«لا خوف على مستقبل الرياضة المصرية»، شعار رفعه وحققه أبناء الفراعنة فى بطولة أمم إفريقيا لكرة السلة تحت 16 سنة، حيث قدّم المنتخب الوطنى – شباباً ونساءً، مشهدًا رياضيًا لافتًا هذا العام، وذلك قبل توقف مشوار الأولاد عند الدور نصف النهائى بعد أداء قوى أمام مدارس إفريقية متمرسة، أما فريق الفتيات فخطف الأضواء ببلوغه المباراة النهائية، فى إنجاز يعكس تصاعد مستوى اللعبة على المستوى النسائي.
ورغم اختلاف المرحلة التى وصل إليها المنتخبان، إلا أن الرسالة التى لمسها الجمهور ومتابعو اللعبة، مفادها أن مصر تمتلك جيلًا مبشّرًا قادرًا، إذا وُضع فى مسار صحيح، ليشكّل قاعدة بشرية لمنتخب أول ينافس على الصعيد القارى والدولي، وأن يُخرج محترفين مصريين إلى الدوريات الأوروبية وربما إلى مسابقات الـNBA.
هذا الإنجاز لا يجب أن يُقرأ كونه محطة عابرة فى سجل المشاركات والمنافسات الرياضية، بل نقطة انطلاق لفرصة تاريخية، وهنا يظهر السؤال الأهم: كيف نُحوّل بريق بطولة إفريقيا إلى مشروع مستدام يغيّر وجه كرة السلة المصرية خلال العقد المقبل؟
«المصور»، استطلعت آراء الخبراء، لنكشف معاً ملامح الطريق وخطة مستقبل اللعبة، حيث بدأ الحديث، ماجد عباس، محلل أداء الفريق الأول لكرة السلة فى نادى سموحة، وقال: مستوى منتخب الناشئين «معتاد» إذا ما قورن بمصر نفسها، لكنه لا يزال بعيدًا عن معايير الاحتراف الأوروبى أو الأمريكي، كما أن الوصول إلى الدوريات الكبرى يحتاج إلى ما هو أكثر من الموهبة المحلية، إذ يتطلب منحا ومعسكرات طويلة الأمد فى الجامعات الأوروبية والأمريكية، مثلما فعل منتخب جنوب السودان الذى استفاد لاعبوه من بيئة احترافية متكاملة من حيث السرعة، القوة، وأسلوب اللعب.
وأضاف أن بعض اللاعبين المصريين حصلوا بالفعل على فرص مشابهة فى جامعات أمريكية، لكنهم لم يكملوا لأنهم لم ينجحوا فى إثبات أنفسهم هناك، ما يكشف أن الأمر ليس مجرد سفر أو منحة، بل يتطلب إعدادًا شاملًا بدنيًا ونفسيًا وثقافيًا، ورغم هذا التحدي، وضرورة استغلال نقطة قوية نادرة لصالح لاعبينا المحليين، وهى وجود مسئول مصرى على رأس مكتب الـNBA بقارة إفريقيا، فى إشارة إلى الكابتن محمد عبدالمطلب، معتبرًا أن ذلك يمنح مصر ميزة نوعية لأنه «أدرى بلاعبيه وبلده من أى طرف آخر فى القارة».
كما أشار إلى أن استغلال هذه الميزة قد يكون بوابة لتسهيل مسارات الاحتراف أمام المواهب المصرية، شريطة أن يبدأ الاستثمار الحقيقى من الآن فى برامج طويلة المدى للناشئين، وشبّه «عباس» طموح كرة السلة بمسار كرة اليد المصرية، التى نجحت فى تصدير محترفين وصناعة منتخب عالمي، بعد أن ركّزت على الناشئين والمعسكرات الخارجية بشكل منظم.
ورأى محمد عبدالمطلب، رئيس الاتحاد المصرى لكرة السلة، أن الجيل تحت 16 سنة «مميز بالفعل»، وأن فرصة الاحتراف أمامه كبيرة، لافتاً إلى أن كشّافة الـNBA يضعون أعينهم على كل فرق إفريقيا، لكن التركيز يكون أكبر على المنتخبات التى تحقق نتائج قوية أو تتأهل إلى مونديال كأس العالم، موضحاً أن الاحتراف فى أوروبا أقرب للاعب المصرى فى الوقت الحالى من الولايات المتحدة، نظرًا لشدة المنافسة داخل أمريكا وكثرة المواهب المحلية هناك، لكنه شدد على أن الطريق ليس مستحيلًا، بل مرتبط برغبة اللاعبين أنفسهم، وبإرادة الأندية التى يلعبون لها، وكذلك بقدرة الاتحاد المحلى والفرق على تطوير البنية التحتية والملاعب، وتحسين الإدارة الرياضية، وتكثيف الدورات التدريبية للمدربين ومحللى الأداء، هنا تتضح صورة كاملة: الفرصة قائمة، لكن التحدى كبير.
وقال إن هناك جيلا موهوبا أثبت نفسه على مستوى القارة السمراء، وهناك أعين تراقب من الخارج، لكن الفجوة بين ما نقدمه محليًا، وما يُطلب فى أوروبا وأمريكا لا تزال واسعة، هذه الفجوة يمكن تضييقها عبر خارطة طريق واضحة، تقوم على عدة محاور، أولها الإعداد طويل المدى، فلا يكفى أن نحتفل بإنجاز بطولة ثم نعود إلى نقطة الصفر، بل يجب أن يكون هناك برنامج وطنى يستوعب هذه المواهب ويصقلها باستمرار من خلال أكاديميات إقليمية، ومعسكرات منتظمة، ومتابعة دقيقة لمسار كل لاعب.
وهناك حاجة إلى منح ومعسكرات خارجية ممتدة، ليس على سبيل التجربة القصيرة، بل كجزء أصيل من إعداد اللاعب، مع متابعة من الاتحاد لضمان التأقلم النفسى والبدنى والثقافي، ولا بد من احتكاك دولى منتظم، سواء عبر دعوة فرق أجنبية إلى مصر أو إرسال فرق الناشئين والشباب لمعسكرات وبطولات ودية فى أوروبا وأمريكا، إلى جانب ذلك، فإن تطوير المدربين والإدارة الرياضية يمثل ركيزة أساسية، فبدون مدرب يمتلك رؤية حديثة وأدوات علمية، سيظل اللاعب المصرى بعيدًا عن متطلبات اللعب الدولي، كما أن التدريب النفسى والمهنى بدوره لا يقل أهمية، إذ أثبتت التجارب السابقة أن كثيرًا من المواهب تضيع بسبب غياب التأهيل النفسي، أو عدم القدرة على التكيف مع ضغوط الاحتراف، ثم يبقى العامل الإعلامى والتسويقى مهمًا كذلك، فالترويج لقصص النجاح المبكرة يرفع من قيمة اللاعب ويجذب الرعاة والمستثمرين، وهو ما يضمن استدامة المشروع.
وعلى المدى البعيد، يمكن أن تتحول كرة السلة المصرية إلى صناعة كاملة مثل كرة القدم واليد، إذا وُجد التخطيط والدعم المؤسسي، فالمقارنة مع كرة اليد المصرية - هنا ملهمة للغاية، فمنتخب اليد بدأ من قاعدة ناشئين قوية، استثمر فى المعسكرات الخارجية، ثم أصبح منتخبًا عالميًا يضم محترفين فى أقوى الدوريات الأوروبية، وهو السيناريو الذى يمكن تكراره فى كرة السلة، إذا وُجد الإصرار والالتزام، وأن تمنحنا بطولة إفريقيا تحت 16 سنة فرصة متقدمة للكشافة.
البنات فى النهائي، والأولاد بلغوا نصف النهائي، وكلاهما أثبت أن لدينا مواهب لا يُستهان بها، وتصريحات ماجد عباس تكشف بواقعية حجم الفجوة ومتطلبات الوصول للاحتراف، بينما تمنح كلمات محمد عبدالمطلب بارقة الأمل بأن الطريق اقترب من لاعبينا الآن عكس ما مضى من زمن، وأن العالم يراقبنا بالفعل.
بين الرؤية والتحليل، تتضح الحقيقة: المستقبل يبدأ الآن، إذا استثمرنا هذا الجيل بجدية، فقد نرى خلال سنوات قليلة لاعبين يرفعون علم مصر فى ملاعب أوروبا والـNBA، ويصبح منتخبنا الأول منافسًا حقيقيًا على الساحة القارية والعالمية.
