نواصل فى الحلقة الثالثة عرض كتاب (رجل الأقدار، سيرة قائد ومسيرة وطن)، والذى يتناول عشر سنوات من حكم الرئيس السيسي، وما شهدته مصر من إنجازات شتى على كل المستويات، وبكل الملفات المحلية والعربية والدولية، ونتوقف فى عرض اليوم عند أربعة جوانب مهمة، الجانب الدينى بشقيه: الكنيسة والأزهر، وكلاهما من أعمدة القوة الناعمة لوطننا الحبيب، ثم ترسيخ مبدأ العدالة وإلغاء زمن القوانين الاستثنائية، إلى جانب العقد الاجتماعى الجديد بين الدولة ومواطنيها، فإلى التفاصيل.
عرفنا البابا تواضروس بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمقولته الشهيرة وقت انفلات الأوضاع الأمنية سنة 2012م: (وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن)، فأحبه المصريون لوطنيته الصلبة وقت الشدة، فى وقت كان ضعاف النفوس ينتهزون الفرص لتحقيق مكاسب عاجلة وزائلة، فخرج الرجل المصرى الصميم يؤكد نفس مواقف الكنيسة المصرية الوطنية عبر العصور، فهى عامود من أعمدة مصر، وقوة ناعمة تمثل ملايين من المصريين المحبين لوطنهم، فجاءت كلمته بردا وسلاما وبلسما على رءوس المصريين، فلامست شغاف قلوبهم، وأيقنوا أن خميرة المصريين وقت الشدة (مسلم ومسيحي) واحدة، فالمصرى ينتقد أوضاعه المعيشية، وينتقد أداء الحكومة أحيانا إذا ما قصرت، ولكنه أبدا لا يفرط فى استقرارها ولا أمنها ولا حبة رمل من أرضها، والأرض عرض وشرف.
يقول البابا تواضروس فى مقاله بالمجلد الثانى من الكتاب: بعد ما يقرب من اثنتى عشرة سنة من تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مسئولية قيادة البلاد نستطيع بوضوح أن نتبين ملامح محددة تعبر عن رؤيته لحاضر مصر وأسلوبه فى قيادتها نحو المستقبل الذى تستحقه، إن الجينات المصرية المتأصلة فى شخصية الرئيس عبرت عن نفسها بوضوح فى قراراته المصيرية فى اللحظات الحرجة، ومصر تعيش عهدا هو الأفضل خلال السنوات الخمس والسبعين الأخيرة، فما تم إنجازه فى عدة ملفات أحدث تغييرا جذريا فى وجه الحياة فى مصر، مثل ملف المرأة والشباب، وملف المواطنة، الذى يعتبر حقوق المصريين المسيحيين جزءا أساسيا منه، فقد عانى المسيحيون عصورا من التجاهل والفرز والحرمان من حقوق طبيعية، كما أن لغة خطاب الرئيس السيسى إلى كل المصريين بمن فيهم المسيحيون عامرة بالتقدير للشعب، فقد ابتعد عن استخدام مصطلح (عنصرى الأمة)، أو (الطرفين) مكرسا لتعبير (كلنا نسيج واحد)، واختفت لغة التقليل من مشكلات المسيحيين والادعاء بأنها أمور عادية تطال المسلم والمسيحي، وحرص على مخاطبة الجميع كمصريين، ففى كل مصاب يقول: (المصاب مصابنا كلنا، وعزائى لكل المصريين)، وفى احتفالنا بعيد الميلاد يقول: (نحن فى بيت من بيوت ربنا، وربنا هو حامى مصر، لا تخافوا لسببين: الأول إن ربنا موجود، والثاني: إننا مع بعض)، ويقول فى مناسبات أخرى موجها حديثه للمسيحيين: (نحن نسيج واحد، ولا يقدر أحد على أن يفرق بيننا).
ولم يكتف الرئيس السيسى بلغة خطاب مغايرة للمسيحيين بل اتخذ مواقف عملية منذ كان وزيرا للدفاع، فظهر بابا الكنيسة إلى جوار شيخ الأزهر ووزير الدفاع فى خطاب 3 يوليو سنة 2013م، وحرص الرئيس السيسى على تقديم التهنئة فى قداس عيد الميلاد بانتظام مساء 6 يناير، ووقف صلبا فى وجه الإرهاب، واعتبر أى عدوان إرهابى اعتداء على الأمن القومى المصري، فعندما استشهد عدد من المصريين المسيحيين فى ليبيا اتخذ قراره بتوجيه ضربة ساحقة لمعاقل داعش هناك، وزار الكاتدرائية لتقديم واجب العزاء.
وانتقل الرئيس السيسى لخطوة أكثر تقدما نحو ترسيخ حقوق المصريين المسيحيين فى قانون بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016م، فوضع نهاية لحقبة (الخط الهمايونى الصادر عام 1856م)، وشروط (العزبى باشا) التى كانت تجعل بناء كنيسة شبه مستحيل، وحدد مدة 4 أشهر فقط للرد على طلب بناء كنيسة، كحد أقصى، وبموجب القانون أصبحت الدولة ملزمة ببناء الكنائس فى كل المدن تلقائيا ضمن المخطط العمرانى دون الرجوع لقرارات جمهورية لبناء كل كنيسة على حدة.
وشكلت الدولة لجنة عليا لتقنين أوضاع الكنائس القائمة بدون ترخيص، وهى لجنة وزارية برئاسة رئيس الوزراء، تجتمع مرة كل سنة فى يناير، ومن 2017م حتى 2025م تم تقنين أكثر من 3500 كنيسة على مستوى الجمهورية، وهذا الرقم الضخم يعنى نقل آلاف المبانى الكنسية من دائرة المخالفة إلى الشرعية القانونية وحماية الدولة.
إضافة لما سبق فعّلت الدولة مبدأ التمكين الحقيقى بإعادة ترميم وبناء الكنائس المعتدى عليها عبر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتكليف من الرئيس السيسي، وشهد عصر السيسى زيادة كبيرة فى تعيين المسيحيين فى الوظائف العليا، كما جرى تعيين المستشار بولس فهمى رئيسا للمحكمة الدستورية العليا فى فبراير سنة 2022م وهو قرار غير مسبوق، وبناء كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الجديدة إلى جانب مسجد الفتاح العليم فى ترجمة مباشرة للتوجه الجديد، وهى الأكبر فى الشرق الأوسط، ليؤسس لدولة المواطنة.
وبالفعل قننت الدولة المصرية 3613 كنيسة من 2018م، ورسخت الدولة لمبدأ حرية العقيدة فخرجت مصر لرحابة المواطنة، وجرى ترسيخ فقه المواطنة والمساواة بين جميع المصريين دون تفرقة، ترسيخا لمبدأ الكفاءة فى اختيار القيادات والتعيين فى الوظائف العليا، فتم تحرير الوعى الجمعى من الكراهية والاحتقان والخطاب المتطرف؛ لتصبح مصر نموذجا حيا للحرية والعدالة والمساواة فى الممارسات اليومية.
وتحت عنوان (ملامح التحول فى إعمار بيوت الله) كتب د. إبراهيم نجم مستشار مفتى الجمهورية، عن مسارين تلازما فى الجمهورية الجديدة، وهما مسار البناء والتشييد، ومسار الإصلاح والتجديد، والدليل إعمار بيوت الله تعالى بما لم يشهده تاريخ مصر من قبل، فمنذ يوليو 2014م حتى مايو 2026م تم رفع كفاءة أكثر من أربعة عشر ألفا و607 مساجد، بتكلفة إجمالية تجاوزت 27 مليارا و746 مليون جنيه مصري، حتى أن شهر مايو 2026م وحده شهد افتتاح 31 مسجدا دفعة واحدة، وجاء افتتاح مسجد مصر الكبير فى العاصمة الجديدة كنموذج فى العمارة الإسلامية فى القرن 21، والمعروف بالمركز الثقافى الإسلامى على مساحة 19 ألفا و100 متر مربع، وهو أكبر مسجد فى إفريقيا، وثالث أكبر مسجد بعد الحرمين الشريفين فى مكة والمدينة، وتكلف 800 مليون جنيه، ويقع فى قلب الحى الحكومى لتؤكد مصر أن روحها الدينية لا تنفصل عن الدولة المدنية الحديثة.
أما قصة إعمار مساجد آل البيت فى مصر فتحتاج لمجلد وحدها، لصون الإرث الحضارى وتجديد الروح، وشمل التطوير: مسجد الإمام الحسين، ومسجد عمرو بن العاص، ومسجد السيدة نفيسة، ومسجد السيدة زينب، وغيرها من مساجد آل البيت فى المحافظات مثل: مسجد سيدى إبراهيم الدسوقى فى دسوق، ومسجد سيدى البيلى أبى غنام فى بيلا، والبقية تأتي، لما لهذه المساجد من مكانة روحية فى قلوب المصريين، لحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعترته المباركة.
وذهبت الدولة لحى الأسمرات فى المقطم حيث نقل نحو 15 ألف أسرة للعيش فى بيئة آمنة حضارية عصرية، وبنت مصر لهم مسجد تحيا مصر، وافتتحه وزير الأوقاف فى ديسمبر 2020م وسط تجمع يضم 7000 أسرة، وفى منطقة ألماظة بشرق القاهرة افتتح د. مدبولى مسجد العلى العظيم فى 28 فبراير 2025م، وهو يعود بنا لفكرة المسجد الجامع.
وفى الأول من يناير سنة 2015م بدأ الرئيس السيسى عصر الثورة الدينية فى خطابه فى رحاب جامعة الأزهر وقالها بوضوح: (إننا نحتاج لثورة دينية، لأنه لا يعقل أن يكون الفكر الذى نقدسه يجعل الجزء الأكبر من الأمة مصدرا للقلق والخطر والوحشية فى العالم)، وبدأت ثورة تجديد الخطاب الدينى القائمة على ثلاثة أسس، وهي: أولا، الفصل بين الدين الحق والموروث الفكرى المقدس، ثانيا، أن يكون الخطاب الدينى فى خدمة الإنسان، ثالثا، أن الخطاب الدينى مسئولية الدولة والعلماء معا، وبذلك أصبحت مصر بلد الوسطية والاعتدال فعلا لا قولا، وجرى توحيد خطبة الجمعة على مستوى الجمهورية حتى لا تُترك المنابر نهبا لأفكار متطرفة، وبالتوازى مع كل ذلك جرى تأهيل أئمة الأوقاف بالفقه والانضباط والعلوم الشرعية ومفاهيم الأمن القومي، وبذلك خطت مصر خطوات كبيرة فى رفع الوعى الدينى والوطنى فى سنوات معدودة، وبذلك بنت الجمهورية الجديدة المصرى المسلم الذى يستطيع أن يعيش فى القرن الحادى والعشرين، مسلماً متسلحاً بالدين والعلم والعمل، يؤمن بالإسلام الحضارى البناء، دين الرحمة والعمران والحياة.
وتحت عنوان (نهاية عصر القوانين الاستثنائية) كتب د. محمد سامى عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، وأستاذ القانون المدني: انطلاقا من أن الإصلاح إرادة، وجّه الرئيس السيسى وزارة التخطيط لإجراء دراسة لواقع الدولة سنة 2014م وأسفرت عن نتائج أربع، هي: تعقد الجهاز الإدارى وتعدد التشريعات وتضاربها، والمركزية الشديدة، وتراجع مستوى الخدمات العامة خاصة المحلية، وانعكس ذلك كله فى مركزية القرار والتمويل، وضعف الكفاءات، وتراجع القدرة على المنافسة، وعدم مراعاة الفروق المحلية، فارتفع معدل عدم الرضا الشعبي، وتحمل المواطن أعباء كثيرة، مما وسع الفجوة بين المواطن والحكومة.
وبدأ عصر الرئيس السيسى بالإصلاح الدستورى المؤسس لثورة تشريعية، ولتنظيم العلاقة بين السلطات، وتعزيز مكانة السلطة القضائية، وحقوق المتقاضين، وتحقيق التمييز الإيجابى للفئات المستحقة مثل (المرأة والشباب والمسيحيين وذوى الهمم)، وإنشاء هيئات مستقلة لضمان النزاهة والشفافية مثل: الهيئة الوطنية للانتخابات، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وتخصيص ما لا يقل عن ربع عدد مقاعد مجلس النواب للمرأة، وتعزيز مدنية الدولة، كل ذلك وغيره تم بإرادة سياسية راغبة حقا فى الإصلاح، وبعزيمة جبارة.
وتلخصت أهم مسارات الإصلاح التشريعى في: تطوير العنصر البشري، وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة الموارد بكفاءة، وأصبحت (مأسسة الإصلاح التشريعي) نهجا للعمل وليس مجرد نزعة أو اتجاه طارئ، لدرجة أن الرئيس السيسى أصدر قراره الجمهورى رقم 187 لسنة 2014م بإنشاء اللجنة العليا للإصلاح التشريعي، برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزير العدل ومفتى الجمهورية ونخبة من القضاء وأساتذة القانون والمحامين، وبناء على ذلك شهدت مصر ثورة تشريعية شاملة، وفى كل المجالات، الصحة، والتعليم، ما قبل الجامعى والجامعي، وفى مجال تحديث الدولة ومكافحة الفساد، وتطوير منظومة عمل القضاء الإدارى والاقتصادى وإنشاء محاكم متخصصة، ولأول مرة حلفت 98 قاضية فى مجلس الدولة اليمين لبدء العمل، وجرى لأول مرة تطوير البنية التحتية القضائية، من بينها مجمعات المحاكم فى عابدين وشمال القاهرة، والإسكندرية، ومصر الجديدة، مع التحول الرقمى وتحديث إجراءات التقاضى لسرعة الفصل فى القضايا، وتطوير خدمات الشهر العقارى والتوثيق، وجرى عمل ثورة تشريعية مماثلة فى مجال الاستثمار، وفى مجالات الثقافة والسياحة والآثار، وختم هذا المسار الوطنى بإنشاء مدينة العدالة فى العاصمة الجديدة.
وشرعت الدولة فى وضع استراتيجيات ومبادرات رئاسية مثلت قاطرة للثورة التشريعية مثل: استراتيجية التنمية المستدامة، ومصر الرقمية للخدمات العابرة للحدود، ولحقوق الإنسان، وللذكاء الاصطناعي، وتمكين ذوى الإعاقة، وللشباب والنشء، ولمكافحة الفساد، وللشمول المالي، ولتنمية الطفولة المبكرة، وتمكين المرأة، ومبادرة بداية جديدة لبناء الإنسان، ومبادرة المواطنة المصرية، وصوتك مسموع، والمواطن القدوة، وغيرها الكثير.
وفى مجال التسامح الدينى أسست الدولة (بيت العائلة)، وأطلقت مبادرة صحح مفاهيمك، وقوافل السلام، وقوافل الأزهر، ومرصد الأزهر لمكافحة الإرهاب.
وختاما أصبحت مصر مؤهلة لميثاق دستورى جديد يعبر عن نهضتها ومستقبلها ومكانتها المستحقة بين الأمم المتقدمة.