قال نجيب محفوظ وسأنقل كلامه كما جاء عفو الخاطر بدون ترتيب. فقط حذفت ما لا يجب أن يُقال علنًا عن أم كلثوم. ذلك أن المجالِس أمانات. والحديث كان عن رمز من رموز الوطن العربى فى القرن العشرين. وصُنَّاع بهجته.
قال إنه ليس فى حاجة إلى تأكيد مدى إعجابه بأم كلثوم. هل هناك ما هو أكثر من تسمية ابنته الكبرى بأم كلثوم؟ وابنته الصغرى بفاطمة وهو اسم أم كلثوم فى أحد أفلامها القليلة؟ واسم والدة أم كلثوم فى الحياة العملية. وقد سَمَّاها بالاسمين رغم أن كلتيهما أطلقتا على نفسيهما بعد ذلك اسمين آخرين لكى تنادى بهما كُلًا منهما: هدى وفاتن. ولكن فى الورق ما زالتا تحملان الاسمين اللذين يعودان إلى أم كلثوم.
كنت أذهب - بدأ نجيب محفوظ حديثه - إلى حفلاتها الشهرية وأحضرها. كانت تُقام فى مسرح اسمه: جوزى أو سانتى فى شارع عماد الدين. وكان مكان محلات داوود عدس فى منطقة وسط القاهرة الآن. وكان ثمن تذكرة أم كلثوم عشرين قرشًا. فى حين أن ثمن تذكرة محمد عبدالوهاب كان خمسة عشر قرشًا. وعندما كانت التذاكر تُباع فى السوق السوداء. كان سعر تذكرة أم كلثوم يصل إلى 23 قرشًا. وعبدالوهاب إلى 18 قرشًا.
بالنسبة لى – قال نجيب محفوظ – كانت تكاليف السهرة التى تبدأ بمقاهى منطقة العتبة الخضراء. ثم الذهاب إلى المسرح. والخروج إلى حى الحسين لتناول العشاء فى الدَهَّان. والشاى والشيشة فى مقهى الفيشاوي. والانتقال من المنزل والعودة إليه. كل هذا كانت تصل التكلفة فيه إلى 50 قرشًا. وكان مبلغًا كبيرًا.
كانت هناك مجموعة من سميعة أم كلثوم. كان أشهرهم جزار اسمه المعلم «حُكشة» أو دَبشة وكانت له حقوق على الست. لا يحصل عليها أحد غيره. مثلًا مرة جاء إلى المسرح مُتعبًا ونام وكانت أم كلثوم فى هذه الليلة تُغنى «النوم يداعب عيون أو جفون حبيبي» وهى من كلمات أحمد رامي. فعندما صحا المعلم حُكشة من نومه نادى عليها: «تانى ياست علشان اللى كانوا نايمين» فأعادت المقطع من جديد. وفى مرة جاء مُتأخِّرًا. فطلب منها الإعادة «للأبعد» أى للذى يجلس بعيدًا عنها. فأعادت له ما غَنَّتْه فِعلًا. لأنه كان يجلس فى آخر الصفوف.
يحاول أن يتذكر. كم مرة استخدم أغانيها فى قصصه ورواياته. من المؤكد أننى – قال نجيب محفوظ – استخدمت مطلع أغنية «ياعِشرة الماضى الجميل ياريت تعودي» فى استهلال رواية: «صباح الورد». وهناك فى أعمال أخرى استخدامات كثيرة لأغنياتها. هي: خان الخليلي. وبداية ونهاية. والسراب. وثلاثية بين القصرين. ورواية ميرامار.
وأهمية أم كلثوم تعود إلى أنها ظهرت فى أعقاب مرحلة من الانهيار الغنائي. كانت قد سادت أغانى مثل: «إرخى الستارة اللى فى ريحنا». «وبعد العِشا يحلى الهزار والفرفشة». فى مواجهة هذا كانت أم كلثوم تُغنى التواشيح الدينية. وحتى عندما انتقلت إلى الغناء العادى قدمت قصائد من التراث العربى القديم مثل «أراك عصى الدمع شيتمك الصبر» أو الأغانى التى كتبها لها أحمد رامي. وكان المستوى مختلفًا عما كان سائدًا من قبل.
قال نجيب محفوظ إن الصفوف الثلاثة الأولى كانت مُخَصَّصَة للمُعجبين القريبين من أم كلثوم. وأنا كنت أجلس فى الصف الرابع أو الخامس. وهو مكان يستطيع الإنسان منه أن يتابع الغناء استماعًا ومُشاهدة. وأنا متأكد الآن أننى لم أتخلف عن حفلة واحدة لها. وربما كانت حفلات أم كلثوم هى السبب الجوهرى فى أننى – حتى فى أيام الكتابة والقراءة – تعاملت مع يوم الخميس على أنه عُطلة من كل شيء.
وعندما سألته عن طبيعة العلاقة الشخصية بينه وبين أم كلثوم. قال لى إنه لم يرها على الطبيعة سوى مرة وحيدة. عندما أقام له الأهرام – أى لنجيب محفوظ – احتفالًا بعيد ميلاده. وكان صاحب الفكرة محمد حسنين هيكل. وقد دعا أم كلثوم للحضور. وإن كانت لم تُغن فى الحفل. واكتفت بإلقاء كلمة. الانطباع الباقى فى الذهن من اللقاء البعيد. الذى مضت عليه سنوات طويلة. قوة شخصيتها. وحضورها. وحالة «الكاريزما» التى تتصف بها. وحضور البديهة. وكونها إبنة نكتة وبنت بلد من الطراز الأول.
سألته عن الرجال الذين كانوا بالقرب منها. من الذى عرفهم منهم؟ قال لى إنه الشيخ زكريا أحمد عرفته عن قرب. وكان يسهر معنا. وهو رجل خفيف الظل له حضور مُبْهِج. ويقول نكتًا ظريفة. وقد تَطّوَّرَت علاقتنا إلى الحد الذى يُمكن القول إنها تحولت لصداقة.
قلت له: ولكن من الواضح من الكتب التى كتبت عن سيرتها. ومن المسلسل التليفزيونى الذى قامت ببطولته الفنانة صابرين، وأخرجته المخرجة التى تهتم بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة إنعام محمد علي. وكل هذا البناء تم على أساس كتبه محفوظ عبدالرحمن. قلت إن الشيخ مصطفى عبدالرازق من الذين ساعدوا أم كلثوم. فى هذه الفترة كنت أنت قريبًا من الشيخ مصطفى. بل كنت تلميذًا له وتعمل معه. ماذا تعرف عن هذه العلاقة؟!
- ما تقوله الآن مفاجأة بالنسبة لي. لم أعرفها فى حينه. رغم أن الشيخ مصطفى – يرحمه الله رحمة واسعة – كان أستاذي. وقد عملت معه فى وزارة الأوقاف عندما كان وزيرًا للأوقاف. وكان عملى مندوبًا برلمانيًا. أحضر جلسات البرلمان وأقدم تقريرًا للوزير عما جرى وفى هذه المرحلة تعرَّفت على الشاعر كامل الشناوي. كان هو صحفيًا وكنت مندوبًا. وقال لى يومها من المستحيل أن تصبح كاتبًا ومُبْدِعًا فى يوم من الأيام. لأننى كنت حريصًا على البدلة الكاملة ورابطة العُنُق. والطربوش على رأسي. وقد كان قاسيًا معى ولكنها قسوة محببة إلى النفس.
ولكن من المؤكد أن الشيخ مصطفى عبدالرازق كان مُحِبًّا للفن والفنانين. وكان يشجعهم بكل الوسائل الممكنة وهذا عرفته عنه. وأيضًا أذكر أنه كتب مقالًا عن أم كلثوم نشره فى جريدة السياسة. أما المعرفة الشخصية فهذه بين الشيخ مصطفى عبدالرازق وأم كلثوم. ومساعدته لها. فهذه هى المفاجأة. من يتأمل أحوال هذه الأيام. فيدرك أن هناك فارقًا مهمًا. وهو وحدة الفنون والثقافات. كان المفكر يشجع المطربة. والصحفى صديقًا لها. والموسيقى يصادق الروائي. والفنان التشكيلى يصبح قريبًا من كل هؤلاء. إن هذا لا نجده الآن. إن كل فن يعيش فى جزيرة منعزلة عن الفن الآخر.
قلت لنجيب محفوظ: فى المسلسل هجوم على منيرة المهدية. وأنت قلت لى من قبل. إن منيرة المهدية كانت سُلطانة الطرب فى زمانها. هل تمجيد أم كلثوم يكون بالهجوم على الآخرين والتقليل من شأنهم؟!
- منيرة المهدية. كان لها صوت جميل وقوى وفيه بَحَّة بديعة. وتسلب عقول الرجال. إن صوتها من نفس طبقة صوت أم كلثوم. وإن كان يمكن القول إن أم كلثوم رقم واحد. وأن منيرة نمرة 2. منيرة المهدية كان لها هيلمان وصولجان. وعوامتها فى النيل كان يلتقى فيها المسئولون. الوزراء ورئيس الوزراء والكُتَّاب والصحفيون. ثم أنها لعبت دورًا مهمًا فى تطوير الفن المصرى فى صدر القرن العشرين. فقدمت المسرح والأوبرا. والمسرح الغنائي. كانت مهمة. ولكن المشكلة تأتى من الأغانى الهابطة التى قدمتها والتى كانت جزءًا من تيار عام. شارك فيه الجميع. ولا يجب أن ننسى أن أغنية «إرخى الستارة اللى ف ريحنا» حدثت عليها معركة بين جميع مطربى زمانها.
عدت أسأله: والرجال الذين أحبوا أم كلثوم. ماذا عرفت عنهم؟! لا تنسى أنك كنت مُعَاصِرًا لكل هذه الحكايات.
- كلها قصص بالسماع. عرفنا أيامها أن هناك قصص حب ولكن من طرف واحد. قصة رامى معها. وحب محمدالقصبجى لها. وهو حب عذري. وقد عرفنا أن «القصبجى» عندما سمع أن أم كلثوم ستتزوج من محمودالشريف. أن «القصبجى» رفع السكين على محمودالشريف. وأن أم كلثوم قالت له: “عيب يا محمد”. قلت له إن أم كلثوم تنادى «القصبجى» فى المسلسل باسم قصب.
أسأله: ألم ترها فى تلك الأيام. أو ترى منيرة المهدية؟!
لم يحدث ذلك. وكانت العلاقة بالسماع فقط.
هذا المقال مأخوذ من كتابى بعنوان: نجيب محفوظ إن حكى، ثرثرة محفوظية على النيل. الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2015.