وتعود هذه المخاطر إلى تداخل مسارين شديدى التأثير؛ أولهما تصاعد التوترات العسكرية فى الشرق الأوسط، وما تفرضه من تهديدات على أمن إمدادات الطاقة وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية، وثانيهما موجة الحمائية التجارية التى أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر فرض رسوم جمركية واسعة النطاق على واردات عشرات الدول، بما ينذر بإعادة رسم خريطة التجارة العالمية وإبطاء حركة الاقتصاد الدولى.
وحذرت المؤسسات المالية الدولية من تداعيات هذا المشهد المضطرب، مؤكدة أن استمرار المواجهات العسكرية فى الشرق الأوسط، بالتزامن مع اضطراب خطوط نقل الطاقة عبر مضيق هرمز، قد يدفع الاقتصاد العالمى إلى مرحلة أكثر هشاشة.
وفى هذا السياق، يرى البنك الدولى أن استمرار هذه التطورات قد يخفض معدل النمو العالمى خلال عام 2026 إلى نحو 1.3 فى المائة مقارنة بنحو 2.9 فى المائة العام السابق، ليسجل بذلك أدنى مستوى له منذ جائحة كورونا، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم العالمية إلى نطاق يتراوح بين 4 إلى 4.5 فى المائة، وهو ما يقترب بصورة كبيرة من التعريف الاقتصادى لحالة الركود التضخمي، التى تجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادى وارتفاع معدلات البطالة.
ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على المؤشرات الاقتصادية الكلية، وإنما تمتد مباشرة إلى حياة المواطنين حول العالم، فى ظل المخاوف من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، بما ينعكس على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع الأساسية فى مختلف الأسواق.
ويحذر البنك الدولى من أن استمرار الحرب فى الشرق الأوسط، بالتزامن مع تشديد السياسة التجارية الأمريكية، قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 94 و115 دولارًا للبرميل، بزيادة تتجاوز 36 فى المائة مقارنة بالمستويات الحالية، وهو ما يرفع تكلفة النقل والإنتاج فى مختلف القطاعات الاقتصادية.
ولا تتوقف التداعيات عند سوق الطاقة، إذ يمتد تأثيرها إلى سلاسل إمداد الأسمدة والمدخلات الزراعية والمنتجات الكيميائية، الأمر الذى يهدد الأمن الغذائى العالمى، خاصة فى الدول الأكثر اعتمادًا على الواردات الغذائية، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعى والشحن والتأمين.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن أى اضطراب ممتد فى أسواق الطاقة قد يؤدى إلى موجة جديدة من التضخم العالمى، تدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط على الاستثمار والإنتاج ويزيد احتمالات الدخول فى دورة تباطؤ اقتصادى طويلة نسبيًا.
وفى ظل هذه التطورات، يجد الاقتصاد المصرى نفسه أمام اختبار جديد، فى وقت لم تكد فيه آثار الأزمات العالمية السابقة تتراجع بصورة كاملة، فالصدمات الخارجية الجديدة تفرض ضغوطًا متزايدة على الموازنة العامة للدولة، وتكلفة خدمة الدين، وسعر الصرف، ومعدلات التضخم، فضلًا عن مصادر النقد الأجنبى المرتبطة بالصادرات والسياحة وإيرادات قناة السويس.
كما تثير هذه التطورات تساؤلات حول قدرة الاقتصاد المصرى على الحفاظ على الاستقرار الذى تحقق خلال الفترة الماضية، ومدى جاهزية السياسات الاقتصادية للتعامل مع موجة جديدة من الصدمات العالمية، فى ظل استمرار حالة عدم اليقين التى تسيطر على الاقتصاد الدولى.
وفى هذا السياق، رأى عدد من المحللين الاقتصاديين أن قدرة مصر على تجاوز هذه المرحلة لن تعتمد فقط على نجاح السياسة النقدية فى الحفاظ على استقرار سوق الصرف، وإنما ستتوقف أيضًا على كفاءة السياسات المالية، وقدرتها على دعم الإنتاج المحلى، وزيادة الصادرات، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة قادرة على توفير العملة الأجنبية وتعزيز النمو الاقتصادى المستدام.
من جانبه، أوضح محمد رضا، المدير التنفيذى بإحدى المؤسسات المالية، والمحلل الاقتصادى، أن «الاقتصاد المصرى استطاع امتصاص جانب كبير من الصدمة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية خلال حرب الأربعين يومًا التى بدأت فى مارس الماضي، بفضل الإجراءات الاستباقية التى اتُّخذت خلال الفترة الماضية، إلى جانب المرونة التى انتهجها البنك المركزى فى إدارة سعر الصرف وتوفير النقد الأجنبى».
«رضا» اعتبر أن «تلك السياسات ساهمت فى الحد من انعكاسات ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن، وتأثر صادرات بعض الشركات المصرية العاملة فى أسواق الخليج، مقارنة بما كان يمكن أن يحدث فى ظل غياب هذه الإجراءات»، مؤكدًا أن «سرعة الاستجابة للمتغيرات العالمية لعبت دورًا مهمًا فى الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادى».
وأشار رضا إلى أن «تأثير التصعيد العسكرى الحالى على الاقتصاد العالمى يظل قائمًا، لكنه لا يتوقع أن يتطور إلى مستويات تهدد الاقتصاد الدولى على المدى الطويل»، مرجحًا أن الولايات المتحدة ستواصل التدخل، بصورة أو بأخرى، للحيلولة دون انفلات أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ومشيرًا إلى أن «واشنطن تدرك جيدًا أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيضر بالاقتصادين الأمريكى والأوروبى قبل غيرهما، وهو ما يجعل الاعتبارات الاقتصادية عنصرًا حاضرًا بقوة فى إدارة الأزمة، حتى فى ظل استمرار التصعيد العسكرى».
واعتبر أن السيناريوهات التى تتحدث عن حرب إقليمية ممتدة تظل محدودة الاحتمال، لأن استمرار المواجهات لفترات طويلة يحمل تكلفة اقتصادية وسياسية باهظة على جميع الأطراف، وفى مقدمتها الولايات المتحدة، وهو ما يجعل فترات التصعيد والتهدئة مرشحة للاستمرار بصورة متبادلة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة طويلة الأمد.
وحول تداعيات الحرب، أكد «رضا» أنها لا تقتصر على أسواق الطاقة فقط، وإنما تمتد إلى الاقتصاد المصرى عبر موجة تضخمية جديدة، لافتًا إلى أن الحكومة اضطرت إلى رفع أسعار الوقود وبعض الخدمات لاستيعاب ارتفاع التكلفة، وهو ما أعاد الضغوط التضخمية بعد فترة من التراجع النسبى.
وأضاف أن «مثل هذه الصدمات الخارجية تترك أثارًا مضاعفة على الاقتصادات الناشئة، نظرًا لاعتمادها بدرجات متفاوتة على الواردات، وتأثرها السريع بتقلبات أسعار الطاقة والشحن العالمية»، لافتًا إلى أن «التضخم فى السوق المصرية لا يرتبط فقط بالعوامل الاقتصادية التقليدية، وإنما يتأثر أيضًا بسلوكيات التسعير داخل الأسواق، حيث ترتفع الأسعار سريعًا مع أى زيادة فى سعر الدولار، بينما لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تراجعه، وهو ما يخلق ضغوطًا تضخمية مستمرة، ويحد من استفادة المستهلك من تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية».
ورجح «رضا» أن يقود استمرار التوترات الجيوسياسية، إلى جانب اضطراب أسواق الطاقة، الاقتصاد العالمى إلى مرحلة من الركود التضخمي، موضحًا أن «ارتفاع أسعار النفط يؤدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج، وانخفاض الطلب، ثم تقليص المصانع لإنتاجها، وهو ما ينعكس فى صورة تباطؤ اقتصادى وارتفاع معدلات البطالة، بما يشمل الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء».
وأضاف أن «الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة تمثل عامل ضغط إضافى على الاقتصاد العالمى، إذ تؤدى إلى رفع تكاليف التجارة، وزيادة معدلات التضخم، فضلًا عن تقليص القدرة التنافسية للدول المصدرة إلى السوق الأمريكية، وهو ما ينعكس فى انخفاض الإنتاج الصناعى وارتفاع معدلات البطالة، ليزداد خطر الدخول فى موجة ركود تضخمى عالمية».
كما لفت إلى أن «الاقتصاد المصرى يبدو أكثر قدرة على مواجهة الصدمات مقارنة بفترات سابقة»، مستشهدًا بعدم الحاجة إلى تمويلات طارئة كما حدث خلال أزمة كورونا، واستقرار الاحتياطيات الأجنبية نسبيًا، فضلًا عن تحسن إدارة السياسة النقدية، لكنه فى المقابل، استبعد حدوث تحسن اقتصادى سريع، متوقعًا استمرار الضغوط التضخمية مع بقاء بقية المؤشرات الرئيسية فى نطاق من الاستقرار النسبى، إلى حين اتضاح مسار الأوضاع الجيوسياسية والتجارية عالميًا.
وأشار إلى أن «انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعتمد بصورة أكبر على قدرة الاقتصاد على توفير موارده الذاتية من النقد الأجنبى»، مؤكدًا أن «القرار بشأن الاستمرار فى أى برنامج جديد سيظل مرتبطًا بحجم الفجوة التمويلية، وقدرة الدولة على تغطيتها من خلال مصادر مستقرة، مثل الصادرات، والاستثمار الأجنبى المباشر، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج».
وشدد «رضا» على أن تعزيز مرونة الاقتصاد المصرى فى مواجهة الصدمات الخارجية يتطلب التركيز على ملفين رئيسيين، هما الصادرات والاستثمار الأجنبى المباشر، موضحًا أن «الهدف لا ينبغى أن يقتصر على جذب رؤوس الأموال، وإنما استقطاب التكنولوجيا أيضًا، بما يسمح ببناء قاعدة صناعية قادرة على إنتاج صناعات مغذية ووسيطة، وزيادة القيمة المضافة، ورفع القدرة التصديرية للاقتصاد».
وأكد أن «نجاح استراتيجية جذب الاستثمار يرتبط بربط الحوافز الاستثمارية بنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، على غرار تجارب دول نجحت فى بناء صناعات تنافسية»، معتبرًا أن توسيع القاعدة الصناعية وتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاندماج فى سلاسل الإنتاج يمثلان أحد أهم مسارات تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
واختتم «رضا» تصريحاته بقوله: الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تتجه إلى تطوير السياسات المالية، وتوسيع الاقتصاد الرسمى، وتحسين بيئة الاستثمار، مع فرض رقابة أكثر فاعلية على الأسواق للحد من الممارسات السعرية التى تدفع معدلات التضخم إلى مستويات تفوق التأثير الحقيقى للصدمات الخارجية.
ورغم أن تداعيات الحرب فى الشرق الأوسط تمثل أحد أهم مصادر القلق بالنسبة للاقتصاد العالمى، فإن العديد من المحللين يرون أن موجة الرسوم الجمركية التى تقودها الولايات المتحدة قد لا تقل خطورة، باعتبارها تمثل تحولًا هيكليًا فى قواعد التجارة الدولية، قد تستمر آثارها لسنوات، حتى فى حال تراجع التوترات العسكرية.
وفى هذا السياق، أوضح أيمن نجم، المحلل الاقتصادى، أن «السيناريوهات المتعلقة بتباطؤ معدلات النمو العالمى أصبحت أكثر ترجيحًا عقب قرار الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية دائمة تراوح بين 10 إلى 12.5 فى المائة على الواردات القادمة من أكثر من 60 دولة، فى مقدمتها الاتحاد الأوروبى، وبريطانيا، والصين، والهند، والمكسيك، وكندا، وأستراليا، إلى جانب فرض رسوم بنسبة 50 فى المائة على قطاعات محددة من الصادرات الكندية، و25 فى المائة على بعض المنتجات البرازيلية، فضلًا عن اعتماد جدول تصاعدى استهدف واردات الصلب والأدوية».
«نجم»، أشار إلى أن «الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها فى مجرد موجة تضخم عابرة، أو انتظار لانتهاء التصعيد العسكرى فى منطقة الخليج، وإنما تمثل بداية مرحلة جديدة يمكن وصفها بعصر «الحماية الهيكلية» و«ارتفاع تكلفة الطاقة العابرة للحدود»، وهى مرحلة ستفرض قواعد مختلفة على حركة التجارة والاستثمار والإنتاج خلال السنوات المقبلة».
كذلك، أوضح «نجم» أن «الاقتصاد المصرى لا يواجه فقط ضغوطًا تضخمية متزايدة، وإنما يواجه أيضًا خطرا يمكن وصفه بـ»انحباس الميزة التنافسية»، حيث ترتفع تكلفة إنتاج السلع محليًا نتيجة زيادة أسعار الطاقة والشحن، بينما تتراجع فى الوقت نفسه قدرة الأسواق الخارجية على استيعاب الصادرات المصرية بسبب القيود الجمركية الجديدة، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام القطاع الصناعى».
وأضاف أن «فرض الولايات المتحدة لرسوم جمركية على واردات قادمة من أكثر من 80 دولة سيؤدى إلى ما يعرف بـ«إعادة التوجيه الحمائى للتجارة العالمية»، إذ ستسعى كبرى الدول الصناعية، خاصة فى شرق آسيا، إلى البحث عن أسواق بديلة لتصريف فائض إنتاجها بعد تقلص فرص دخوله إلى السوق الأمريكية».
ولفت «نجم» إلى أن «هذا التحول قد يضع مصر أمام تحدٍ جديد يتمثل فى احتمالات التعرض لموجات إغراق غير مباشر بمنتجات منخفضة التكلفة، تسعى الشركات الأجنبية إلى تصريفها فى الأسواق البديلة، وهو ما قد يفرض ضغوطًا كبيرة على الصناعة المحلية، خاصة الصناعات الناشئة التى تعمل الدولة على توطينها ضمن استراتيجية إحلال الواردات».
وفى المقابل، كشف «نجم» أن الأزمة الحالية لا تحمل تحديات فقط، وإنما تفتح أيضًا نافذة لفرص جديدة أمام الاقتصاد المصرى، خاصة فيما يتعلق بقناة السويس، موضحًا أن «اضطراب الملاحة فى مضيق هرمز والبحر الأحمر لا ينبغى النظر إليه فقط من زاوية تراجع إيرادات عبور السفن، وإنما باعتباره فرصة لإعادة صياغة الدور اللوجستى لمصر داخل سلاسل التجارة العالمية».
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين البحرى، واضطراب جداول الشحن، وتزايد احتياجات الشركات العالمية إلى مراكز تخزين وإعادة توزيع، قد يمنح مصر فرصة للتحول من مجرد ممر لعبور السفن إلى مركز إقليمى متكامل للتخزين، وإعادة التعبئة، والخدمات اللوجستية، وهو ما يرفع القيمة المضافة للاقتصاد بدلًا من الاكتفاء بعوائد رسوم العبور.
وبينما تختلف تقديرات الخبراء بشأن حجم التأثيرات المحتملة للحرب فى الشرق الأوسط والرسوم الجمركية الأمريكية، فإنهم يتفقون على أن الاقتصاد العالمى يمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع السياسات التجارية والنقدية بصورة غير مسبوقة منذ سنوات.
ومع استمرار حالة عدم اليقين التى تسيطر على الاقتصاد العالمى، يبقى الرهان الحقيقى ليس فقط على تجاوز تداعيات الحرب أو الرسوم الجمركية، وإنما على استغلال هذه التحولات لإعادة بناء نموذج اقتصادى أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعدادًا لمواجهة الأزمات المستقبلية.