بناء المتحف الكبير وافتتاحه فى مشهد عالمى مهيب؛ يثير الشجون ويفتح الباب على عشرات من الأمور والقضايا التى تستحق النقاش، فضلا عن المعانى والدلالات التى يثيرها إنشاء المتحف، أحد أهم المعانى التى يمكن أن تتوقف أمامها هو استقبال المصريين وتعاملهم مع هذا الإنجاز الضخم. على مواقع التواصل ارتدى المصريون والمصريات الملابس المصرية القديمة، صار كل مصرى ملكًا وكل مصرية ملكة.
فى الحياة المصرية، هناك أحداث كبرى يكون عنوانها هو تعامل المصريين واستقبالهم للحدث، يصبح هذا الاستقبال بوصلة المحللين والمؤرخين فى التعامل مع أمور عديدة، قد تصدر قرارات حاسمة وتتخذ سياسات بناء على تعامل المصريين مع الحدث وموقفهم منه.
استقبال المصريين للزعيم سعد زغلول وهو عائد من المنفى، كان رسالة مباشرة إلى دولة الاحتلال وإلى السلطان أحمد فؤاد وإلى العالم كله أن هناك تصميما مصريا كاملا على نيْل الاستقلال والفوز بسيادة دولتهم على أرضهم، كما حدث من قبل مع جنازة الزعيم مصطفى كامل، تلك الجنازة التى هزت عمد الاحتلال البريطانى فى مصر، وأقنعت بعض الذين كانوا عاونوا الإنجليز بأنه لا بديل عن الاستقلال ونيْل الحرية كاملة.
الحدث الجلل الذى حسمه خروج المصريين هو يوم هزيمة يونيو 1967، حين قرر الرئيس جمال عبدالناصر أن يتنحى، رفض الشعب القرار، وخرج بقضه وقضيضه محتجًا على القرار، وعرف العالم أن هذا الشعب لن يقبل الهزيمة ولن يستسلم، ربما لو تم التنحى وجاء حاكم آخر، فلن يكون مطالبا بالرد على الهزيمة، لأنها ليست مسئوليته، وهكذا تعامل العالم مع مصر، باعتبار أن الهزيمة ليست النهاية، بل هى بداية جديدة انتهت بانتصار أكتوبر 1973.
لولا خروج المصريين يومى التاسع والعاشر من يونيو سنة 1967، ربما تغير مسار التاريخ، ولما كانت هناك حرب الاستنزاف ولا حرب أكتوبر العظيمة.
استقبال المصريين وتعاملهم مع بناء المتحف وافتتاحه هو أحد المشاهد التاريخية الكبرى التى تجعل للافتتاح رونقًا خاصًا ومعنى إنسانيًا أعمق.
هذا الاحتفاء الشعبى يكشف اعتزازًا لدى المواطن بمصريته وحضارته القديمة، التى أبهرت وما زالت تبهر العالم.. دعنا الآن من المناقشات البيزنطية حول الهوية المصرية.. عربية أم فرعونية، المصرى لا يشعر بهذا الإشكالية، هو مصرى يتكلم العربية ويدين بالإسلام، لكن هذا لا يعنى القطيعة مع تاريخه ولا إدانة ذلك التاريخ أو إنكاره، بل يظل معتزًا به، فخورًا بأجداده.
ارتداء المصريين -افتراضيا- الأزياء القديمة، الملوك والملكات تحديدا، يكشف أن كل مواطن يشعر فعلا أنه سيد فى وطنه، ملكًا أو ملكة، إنه الاعتزاز والثقة بمصريته ووطنيته وقوميته، يفخر المصرى أن يرى وطنه عزيزا مقدرًا.. والحق أن المصريين تعرضوا فى السنوات الأخيرة لمحاولات من إنكار التاريخ المصرى، بل وإهداره، وأخذ ذلك أشكالا عديدة، رفضها المصريون، وكان افتتاح المتحف مناسبة يعلنون فيها بأعلى صوت أنهم مصريون يعتزون بمصريتهم وبتاريخهم كله، خاصة منه التاريخ القديم.
محاولات إنكار التاريخ القديم تأخذ شكل السؤال الساذج: هل نحن عرب أم فراعنة؟
طرح الأمر على هذا النحو يعنى أن تكون فى تناقض بين مصريتك وعروبتك، وأن أيًّا منهما تنفى الأخرى، ربما كان هذا السؤال مقبولا فى مطلع القرن العشرين، وفى العموم كان بعض المستشرقين ورجال الاستعمار هم مَن بادروا بطرحه ثم انتقل الأمر إلى بعض كُتابنا، وكانت الدوائر الاستعمارية تطرح الإشكالية من باب فهم أو ضرب العلاقة بين مصر ومحيطها العربى، لكن -الآن- وبعد الحفريات الأثرية التى اكتُشفت فى شمال المملكة العربية السعودية وفى منطقة العلا تحديدا، حيث تبين وجود بعض آثار مصرية قديمة هناك، وتبين وجود بعض توقيعات لأحد ملوك مضر بما يعنى أنه مر من هناك، وهذا يؤكد أنه لا تناقض بين الانتماءين.. لكن إلى يومنا هذا ما زال البعض يصرّ على هذا التناقض ويطرحه علينا.
بعيدًا عن محاولة الإنكار تلك، للتاريخ القديم تحت مظلة التساؤل البريء، هناك محاولات لإدانة ذلك التاريخ، بما يفرض على المصريين التبرؤ منه أو عدم الاعتزاز به، هناك الإدانة طبقا لبعض التفسيرات الدينية، التى أطلقها بعض المفسرين أو المؤرخين، وإن كان هناك آخرون رفضوا تلك التفسيرات ولم يقبلوا بها، لكن جماعات الإسلام السياسى تحاول الترويج لعملية الإدانة وتحاول التوسع فيها لتشطب من التاريخ.. الحضارة المصرية القديمة بكل إنجازاتها الهندسية والعلمية فى مختلف المجالات، باختصار يحاولون وضع الحضارة المصرية فى كفة العداء والرفض مع الإسلام ذاته، رغم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو القائل: (خياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام)، أى أن الإسلام لم يأتِ ليُحدث قطيعة تامة ولا عداء مع كل ما سبقه، سواء فى مجتمع الجزيرة العربية، أو أى مجتمع آخر.
إلى جوار هذا الموقف وعلى هامشه، نشطت سرقة الآثار والاتجار فيها، السرقة تتم بزعم أنها «لُقية» موجودة فى باطن الأرض ومن ثم تصير من حق صاحب الأرض، أو مَن يكتشفها ويعثر عليها، ومن أسف أن البعض أفتى لهم بذلك، وتقريبا لا يمر أسبوع دون اكتشاف حالة حفر تحت البيوت وارتكاب جرائم فى سبيل البحث والتنقيب عن آثار فى باطن الأرض، يقال عنها «لُقية».
وتصور البعض خارج مصر، أن المصريين جميعا على شاكلة أولئك التجار والمهربين وأننا لا نحترم آثارنا، بينما فى أوروبا وبلاد الغرب يعرفون قيمتها.. بناء المتحف على هذا النحو يسقط تلك المقولات كلها، واحتفاء المصريين بالمتحف تأكيد لا يقبل الشك ولا الجدل فى اعتزازهم بتلك الآثار.
من هنا تأتى أهمية البيان المهم الذى أصدره فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، بمناسبة افتتاح المتحف.
دعا البيان إلى ضرورة استلهام مشاعر الفخر من الإنسان المصرى القديم الذى أدهش العالم بحضارة استثنائية لا تزال أسرارها فى مختلف الفنون عصية على الفهم والإدراك، رغم ما توصل إليه الإنسان اليوم من تقدم فنى وتكنولوجى مذهل.
فى مناسبات سابقة، وجه فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب المواطنين بضرورة صيانة الآثار وحمايتها، أكد فضيلته أن الحفاظ على التراث والآثار هو واجب دينى وإنسانى.
بعيدا عن محاولات الإدانة وفق بعض التفسيرات الدينية، هناك الإدانة التى أطلقها «كارل ماركس» للتاريخ الشرقى القديم كله، حيث وصفه بأنه تاريخ الاستبداد، وزاد البعض فى ذلك الوصف حتى اعتبروه تاريخ العبودية، ومن أسف أن بعض الكتاب والسياسيين، حتى من غير الماركسيين، وربما من خصوم الماركسية، تبنوا مقولة ماركس، وراحوا يطبقونها حرفيا على التاريخ المصرى كله، خاصة المعاصر منه، أى منذ صعود محمد على إلى حكم مصر سنة 1805، بإرادة واختيار شعب حر، مرورًا بالخديو إسماعيل وحتى جمال عبد الناصر وأنور السادات، حتى زعماء مصر الكبار مثل مصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس لا يتم استثناء أى منهم من الإدانة.
ويرتبط بتلك الإدانة التاريخية، إدانة كل منجز تحقق، بجهد وعرق المصريين، من شقّ قناة السويس وحتى تأميمها، وكذلك بناء السد العالى، وغير ذلك من المشروعات الكبرى إلى يومنا هذا.
هذه الإدانة تؤدى إذا أخذ بها أحد أولا إلى عدم اعتزاز المصرى بتاريخه ولا بهويته، ومن ثم عدم التقدير لأى منجز تحقق من قبل وعدم الثقة أو الاطمئنان إلى أى منجز يتحقق على أرض الواقع.. باختصار يصبح المصرى بلا هوية وطنية، ومن ثم يصبح قابلا لأى هوية تفرض عليه، سواء من الإسلام السياسى حينا أو من دعاة العولمة حينا آخر، وهكذا بالنسبة لسائر الأيديولوجيات والمشاريع المطروحة على المنطقة، خاصة مشروع الفوضى الخلاقة، الذى أفرز مجموعات من الفوضويين والعدميين فى الشارع المصرى.
فى مناسبات عديدة، عبر المصرى بكل قوة عن رفضه لتلك الطروحات كلها، وأكد اعتزازه بوطنيته وقوميته المصرية.
النموذج الأخير هو الخروج الكبير للمصريين إلى الشوارع والميادين يوم 30 يونيو 2013، حيث نزل أكثر من 30 مليون مصرى ومصرية دفاعا عن هويتهم الوطنية، ورفضا للجماعة التى قفزت إلى السلطة فى ظل الفوضى غير الخلاقة وجماعاتها، الجماعة الإرهابية هى إحدى أدوات مشروع ضرب التاريخ والهوية المصرية.. وتكرر النزول يوم 14 يوليو من السنة نفسها حين طلب وزير الدفاع وقتها الفريق أول عبدالفتاح السيسى تفويضًا من الشعب للجيش لمواجهة الإرهاب والإرهابيين، كان النزول هذه المرة أشد كثافة.
بعد ذلك عبر المصريون عن اعتزازهم بمصريتهم وبما يتم من إنجازات على أرض مصر، افتتاح ازدواج قناة السويس سنة 2015، حالة دالة تماما، المرات العديدة، أكثر من عشر مرات وجهت جماعة الإرهاب وكذلك ملحقاتها من دعاة الفوضى النداء إلى المصريين للنزول إلى الشارع لإحداث فوضى كبيرة.. وكان الرد المصرى هو الرفض المطلق لتلك الدعوات، ولمَن يطلقونها.
اليوم تأتى مناسبة إنجاز المتحف المصرى الكبير وافتتاحه.. فرصة جديرة ولكن مختلفة ليست كسابقاتها.
يتعلق المتحف بآثار مصر القديمة، قرابة مائة ألف قطعة أثرية، تعرض بتنسيق فنى ومتحفى عالمى، توضع فى المكان اللائق، هذا الجزء من تاريخ مصر هو الذى تعرض طويلا وكثيرا لمحاولات طمس وتشويه، ولو نجحت محاولات الطمس لفقدت مصر أعظم أدوارها فى التاريخ والحضارة الإنسانية. إقامة المتحف على هذا النحو يؤكد تمسك الدولة واعتزازها بالهوية المصرية، خاصة فى مرحلة الازدهار، حين كانت الإنسانية كلها تغطّ فى عصر الجهالة والتأخر.
هذا الاستقبال الهائل والسعادة من المصريين بالمتحف يؤكد اعتزازهم بهذا التاريخ وذلك التراث، باختصار الهوية المصرية ليست موضع مقايضة ولا مزايدة بأى شيء.. ويؤكد أيضا أن عموم المصريين والدولة فى هذا الجانب يعزفون سيمفونية واحدة متسقة ومتناسقة.
هذا الإنجاز يؤكد مرة أخرى أن الرد القوى على حملات التشكيك وبث الشائعات فى كل كبيرة وصغيرة؛ يكون بالإنجاز الفعلى على الأرض إنجازا كبيرا وملموسا.
خلق المتحف حالة من السعادة الوطنية لدى المصريين، هذا اللون من السعادة ضرورى لمواجهة حملات التشكيك والشائعات المغرضة.
بعض المشاريع والإنجازات على الأرض قد لا تظهر آثارها وعوائدها سريعا، لذا يستغرق الأمر سنوات حتى يشعر المواطن ويدرك أهميتها وفائدتها، من ذلك عملية استزراع مساحات شاسعة من الأرض فى الصحراء، ومثل بناء مدن جديدة، أو بعض المشاريع الاستثمارية الكبرى خاصة بالنسبة لبعض الصناعات، وبعض المشاريع قد يثور حولها جدل سياسى، فضلا عن أن هناك متربصين سياسيا بالدولة، لكن المتحف أمر مختلف.
بغض النظر عن العائد المتوقع، فإن المشهد من البداية يثير الاعتزاز والفخر، نحن نقدم حضارتنا وهويتنا للعالم، العالم كله وعلى الهواء مباشرة، يرانا الجميع بإكبار وتقدير، ويدرك معنا العالم أن الإنجاز الذى تحقق فى شرم الشيخ لم يتحقق من فراغ، إذ يقف خلفه شعب عظيم وقيادة حكيمة، فضلا عن حضارة عظيمة بكل المقاييس الإنسانية والمتحضرة.