رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رسالة نبى الإسلام الحضارية


11-9-2026 | 12:53

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

التصوف جامع لكل المذاهب الإسلامية، ويمثل جوهر الإسلام وهو الإحسان، وعصرنا بحاجة لرسالة الإسلام الحضارية التى جوهرها المحبة والسلام والتعاون المشترك.

المدمنون والمقبلون على الانتحار مرضى يجب علاجهم واحتضانهم، لا رميهم بالزندقة والكفر.

 

 

الإسلام احتياج فطرى لا اصطناع شعائري، ونبى الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بدين الفطرة، ليتمم مكارم الأخلاق، وجوهر الإسلام هو الإحسان، وهو التصوف، ونحن الصوفية نؤمن بأن التصوف ليس ترفًا ولا طقوسًا جوفاء فى عمامة أو سبحة، بل هو احتياج فطرى وجودي، بعودة القلوب لفطرتها، واستجابة حية لحاجة المجتمعات إلى رأس مال بشرى وأخلاقى يدير عمرانها، ويحمى سيادتها، مع مراجعة نقدية صادقة لماضيه، وآليات تطبيقية واضحة لحاضره، وامتداد عالمى لمستقبله.

إن الإسلام كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ونزل به الوحى على قلبه بالقرآن الكريم، وتمثلناه فى التصوف وهو الإحسان، إنه المشروع الحضارى الشامل الذى يبدأ بتزكية الفرد، رجالًا ونساءً، ليكون لبنة راسخة فى دولة قوية، وهو الذى جمع فى بنيانه بين قول الإمام أحمد بن علوان: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا)، وبين قول حكمائهم الخالد: (التسليم عين الرعاية، والإخلاص حسن الوقاية، والانكسار لله هو الولاية)، وبين روح العصر فى الحفاظ على البيئة، وحوكمة الأوقاف المستدامة، وإتقان الاقتصاد الرقمي، ومداواة الجراح النفسية، ومخاطبة الشباب بلغتهم، ومد الجسور مع الآخرين بثقة واعتزاز، ليكون المسلم، أو الصوفى عبدًا خالصًا لله تعالى، وناصحًا أمينًا لأمته، وحاميًا لسيادة وطنه، بقلب متبتل، لا بحديد بارد، ومرآة صافية تعكس جمال الإسلام ووسطيته العظمى فى عالم متشابك ومضطرب.

إن حاجتنا اليوم ماسة إلى تعميق الاجتهاد ومواجهة المستجدات، ولا يمكن فصل التصوف عن الفقه، بل هما وجهان لعملة واحدة، حيث إن التصوف يعمق الاجتهاد الفقهي، بالتزكية وصفاء الذهن، وليس بالتعارض معه، والصوفى لا يرفض الفتوى بل يراها ضرورة عملية، لكنه يستصحب معها خشية الله والتقوى عند تطبيقها، مما يجعله لا يفتى بظواهر النصوص دون النظر للمقاصد والمآلات، والمسلم الصوفى ينظر للخلاف الفقهى على أنه رحمة واسعة، لا سببًا للشقاق، فهو يقدس الاختلاف فى الرأى طالما استند إلى أصول معتبرة، وهذا ما جعل الطرق الصوفية تاريخيًا جوامع للمذاهب، تضم (الحنفيين والمالكية والشافعية والحنابلة) تحت سقف واحد.

وللإسلام والتصوف دور فى الاجتهاد المعاصر فى المسائل المستجدة مثل المعاملات المالية الرقمية والأحكام الطبية الجديدة، فالصوفى لا يكتفى بالنقل، بل يضيف بصيرة الروح إلى بصيرة العقل، مما يجعله قادرًا على تقديم فتاوى تراعى روح الشريعة ومقاصدها، وهو ما يجعل التصوف شريكًا رئيسيًا فى الإصلاح التشريعى المعاصر.

أما الاقتصاد الرقمى والعملات الرقمية والربا الإلكتروني، فالإسلام والتصوف ينظر إليها من زاوية الحلال الطيب، حيث العبرة بجوهر العقد وخلوه من الظلم والغرر، وليس فقط بشكله التقليدي، فالمسلم الصوفى يرفض الربا بأشكاله كلها، سواء كان نقديًا ورقيًا أو كان إلكترونيًا، ويدعو إلى الشفافية والنزاهة فى الاستثمار الرقمي، مع إعمال مبدأ الضمان والمخاطرة المشروعة فى العقود الحديثة.

يرى المسلم الصوفى التكنولوجيا الرقمية كأداة لا كغاية، ويستخدم الهاتف الذكى لنشر الدروس العلمية والذكر ونشر القيم الأخلاقية، ولكنه يحذر من سيطرة تلك الأدوات عليه، فيتحول من مستخدم إلى مستعمل، فتسرق عمره وتركيزه وعلاقاته الإنسانية، لذا يضع الصوفى ميثاقًا رقميًا أخلاقيًا يحكم استخدامه للتكنولوجيا.

أما فى ريادة الأعمال، فالمسلم الصوفى لا يقتصر دوره على إنتاج الحرفى التقليدي، بل ينتج رائد الأعمال العصري، ومن قيم الإسلام (الإتقان)، الذى يحث عليه الحديث النبوى الشريف، مع الصدق والأمانة والإخلاص، والصبر عند الشدائد، وإدارة المخاطر بحكمة، وهذه القيم هى ما يُبنى عليها أى مشروع ريادى حديث، فالمنهج الإسلامى وفقًا للنهج الصوفى يمكن أن يقدم لنا شبابًا يقودون شركات ناشئة لا مجرد صانعين أو حرفيين تقليديين، مع بقاء الروح الأخلاقية هى الموجه الأول لأعمالهم.

والإسلام وفى صميمه التصوف يداوى الصدمات الجماعية مثل الحروب والمجاعات والأوبئة والنزوح والصدمات النفسية، فضلًا عن مداواة القلق الفردى والوجودي، ويقدم حلولًا لمجتمعات كاملة أنهكتها الحروب والدمار، فمن خلال مجالس الذكر الجماعية والأوراد اليومية التى تزرع الصبر والرضا، ومن خلال التفكر فى الموت والحياة، الذى يمنح معنى الفقدان، يستطيع المسلم أن يستعيد عافيته النفسية، ويعيد بناء مناعته النفسية كفرد، وللجماعات المنكوبة، فيتحول الألم فى الرؤية الصوفية من نقمة إلى مدرسة للتربية، يصقل فيها المسلم، وهو ما يمنع المجتمعات من الانهيار تحت وطأة الصدمات.

فالعلاج النفسى الحديث هو شريك وليس بديلًا عن الإيمان، كما أن الإيمان والتصوف ليس بديلًا عن الطب النفسي، بل هو شريك فعال له، حيث يمكن للمعالج النفسى أن يستعين بمفاهيم التصوف كالمراقبة والتفكر والذكر كأدوات مساعدة، بينما يستعين المسلم بالمعالج النفسى لعلاج الاضطرابات النفسية والعصبية والكيميائية، وهذا التكامل يحمى المريض من الوقوع فى فخ التبرك دون علاج أو التداوى دون روحانية.

وفى السياق فإنه تعتبر قضايا مثل الانتحار والإدمان، قضايا لا نتحرج منها، كما يتحرج منها الخطاب الدينى التقليدي، فالإسلام يقدم لنا رحمة بلا مواربة، فهو ينظر للمدمن والمقدم على الانتحار كمريض نفسي، لا كمجرم أو زنديق، ويطالب باحتضانهما، ومعالجتهما وإعادة دمجهما فى المجتمع، مستندًا إلى مبدأ رفع الحرج، والضرر، وإلى الجانب الرحيم من النصوص الشرعية، مما يفتح أبواب الأمل أمام الفئات الأكثر تهميشًا فى المجتمع.

أما خارج نطاق العالم الإسلامي، فديننا كما نفهمه نحن الصوفية، هو قوة ناعمة وحوار حضاري، فالإسلام فى الغرب فرصة لا تهديد، والتصوف بتركيزه على المحبة والسلام والتسامح والإنسانية المشتركة، يقابل فى الغرب باهتمام بالغ من الباحثين عن الروحانيات، فهو ليس تهديدًا للأمن الغربي، بل هو نموذج للإسلام الذى يفهمه الغربيون كرسالة سلام، وتواجد الزوايا والمراكز الصوفية فى أوروبا وأمريكا هو فرصة لتقديم صورة مشرفة عن الإسلام بعيدًا عن صور الإرهاب والتطرف.

كما أن الإسلام قوة دبلوماسية ناعمة، ويمكن للدول العربية والإسلامية أن توظف التصوف كجسر ثقافى فى علاقاتها مع الدول الأخرى، فيتعزز نفوذها السياسى دون صدام أو تكلف مصطنع.

والإسلام والحوار بين الأديان، جسر متصل لا ثغرات مشتعلة، فنحن نؤمن بوحدة الوجود الإلهي، ومحبة الخالق للخلق أجمعين، ونستطيع أن نتحدث مع المسيحى واليهودى والهندوسى بلغة المحبة المشتركة، ونشاركهم فى قيم الرحمة والعدل والسلام، مع الحفاظ على هويتنا، أى أن يظل المسلم مسلمًا يحتفظ بعقيدته، ولكنه منفتح على الآخر إنسانيًا، مقتديًا بالرسول الذى آخى بين اليهود والنصارى فى المدينة من جهة وبين المسلمين من جهة أخرى، وكتب (وثيقة المدينة) لضمان حقوق الجميع بالمساواة دون أن يتخلى عن هويته.

الاكثر قراءة