رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ابن بردس يكتب: «وفيات الأعلام» فى سجل مهترئ


26-7-2026 | 14:15

.

طباعة
بقلـم: شعبان ناجى

هذا كتاب من كتب التراث الشهيرة اسما، ولكنها من الناحية الفعلية لم تعد تملك أية أهمية تذكر، فقد طواها الزمن.. وكان لابد للزمن أن يطويها بل ويدوسها بعجلاته الثقيلة التى لا ترحم أحدا، ذلك لأنه كتاب من الكتب التى فسدت صلاحية أفكارها وانطمست معالمها وبهتت معلوماتها وتلاشت أطروحاتها؛ فصارت أطلالا بائدة لا تجد من يتباكى عليها، ربما لأنها لا تستحق دمعة واحدة تذرف عليها، ولكننا رغم ذلك نفاجأ بمن يتصدى لها بحثا وتنقيبا ودراسة، بل إنه يعيد نشرها فى نشرات غير علمية بالمرة، ثم يعلن واثقا وهو منتفخ الأوداج أنه توصل إلى ما لم يتوصل إليه الأولون والآخرون، وهو فى ذلك كمن يبحث عن الماء فى الصحراء حتى إذا وصله لم يجده إلا سرابا بقيعة.

 

والسراب الذى نقصده هنا هو ذلك الكتاب الضخم الذى يسمى «الإعلام فى وفيات الأعلام» للحافظ بن بردس الذى لا نعرف عنه شيئا ذا خطر، وغاية ما تقول عنه كتب التراجم أنه مقرئ ومحدث وأنه حنبلى المذهب، وأنه مغرم باختصار الكتب وتلخيصها، وأن اسمه هو الحافظ بن بردس أبو الفداء إسماعيل المولود فى بعلبك فى الثامن عشر من جمادى الآخرة سنة عشرين وسبعمائة للهجرة، ومن مؤلفاته القليلة التى ربما لم يطلع عليها أحد قط، والتى تتصف جميعها بصفة الاختصار كما يظهر من عناوينها، نذكر :«بغية الأريب فى اختصار التهذيب» و«الانتخاب فى اختصار كشف الألقاب» و«الكفاية فى اختصار النهاية».

وأما هذا الكتاب الذى نتحدث عنه، فهو فى حقيقة أمره لا يعدو أن يكون مسخا مشوها من كتاب آخر هو أكثر مسخا ويحمل العنوان نفسه كتبه العلامة الجليل الحافظ الذهبى، ذلك لأن كتاب الحافظ كتاب قليل الأهمية وقليل الحيلة وضئيل الفكر والرؤية؛ لأنه مجرد ثبت أو سجل لأسماء حفّاظ الحديث النبوى ولا يحمل بين طياته تفسيرات مهمة وتفصيلات ملمة وتخريجات ملهمة تدعونا للوقوف ولو قليلا عند من يترجم لهم من هؤلاء البشر الأعلام، وسوف تكون لنا وقفة متأنية معه فى طالع الأيام السعيدة القادمة.

ولقد حاول صديقنا المجتهد ابن بردس أن يختلف عن سلفه بعض الشيء فقدم إلينا ثبتا من الحفاظ يصل عدده إلى 1062 حافظا، وهو كما نرى عدد كثير مثل النمل؛ لكنه جاء مجردا من أية معلومات حقيقية أو ذات قيمة ملموسة محسوسة يستطيع أى شخص عابر أن يفيد منها، فهو لم يقدم أى تواريخ تخص ميلاد أو وفاة الشخصية التى يترجم لها، ولم يعطنا فى الوقت نفسه أية معلومات أخرى عنها وعن حياتها ومآثرها رغم أن هناك شخصيات بين طيات الكتاب كانت مثيرة للجدل والنقاش وكانت حياتها مليئة بالمآسى والنكبات، بل وبالمغامرات والسقطات فى أحيان كثيرة.

ورغم أن المؤلف قد ادعى فى المقدمة أنه قد أثبت كل التواريخ التى تخص كل شخصية وأثبت معها كل أعمالها ومؤلفاتها ومشاركاتها فى الحياة العامة والخاصة، وما اعترى طريقها من عقبات وما وقعت فيه من مصائب ونكبات، فإن القارئ لهذا الكتاب سوف يجد أن هذا كله تلفيق وافتراء وانتحال؛ لأنه لن يصادف كل هذا وإنما سوف يصادف شذرات من المعلومات المهلهلة التى لا تغنى من جوع ولن يقرأ إلا كلاما يعرفه القاصى والدانى والنائم والهائم؛ بل يعرفه ذلك الرجل الأمى الذى لم يسلك التعليم إلى عقله وقلبه سبيلا.

ولنضرب على ذلك أمثلة واقعية من متن الكتاب نفسه، فمثلا عند ذكره لشخصية الإمام على بن أبى طالب، نجده يقول بكل ثقة واطمئنان: «ابن عم النبى وزوج فاطمة» هذا هو التعريف الذى يقدمه ابن بردس لعلى، فهل يوجد شخص على وجه هذه الأرض اليباب لا يعرف أن على هو ابن عم النبى وزوج ابنته الزهراء؟ ثم تعالوا معا لنقرأ تعريفه العبقرى بالصحابى أبى ذر الغفارى، حيث يقول: «صادق الله، ورأس فى العلم والجهاد» فهل هذا الهراء يعد معلومات معتبرة عن شخصية بحجم أبى ذر الذى كان له مواقف مشرفة ووقفات صارمة صادمة ضد تلاعبات الحكام وسياساتهم، حتى إنه انتقد بعض مسالك الخليفة عثمان بن عفان رابع الخلفاء الراشدين وزوج رقية وأم كلثوم ابنتى النبى صلى الله عليه وسلم.

كذلك نجده يترجم للصحابى الجليل سعد بن أبى وقاص، ترجمة إنشائية باهتة باردة، فيقول متعالما: «أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من رمى بسهم فى سبيل الله».. أرأيتم أيها السادة هذه الإضافة العظيمة.. حقا لقد شرفت المحكمة يا بن بردس!. ثم إننا لابد أن نضحك حتى الموت عندما نراه يترجم لابن مسعود فى كلمات أربع، هي: «يقال ابن أم عبد» فهل هذه فزورة يريدنا المؤلف أن نبحث عن حلها، أم إنها الخاتم المدفون فى بطن السمكة، حتى إذا ما اصطادنا السمكة لم نعثر على الخاتم.. وهى فى الحقيقة ليست فزورة وليست خاتما مدفونا ببطن سمكة وإنما لقب وربما كنية لعبدالله بن مسعود، وهو منسوب إلى أمه التى تسمى «أم عبد بنت عبد ود».. ولكن الكاتب لم يكن عنده وقت لتوضيح ذلك الأمر السهل.

لكن الأخطر من هذا كله هو أننا نكتشف بعد ذلك أن كتاب ابن بردس هذا ليس هو الكتاب الأول أو الثانى فى هذا المجال الواسع، كما أنه ليس الأخير، فربما تفوق عليه كتاب للحافظ بن ناصر الدين الدمشقى، اسمه «بديعة البيان فى وفيات الأعيان»، وربما يكون هذا الكتاب قد تخطى كتاب الذهبى نفسه، فقد زاد عليه ستا وعشرين ترجمة ضافية وافية.

نقول فى النهاية إنه لا يجب أبدا أن نضيع أوقاتنا الثمينة فى قراءة تلك الأعمال المدعية الهشة التى قد تحرق الدم وتقصف العمر، ولا يجب أبدا على المؤسسات الثقافية سواء كانت حكومية أو غير حكومية أن تفرض فرضا على قارئها الغلبان مثل تلك المؤلفات البائسة اليائسة التى قد تزيده بؤسا على بؤسه وياسا أكثر من اليأس الذى ينوء به ظهره المقصوم، ذلك لأن مثل تلك المؤلفات الضخمة أصبحت مشاعا على الوسائل التكنولوجية الحديثة، وإن كنت أشك فى أن هذه الوسائل الحديثة تستطيع أن تقدم شيئا جديدا حيال هذه الأعمال، فهذه المؤلفات وما يشاكلها مثل الرجل المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة