لم يعد وصول منتخب ناشئات كرة اليد للعب على الميدالية البرونزية في بطولة العالم برومانيا 2026 مجرد إنجاز رياضي، ولم يعد تألق منتخب الشباب في مونديال تشيلي 2025 ووصوله لدور الـ16 مجرد مشاركة مشرفة، الحقيقة التي تفرض نفسها الآن هى أن مصر تعيش لحظة فارقة، لحظة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر زاخرة بالمواهب والنجوم، وأن باطن أرضها من أسوان إلى مرسى مطروح مليء بالمواهب التي تنتظر فقط من يكتشفها ويدعمها، والسؤال الذي يجب أن يشغلنا الآن ليس «كيف نحتفل؟» بل «كيف نستغل؟»، إن حرص الرئيس عبدالفتاح السيسى على توجيه التهنئة لناشئات اليد عقب إنجازهن التاريخي، مشيداً بروح القتال والعزيمة التي رفعن بها اسم مصر عالياً، وقبلها بفترة قصيرة، كان العالم كله يتحدث عن تألق شبابنا في تشيلي ببطولة العالم بكرة القدم وعن نجوم مثل حمزة عبد الكريم الذي خطف الأنظار ومهد طريقه لبرشلونة، هاتان الإشارتان معاً تحملان معنى واحداً، أن الدولة تدعم وتراقب، وتنتظر من المنظومة الرياضية أن تترجم هذا الزخم إلى خطة عمل قومية، لم يعد مقبولاً أن نترك الموهبة للصدفة أو للمحسوبية.
إشادة الرئيس لم تكن مجرد كلمات تهنئة، بل كانت رسالة واضحة بأن الدولة تراقب وتدعم، وأن أي إنجاز رياضي هو إنجاز وطني يستحق التقدير، كما أن هذه الإشادة تضع المسئولية على عاتق المؤسسات الرياضية كافة لالتقاط الإشارة وتحويل هذا الدعم المعنوي إلى دعم عملي ومؤسسي مستدام.
ناشئات اليد لم يأتين من نادٍ واحد، ونجوم مونديال تشيلي جاءوا من أندية عديدة، وفي محافظات مختلفة، هذا يعني أن الكنز موجود، ولكن شبكة الصيد الخاصة بنا ضعيفة، عندما لعبت ناشئات اليد تسع مباريات قوية في رومانيا، وعندما واجه شبابنا منتخبات عالمية في تشيلي، عادوا بثقة وشخصية مختلفة.
نجاح اليد جاء بعد سنوات من العمل في قطاع الناشئات. وتألق الشباب جاء بعد خطة لتصدير اللاعبين مبكراً، فلا توجد صدفة في الرياضة، وبناء على هذين النموذجين الناجحين، يجب أن نبدأ فوراً في مرحلة جديدة، مرحلة عنوانها «البحث عن الموهوبين والموهوبات في كل اللعبات وفي كل محافظات مصر».. وهذه هي ملامح المشروع، من خلال قوافل الكشافة الرياضية «عين مصر»، بتشكيل 27 لجنة فنية متخصصة، لجنة في كل محافظة، مهمتها النزول شهرياً للمدارس الحكومية والخاصة ومراكز الشباب، تستهدف 10 لعبات أولمبية: كرة اليد، كرة القدم، السلة، الطائرة، ألعاب القوى، السباحة، الجودو، المصارعة، التايكوندو، وتنس الطاولة.
والهدف، بناء قاعدة بيانات قومية بـ 100 ألف موهوب وموهوبة من عمر 8 إلى 14 عاما خلال عامين. الاختبارات مجانية والقياسات علمية، وحتى لا يهاجر كل موهوب للقاهرة، ننشئ مركزاً عملاقاً في القاهرة الكبرى، وآخر في الإسكندرية لخدمة الوجه البحري، وثالث في أسيوط للصعيد، ورابع في الإسماعيلية لمدن القناة وسيناء. توفر هذه المراكز إقامة، تعليم، تغذية، تدريب، وتأهيل نفسي على أعلى مستوى، ويتم تحويل دوري المدارس من «يوم ترفيهي» إلى دوري رسمي قوي له رعاة وبث تلفزيوني وجوائز، أي طالب يتألق في دوري المدرسة يتم تصعيده فوراً لمعسكرات المنتخبات، بهذه الطريقة نضمن العدالة وتكافؤ الفرص، ويتم إبرام عقود رعاية وحماية اجتماعية، بالشراكة مع البنوك والشركات الكبرى، وأي لاعب يدخل «مشروع النجوم» يحصل على عقد رعاية شهري، وتأمين صحي، ومنحة دراسية، وعندما يشعر ولي الأمر أن الرياضة طريق مضمون للمستقبل، سيشجع ابنته وابنه ولن يمنعهم من المشاركة الجادة المثمرة.
نموذج حمزة عبد الكريم يجب أن يتكرر، من خلال وضع بنود في عقود اللاعبين المميزين تضمن إعارتهم أو احترافهم في أوروبا من سن 17 عاما، مع الحفاظ على نسبة 15 فى المائة إلى 20 فى المائة لإعادة البيع تعود للأندية والاتحادات المصرية، ومن ثم فنحن نصدر «استثماراً» وليس لاعبين فقط.
كرة اليد أثبتت أننا أبطال في الألعاب الجماعية، كرة القدم أثبتت أننا قادرون على المنافسة الفردية والجماعية، ولكن ماذا عن السباحة التي أنجبت فريدة عثمان؟ ماذا عن الخماسي الحديث الذي أنجب أحمد الجندي؟ ماذا عن الملاكمة والتايكوندو وألعاب القوى؟
العالم كله يبحث عن الموهبة المصرية الجادة والمنضبطة والمقاتلة، الفرصة لن تتكرر. وبعد إشادة الرئيس السيسى الكرة الآن في ملعب وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية والاتحادات والقطاع الخاص، كما أن الإعلام عليه أن يتحول من «ناقل نتائج» إلى «شريك في الاكتشاف»، من خلال برامج أسبوعية للمواهب الصاعدة، قصص نجاح من نجع في الصعيد أو قرية في الدلتا، والأسرة المصرية عليها أن تؤمن أن الرياضة لم تعد مضيعة للوقت، الرياضة الآن هي طريق للتعليم المجاني والاحتراف والشهرة وتمثيل مصر.
إنجاز ناشئات اليد برومانيا وتألق شباب الكرة بتشيلي هما جرس إنذار جميل. يقول لنا: توقفوا عن التصفيق المؤقت، وابدأوا البناء الدائم، مصر لا ينقصها المال ولا الموهبة، ينقصها الإرادة المنظمة والخطة طويلة المدى.
وإذا نجحنا في تنفيذ هذا المشروع القومي، فأنا أعدكم بشيء واحد: أولمبياد لوس أنجلوس 2032 سيكون الأولمبياد الذي سترفع فيه مصر علمها 20 مرة على منصات التتويج، لأن مصر ولادة.. ولأن النجوم موجودون.. فقط نحتاج منْ يبحث عنهم ويدعمهم ويؤمن بهم.