطات الحكومة المصرية وقتها أن يتحمل تصميم المبنى المتحفى درجات الحرارة المرتفعة، وزحف الرمال، والزلازل المحتملة، لذا جاء تصميم المبنى من الداخل على هيئة فراغات كبيرة مرتفعة الأسقف، بعضها يرتفع إلى 28 مترا، كى يساعد على انكسار الضوء والحرارة، وهو ما نراه وسط البهو الكبير الذى يقف فى مدخله تمثال الملك رمسيس الثانى، كما تم تصميم أنظمة تهوية وتبريد معقدة لحماية القطع الأثرية، خصوصًا تلك المصنوعة من مواد عضوية كالأخشاب والأنسجة.
كما راعى التصميم الهندسى أن يتكون المبنى من عدة مستويات للزيارة والرؤية أيضا، كأنه يخلق مسارات للزيارة تروى فصول قصة الحضارة المصرية زمنا بعد زمن بأسلوب سينمائى متقن، وخلال المسار نفسه تتعدد مجالات الرؤية أمام الزائر، فهى لا تقف عند حدود مجال رؤية القطعة الأثرية فقط لكنها تأخذ الزائر لمجالات مختلف من الرؤى، خاصة عندما يصعد الدرج الملكى ليقف أمام المشهد الفريد، حيث يرى أمامه أهرامات الجيزة مطلة بشموخ وبشكل متصلة معه من موقعه داخل المتحف.
وأهم ما يميز تصميم المتحف المصرى الكبير أنه لا يحاكى الماضى حرفيا، بل يستلهم روحه بلغة معاصرة، فهو لم يتخذ شكل المعابد المصرية القديمة، أو أيًّا من الرموز مصرية التقليدية، سواء كانت كتابة هيروغليفية أو رسومات جدارية، لكنه يعبر عن قوة الحضارة المصرية بأسلوب معمارى جديد، ويضع مصر فى قلب الحركة المعمارية العالمية المعاصرة.
مشروع البناء استغرق سنوات طويلة نظرا للظروف السياسية التى عاشتها مصر فى عام 2011، خاصة أن البداية كانت فى عام 2005 عندما أعلنت الحكومة المصرية البدء فى تنفيذ المشروع، وكانت اللبنة الأولى هى بناء أكبر مركز لترميم الآثار فى الشرق الأوسط يقوم بترميم وحفظ وصيانة وتأهيل القطع الأثرية للعرض المتحفى، والذى تم الانتهاء من بنائه وافتتاحه فى عام 2010، وكان متوقعا افتتاح المتحف قبل حلول 2012 لكن حالة عدم الاستقرار تسببت فى تأخر العمل وتوقف المشروع سنوات، وكانت ميزانية التنفيذ تمثل التحدى الأكبر خاصة أنها تخطت المليار دولار، وتلك قصة أخرى نسردها بالتفصيل لاحقا.
وعلى الرغم من حجم الصعوبات، باتت مصر اليوم تمتلك متحفا ليس كغيره من المتاحف، إنما مؤسسة ثقافية تاريخيّة أثرية تعليمية متكاملة، تلعب دورا حيويا فى تقديم خدمات تعليمية تخاطب العقل وتحث الفكر على الإبداع وتقدم تجربة تعليمية شاملة، وهو الدور الذى تحقق بالفعل داخل المتحف المصرى الكبير، وبات يجسد فكرة «متاحف من أجل التعليم والبحث العلمي»، على حد وصف المجلس الدولى للمتاحف «آيكوم».