رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أين جيجاتي؟!

26-7-2026 | 16:12

عمرو سهل

طباعة
عمرو سهل

"أين أشيائي؟".. قفز هذا المشهد خفيف الدم للنجم أحمد مكي من فيلم لا تراجع ولا استسلام إلى ذهني وأنا أتابع الجدل حول خدمة الإنترنت، والسعة التي تصل إلى المواطن مقابل ما يدفعه من أموال للحصول على الخدمة. حتى بات يتساءل: "أين جيجاتي؟".

كثرة التصريحات حول شفافية مأمولة في احتساب استهلاك الباقات، وفراغها في أيام معدودات، وما يترتب على ذلك من إرهاق للجيوب، جعلت الخدمة التي لم تعد من باب الرفاهية، بل أصبحت جزءًا من الروتين اليومي، محل تساؤل دائم.

السجال بين الشركات المقدمة للخدمة والمواطن بات متسقًا مع المشهد السينمائي؛ فلا المواطن وجد "أشيائه" التي يبحث عنها، ولا الشركات أدركت ما هي "الأشياء" التي يسأل عنها. لكن، على أية حال، فإن الحراك البرلماني في هذا الإطار قادر على تحريك المياه الراكدة وإظهار الحقائق، وهي وحدها القادرة على استجلاء الحقيقة المنشودة.

تصريحات أعضاء لجنة الاتصالات بمجلس النواب لامست، بلا شك، شكوى متكررة لدى كثير من مستخدمي الإنترنت، لكنها تحتاج إلى قدر من التفصيل حتى لا يتحول الانطباع الشخصي إلى حقيقة مطلقة.

فمن ناحية، يشعر عدد كبير من المشتركين بأن باقته قصيرة العمر، "معدومة البركة"، ولا تدوم بالقدر المتوقع، وبالتالي يعتقدون أنهم لا يحصلون فعليًا على السعة المعلنة. وهذا الشعور قد يكون ناتجًا عن عدة عوامل؛ منها ارتفاع جودة الفيديوهات التي أصبحت تعمل تلقائيًا بدقة عالية، والتحديثات المستمرة للهواتف والتطبيقات، والأجهزة المتعددة المتصلة بالشبكة نفسها، فضلًا عن خدمات التخزين السحابي التي تعمل في الخلفية دون أن يلاحظها المستخدم. لذلك قد تُستهلك الباقة بسرعة أكبر مما كان يحدث قبل سنوات، حتى مع ثبات نمط الاستخدام.

في المقابل، إذا كان المستخدم متأكدًا من أن استهلاكه محدود، ومع ذلك تنفد الباقة بشكل غير منطقي، فمن حقه أن يتساءل عن آلية احتساب الاستهلاك، وأن يطالب بمزيد من الشفافية عبر أدوات دقيقة توضح بالتفصيل أين ذهبت كل جيجابايت، بما يعزز الثقة بين شركات الاتصالات والعملاء.

أما فيما يتعلق بضعف الإنترنت خلال الفترة الأخيرة، فهناك أكثر من سبب محتمل؛ منها زيادة أعداد المستخدمين في أوقات الذروة، وأعمال تطوير أو صيانة البنية التحتية، أو الضغط الناتج عن الاستخدام المكثف للخدمات الرقمية، إضافة إلى عوامل فنية داخل المنزل، مثل جودة جهاز الراوتر أو مكانه، أو التداخل مع شبكات مجاورة. وفي بعض الحالات قد يكون السبب متعلقًا بالشبكة نفسها، ويستلزم تدخل الشركة المزودة للخدمة.

الخلاصة أن عبارة "100 جيجا مش 100 جيجا" قد تعبر عن إحساس شريحة من المستخدمين أكثر مما تثبت وجود خلل عام، وقد يكون العكس. وإذا كانت الشركات تؤكد أن السعات تُحسب بدقة، فإن أفضل وسيلة لحسم الجدل هي توفير بيانات واضحة وقابلة للمراجعة عن الاستهلاك، إلى جانب تحسين جودة الخدمة بما يتوافق مع تزايد الاعتماد على الإنترنت في الحياة اليومية. وبهذه الطريقة تتحول الشكاوى من مجرد انطباعات إلى نقاش قائم على معلومات يمكن التحقق منها.

وفي النهاية، يبقى حق المستخدم في الحصول على خدمة مستقرة وواضحة لا يقل أهمية عن حق شركات الاتصالات في إدارة شبكاتها وتطويرها، أو حتى إنفاق الملايين على الحملات الإعلانية الموسمية التي تتغنى بجودة الخدمة.

وبين شكاوى المشتركين وتأكيدات الشركات، تظل الشفافية في احتساب استهلاك الباقات، وسرعة الاستجابة للأعطال، والاستثمار المستمر في تحسين البنية التحتية، عوامل أساسية لبناء الثقة وتحقيق تجربة استخدام أفضل. فكلما كانت المعلومات أوضح، والخدمة أكثر كفاءة، تراجع الجدل حول استهلاك الباقات، وتحول النقاش من التساؤلات والشكوى إلى تقييم موضوعي يستند إلى الحقائق والأرقام، حتى لا يبقى بيننا حائر أو مكلوم في باقته المستهلكة، يمشي بين الناس رافعًا شعار: "أين جيجاتي؟!"

أخبار الساعة

الاكثر قراءة