رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

هل لإبداع الأدب علاقة بالجنون؟


26-7-2026 | 14:15

.

طباعة
بقلـم: يوسف القعيد

هذا كتاب مهم أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب يقع فى حوالى 170 صفحة من القطع الكبير، ويُباع بخمسين جنيهًا، وإن كنتُ أشُك أن هذا الرقم قد يكون كبيرًا على القارئ العادى، ولكنهم يحسبون أسعار كتبهم فى الهيئة بحسب تكلفة الكُتُب نفسها.

وهذا الكتاب يتناول قضية أثارت اهتمام الباحثين والعلماء والفنانين، بل أثارت اهتمام البشر العاديين، وهى قضية طالما صار الاختلاف حولها كثيرًا، وانقسم المتقاسمون بشأنها إلى فرقٍ وأحزاب كثيرة متصارعة، وهى قضية العلاقة بين الإبداع الفنى والمرض العقلى.

 

فى الوقت الذى درس كثير من العُلماء والفنانين تِلك العلاقة استنادًا إلى أن الإبداع الفنى يقوم فى جوهره على ملكة التنظيم التى يمتلكها الفنان ويقوم من خلالها بعمليات تنظيم لعالمه الخارجى وعالمه الداخلى. وهى عملية تتناقض مع اختلال القدرات وتدهورها الذى قد يكون حافزًا يوصل صاحبه إلى المرض العقلى.

إن الإبداع الأدبى قد يوصِّل مَن يُعانيه إلى الجنون أحيانًا، وهذا الكتاب يتناول هذه الظاهرة بشكل جيد وعِلمى وغير عادى. وإن كان قد نُشر بعد رحيل صاحبه عن الدنيا فإننى أتوقع أن الاهتمام به سيكون غير عادى. وقد لفت نظرى أن صاحب الكتاب أهداه إلى صديقه الشاعر محمد كُشيك، ووصف صداقتهما بأنها صداقة فى مواجهة الجنون، وهو يقصد طبعًا جنون الإبداع الأدبى والفنى عندما يستحوذ على الإنسان.

ومؤلف الكتاب هو الدكتور شاكر عبدالحميد سليمان «20 يونيو 1952 – 18 مارس 2021» وزير الثقافة الأسبق، وُلد فى أسيوط بصعيد مصر، عمل أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة، ثم تولى منصب وزير الثقافة بوزارة كمال الجنزورى وأدى اليمين الدستورى بتاريخ 7 ديسمبر 2011، وهو أستاذ لعلم نفس الإبداع بأكاديمية الفنون المصرية، وتوفى بعد أسبوع من إصابته بفيروس كورونا المُستجد.

ومن مؤلفاته: العملية الإبداعية فى التصوير، المجلس الأعلى للثقافة والفنون والأداب – الكويت – سلسلة عالم المعرفة – 1987، ودراسات نفسية فى التذوق الفنى (كتاب يشمل على ستة أبحاث حول تذوق الأدب وتذوق الفنون التشكيلية إضافة إلى مقدمة نظرية – القاهرة 1989، وآخر أعماله: الحلم والكيمياء والكتابة – فى عالم محمد عفيفى مطر (2017)، القاهرة: دار بتانة للنشر والتوزيع.

ولكى يُدلِّل المؤلف على صِحة قضيته فهو يشكر الشعراء والأدباء محمد سليمان، ومحمد مستجاب، وحسين عيد، على ما قدموه له من مصادر مهمة لإتمام هذا الكتاب. ويورِد واقعة مهمة، يقول إن الروائى الأيرلندى الشهير جيمس جويس نصحه المحلل النفسى المعروف كار جوستاف يونج أو لحالة ابنته الأولى الذى كان سلوكها يسبب قلقه وأجرى يونج الفحوص اللازمة لابنة جويس واستنتج أنها تعانى خلل مُبكِّر، وهو الاسم القديم لمرض الفصام.

فسأله جويس: وكيف عرفت ذلك يا دكتور يونج؟ فقال له: إن تفكيرها وكلامها يشوبهما التشويش والانحراف الشديدان. وقد مكّنتنى حالتها من الوصول لذلك الاستنتاج الخاص الذى قد يوصلها فى يومٍ ما إلى الجنون، احتجّ جويس على تشخيص يونج ورفضه، فأجابه يونج بأن جويس وابنته مثل شخصين ذهبا إلى قاع النهر، لكن فى حين استطاع جويس أن يغوص إلى الأعماق النفسية للحياة ويعود منها، فإن ابنته قد غرقت فيها.

إن المريض العادى لا يستطيع أن يساعد نفسه بالتفكير والكلام بهذه الطريقة. بينما استطاع جويس ذلك واستطاع أن يطوره خلال كتابته الإبداعية. إن هذا الكتاب مهم لأنه يدرس العلاقة الخاصة بين الإبداع والمرض النفسى ويركز أكثر على كيفية تعامل المبدعين من الأدباء مع المرض النفسى عندما يصل إليهم ويفرض وجوده عليه وعلى حياته.

ويختم كتابه المهم بدراسة عنوانها: المريض النفسى والإبداع الأدبى. ويقول إن بعض القصص القصيرة ليوسف إدريس ونجيب محفوظ، وبعض اللمحات الفنية العميقة فى أعمال الأديب إسماعيل فهد إسماعيل، وكذلك بعض الأعمال الفنية فى أعمال عبدالرحمن منيف، وبعض أعمال الدكتور يحيى الرخاوى.

بعض هذه الأعمال تؤكد أن مَن كتبوها ربما كانوا مرضى نفسيين فى مراحل معينة من تاريخ حياتهم. ويكتب مثلًا ألمانيًا قاله طبيب شهير: إن الشخص المريض النفسى لا يكاد يعرف المرح.

إن هذا الكتاب رحلة طويلة عن أدباء أُعجبنا بهم وتعلمنا منهم ولولاهم ما اكتملت ثقافتنا. لكن الدراسة العلمية تُظهرهم لنا فى سياقٍ مختلف جدًا. فهو يدرس إيدجارألمبو، وشيكسبير، وديستويفيسكي، وستيرين بيرج، وكافكا، وبلزاك. وهم من الأسماء التى توقفنا أمامها طويلًا فى شبابنا المُبكِّر ومازلنا نقرأها حتى الآن، ولكن يبدو أن العلاقة بين الإبداع الأدبى والمرض النفسى قائمة وموجودة.

إن قراءة الكتاب مسألة مهمة حتى لمَن لا يعانون من المرض.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة