أيام قليلة وتذكرنا الأجندة اليومية باليوم الثانى عشر من شهر ربیع الأول، اليوم المبارك، عندما ولد سيد الخلق، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وكعادة المصريين، مسلمين وأقباط، يحتفلون بذكرى المولد النبوى الشريف، للعام 1447 هجريًا، وهناك ظاهرة اخترعها أولاد أرض الكنانة، ارتبطت بهذه المناسبة الدينية العظيمة، هى «حلاوة المولد»، نشأت وترعرعت فيما بيننا منذ العهد الفاطمى، حتى يومنا هذا.
ومع اقتراب موعد المولد النبوى هذا العام، أصبحت محالات الحلوى فى كافة المناطق والأحياء وميادين الجمهورية، قبلة المصريين بمختلف طبقاتهم، لشراء حلوى المولد، لإدخال البهجة على أسرهم.. وبالرغم من تفاوت أسعارها ما بين الفاخر والشعبي، إلا أن متعة تناولها يشتهيها الجميع.
فالأسعار تعود إلى المصانع، والتاجر يرتضى هامش ربح مناسب مثل كل عام، وإن كان هناك من التجار من يغالى فى القيمة المالية، والأمر فى النهاية عرض وطلب، ولكن ستظل عادة شراء حلوى المولد النبوى الشريف من سمات المصريين، مهما ارتفع سعرها، سيشترون ولو القليل منها.
وفى المناطق الشعبية مثل العتبة، عابدين، باب الشعرية، السيدة زينب، وشبرا، تراوحت أسعار علبة الحلوى الشعبية من 150 إلى 750 جنيها للحجم المتوسط، بينما وصل سعر الكيلو من الحمصية أو السودانية إلى ما بين 70 و مائة جنيه، ورغم الارتفاع مقارنة بالعام الماضى، فإن الإقبال ملحوظ لكن بحذر، حيث يلجأ كثير من الأسر إلى شراء قطع قليلة للبركة والعادة السنوية فى المنزل المصرى الأصيل.
أما الأحياء التى يغلب عليها الطابع الشعبى، يقدر التجار أن نسبة الإقبال انخفضت عن العام الماضى بحسب تصريحات الحاج أحمد قادر، مرجعاً ذلك إلى الضغوط الاقتصادية وقلة السيولة النقدية، وأن كثيرا من الأسر فضلت شراء لعب الأطفال المصنوعة من البلاستيك والخشب، باعتبارها تعيش أكثر من الحلوى، ويمكن أن تعوض الصغار عن مأكولات سكرية، ربما تؤذيهم فى الأسنان أو المعدة.
وتيسيراً على محدودى الدخل، قامت المجمعات الاستهلاكية بطرح حلاوة المولد بأسعار مخفضة تصل إلى 25 فى المائة، ليبدأ الكيلو «السادة» من 120 جنيها، وهناك توافر لكافة الأصناف، فتوجد العلبة حجم «2 كيلو» بالمكسرات بسعر 450 جنيها، وتشهد طلباً متزايداً.
أما المناطق الراقية مثل الزمالك، التجمع الخامس، مدينتى، والشروق، فقد تجاوزت أسعار العلب الفاخرة حاجز الـ1500 جنيه، مع الاعتماد على التغليف الفاخر، وإدخال مكسرات مستوردة مثل عين الجمل والفستق الإيرانى، ولا يبدو أن الإقبال قد تأثر كثيراً، إذ ارتبطت هذه العادة بالهدايا القيمة، وتبادل العلب المزينة بين عائلات هذه الشريحة المجتمعية.
وفى تلك المناطق يظل الإقبال مستقراً، بل إن بعض المحلات الكبرى أعلنت عن زيادة الطلب بنسبة 15 فى المائة، خاصة من جانب الأسر المقتدرة والسياح العرب، الذين يشترون العلب كهدايا تذكارية موسمية، بحسب تصريحات محمود الجمال تاجر وصاحب سلسلة محلات، حيث قال إن التغليف الأنيق يجذب العميل أكثر من محتويات العلبة نفسها، خاصة إذا كانت هدية، فى حين أن نفس العميل يشترى لأسرته من نفس الأنواع باعتبار أن بيته ليس أقل شأناً، وغالباً ما يكون الطلب على الحلوى المحشوة بالمكسرات فهى الأكثر طلباً، كذلك الملبن بألوانه «الأحمر، الأخضر، الأبيض، والأصفر»، وتعد البندقية واللوزية المصنوعتان من البندق واللوز هما نجما جميع العلب تقريباً، يليهما الملبن وجوز الهند، وكل منتجات الألوان المحشوة بالفستق وعين الجمل، وهذا العام يوجد الكاجو فى شكل حلوى تشبه اللوزية وعليها إقبال بشكل كبير، بعيداً عن حلوى المولد نفسها.
وعن الجديد فى الحلوى، قالت عنبر مزين: إن ظهور حلوى صحية هذا العام من الظواهر الجيدة، حيث شهدت الأسواق لأول مرة، حلاوة المولد المصنوعة من الشوفان والعسل الأبيض، موجهة للزبائن الذين يتجنبون السكر والدهون ويفضلون الابتعاد عنها فى ظل حبهم الشديد لحلوى المولد، بينما ظهرت شوكولاتة المولد أيضاً فى كثير من المحلات، حيث قدمت قطع حلوى مغطأة بالشوكولاتة الداكنة والبيضاء، و لاقى هذا النوع إقبالا من الشباب والكبار على حد سواء.
وأضافت أن العلب المستدامة هى من أفضل الظواهر التى انتشرت هذا العام، وهى علب مصنوعة من الكرتون المعاد تدويره أو الخشب البسيط، بدلا من البلاستيك، كجزء من اتجاه صديق للبيئة، وهى استراتيجية الدولة المصرية، استغلها التجار فى ترويج منتجاتهم، وأحبها الناس، بنسبة شراء عالية.
أما عن العرائس التى اشتهرت بها المناسبة، والتى كانت تصنع فى الماضى من السكر، قالت سلمى البحترى، إن هذا العام طلت علينا الدمى الإلكترونية بدلا من العروسة العادية الشعبية فى المناطق الراقية، وحلت دمى صغيرة تتحرك أو تضىء مكان عروسة المولد التقليدية، بينما بقيت العروسة البلاستيكية والحصان الحلاوة رمزاً أساسياً، لكن ربما فى الأحياء الشعبية أكثر.
وواصلت «البحترى» قائلة: ان العروسة التى ترتدى فستان زفاف، وأيضاً العروسة صاحبة الجبيرة فى يدها أو قدمها، ضمن أفضل نسب المبيعات هذا العام، وسعرها يتراوح بين 500 و1200 جنيه حسب الحجم، لأن منها ما يصل طولها لطفل حقيقى، مضيفة أنها فكرة جديدة وخارج المألوف، وربما لأن عمليات التجميل أصبحت حلم الفتيات، ومن هنا كانت المفاتن الجمالية ضمن اهتمامات الزبائن، خاصة أن النسبة الأكبر فى شراء هذه النوعية من العرائس، هن الفتيات من سن 16 وحتى 40 وربما أكبر عمراً كذلك.
بينما أكد أحد أصحاب المحال فى منطقة الزمالك، أن الإقبال على العلب الفاخرة هذا العام، زاد بقوة، لأن أغلب زبائنه تعتبرها مثل الهدايا الفاخرة فى المناسبات الأخرى، وبالتالى فهى لديهم ليست مجرد حلوى للمولد النبوى، منوهاً أنه غالبا ما تكون هدايا بين العائلات أو المخطوبين، وما إلى ذلك.
من جهته، قال اللواء صلاح العبد رئيس شعبة الحلويات بغرفة القاهرة التجارية إن الزيادة فى أسعار حلوى المولد النبوى هذا العام مرتبطة بزيادة أسعار مواد التغليف وأجور العمالة ومستلزمات الإنتاج، وهو ما تسبب بالفعل فى زيادة ما بين 5 فى المائة و 8 فى المائة حسب المناطق، ولا نغفل أن موضوع البيع أصبح اجتهادا من أصحاب المحال، خاصة وقت المواسم والأعياد والمناسبات الخاصة والدينية، مضيفاً: «الناس بتكون فرحانة وتشترى إذا توفرت لديهم أموال والبعض يدخر من أجل هذه المناسبات»، مؤكداً أن الزيادة السعرية هذا العام ليست «فلكية»، لكنها موجودة ولا نستطيع إنكارها، لكن إذا راع الجميع الضمير، لأصبح فى إمكان المواطن العادى والبسيط الشراء كما يبغى، وأوصى بأفضلية الشراء عبر المنافذ الحكومية، كون الأسعار جيدة والخامات أيضاً.
وأوضح سيد العوام، عضو شعبة تجار الحلويات بغرفة القاهرة التجارية، أن حلاوة المولد ما زالت تحافظ على مكانتها كطقس اجتماعى ومناسبة روحية، لكن فى عام 2025 الجارى، شهدنا تبايناً أكبر بين المستويات الاجتماعية، فمثلاً: «البسطاء يشترون كميات قليلة فقط للحفاظ على العادات المتوارثة منذ زمن طويل، بينما المقتدرون يشترون للوجاهة»، لافتاً إلى ظهور محاولات لتجديد منتجات الحلوى بلمسة عصرية تجمع بين التراث والحداثة، وتشارك الحكومة القطاع الخاص فى توفير منتجات متنوعة لجميع المواطنين، بأسعار تنافسية، حيث طرحت الشركه العامة لمخابز القاهرة الكبرى التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، ما يقرب من 25 طناً من حلاوة 2025.
وأكد «العوام» أن الطلب على حلوى المولد النبوى الشريف خلال الموسم الحالى متزايد والإقبال يزيد كلما اقترب موعد المناسبة، خاصة مع صرف رواتب الموظفين والعاملين فى الدولة.. وبالنسبة للأسعار، قال إن هناك زيادة طفيفة بنسبة لن تتعدى 10 فى المائة، لأن المصانع تعمل بنسبة أقل من العام الماضى، ولكن الأسواق التى طرحت بها المنتجات الحكومية سنجد أسعارها أقل بنسبة تصل إلى 20 فى المائة وربما أكثر قياساً بأسعار السوق، فمثلا علبة حلاوة سادة حجم واحد كيلو ثمنها 120 جنيها، والعلبة السادة اللوكس حجم 3 كيلو 475 جنيها فقط.
