لم يعد الفنان الكبير محمد رياض مجرد نجم استطاع أن يحجز مكانه بين أبرز أبناء جيله، بل أصبح أيضًا واحدًا من أبرز الوجوه التى تعنى بالمسرح المصرى، بعدما نجح خلال السنوات الأربع الماضية فى تقديم رؤية مختلفة للمهرجان القومى للمسرح المصرى، تقوم على التواجد فى المحافظات، واكتشاف ودعم المواهب الجديدة، وترسيخ فكرة أن المسرح حق لكل مواطن، ورغم المسئولية الإدارية الكبيرة التى يتحملها كرئيس للمهرجان، لايزال الفنان بداخله حاضرًا بقوة، يشتاق إلى الوقوف على خشبة المسرح، ويعترف بصراحة بأنه يشعر بـ«غيرة جميلة» كلما شاهد زملاءه يقدمون عروضهم، بينما ينشغل هو بإدارة تظاهرة مسرحية مميزة فى مصر والوطن العربى.
فى هذا الحوار الخاص لمجلة «الكواكب»، يتحدث الفنان محمد رياض عن كواليس الدورة الـ19 للمهرجان القومى للمسرح المصرى، كما يفتح قلبه للحديث عن فلسفته فى الحياة، مؤكدًا أن رضا الله سبحانه وتعالى هو الغاية التي يسعى إليها قبل أى نجاح.
فى البداية.. كيف تصف شعورك وأنت تتولى رئاسة المهرجان القومى للمسرح للعام الرابع على التوالى؟
بلا شك، هى مسئولية كبيرة وشرف أعتز به كثيرًا، وأدعو الله دائمًا أن أكون قد أديت هذه الأمانة على أكمل وجه، منذ اليوم الأول لتولى هذه المهمة، حرصت مع فريق العمل على أن نقدم أفضل ما يمكن للمهرجان القومى للمسرح، لأنه واحد من أكبر وأهم المهرجانات المسرحية فى الوطن العربى، ويحتاج إلى جهد كبير وتخطيط دقيق حتى يخرج بالصورة التى تليق بقيمته وتاريخه.
وما أبرز ملامح الدورة التاسعة عشرة للمهرجان؟
نواصل هذا العام استكمال المشروع الذى بدأناه فى الدورات السابقة وهو الوصول بالمسرح إلى المحافظات، ففى العام الماضي خرجت فعاليات المهرجان إلى بعض محافظات الصعيد ومدينة طنطا وكذلك الإسكندرية وبورسعيد، أما هذا العام فهناك مدينة المنصورة قبل الانطلاق فى القاهرة، لأننا نؤمن بأن من حق كل أبناء المحافظات أن يعيشوا أجواء المهرجان ويستفيدوا من فعالياته الثقافية والفنية.
من المشروعات التى لاقت اهتمامًا كبيرًا مسابقة التأليف المسرحى.. ماذا حققت حتى الآن؟
بالفعل أعتبرها من أهم الإنجازات التى تحققت خلال فترة رئاستى للمهرجان، منذ إطلاق المسابقة قبل ثلاث سنوات، نجحنا فى اكتشاف مؤلفين جدد قدموا نصوص مسرحية متميزة، ولم نتوقف عند إعلان النتائج فقط، بل حرصنا على تقديم أصحابها للجمهور، وإشراكهم فى الندوات والفاعليات الثقافية المختلفة حتى يحصلوا على فرصتهم الحقيقية داخل الوسط المسرحى.
وكيف استفدتم من هذه النصوص الفائزة خلال الدورة الجديدة؟
هذا العام انتقلنا إلى مرحلة جديدة، حيث قدمنا عرضًا مسرحيًا كاملاً للنص الفائز بالمركز الأول، وهو «فتاة المترو» للكاتب هانى قدرى، والجميل فى التجربة أن جميع عناصر العمل من تمثيل وإخراج وسينوغرافيا وغيرها شارك فيها أبناء الورش التدريبية المسرحية، تحت إشراف المخرج محسن رزق، وكانت أولى ليالى العرض على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، وحقق العمل نجاحًا طيبًا.
وماذا عن مشروع القراءة المسرحية الذى أصبح من أبرز مشروعات المهرجان؟
هذه التجربة أعتز بها كثيرًا، لأنها تؤكد أن المسرح لا يحتاج دائمًا إلى إمكانات ضخمة حتى يصل إلى الجمهور، فكرة القراءة المسرحية تعتمد على تقديم النص بأبسط الوسائل، دون ديكورات أو تجهيزات مكلفة، وإنما بالاعتماد على أداء الممثلين ورؤية المخرج، مع إضاءة بسيطة وبعض الموسيقى، وهى تجربة سبق أن قدمها المسرحى الإنجليزى الكبير لورانس أوليفييه، وكانت تحظى بإقبال جماهيرى كبير.
وكيف كانت التجربة على أرض الواقع داخل المهرجان؟
قدمنا عرض «النص الثانى من الطريق»، وكانت النتيجة أكثر من رائعة، العرض حقق نجاحًا فاق كل توقعاتنا، والجمهور تفاعل معه بشكل كبير، وهو ما أكد لنا أن الفكرة تستحق الاستمرار، وأوجه الشكر للكاتب والمخرج أيمن عبد الرحمن، الذى أشرف على الأمر وبذل جهدًا كبيرًا حتى خرج بهذا المستوى المتميز، كما أثبت جميع المشاركين أن الإبداع الحقيقى لا يرتبط بحجم الإمكانات.
ولماذا تراهنون على هذا النوع من العروض؟
لأن هدفنا هو نشر الثقافة المسرحية فى كل مكان، لأن عروض القراءة المسرحية يمكن تقديمها داخل المدارس، والجامعات، والأندية، والمكتبات العامة، والشركات، وفى أى مكان، لأنها لا تحتاج إلى مسارح مجهزة أو ميزانيات كبيرة، وهذا يساعدنا على الوصول إلى جمهور جديد، ويجعل المسرح حاضرًا فى حياة الناس بصورة أكبر، وهو ما يتوافق مع رؤيتنا وشعارنا الدائم «المسرح فى كل مصر».
طوال فترة التحضير للمهرجان، ألا يشعر الفنان محمد رياض بداخلك بأنه يدفع ثمن انشغالك بالإدارة؟
هذا سؤال مهم جدًا، لأن الكثير لا ينتبه إلى هذه النقطة، الحقيقة أننى لا أشعر بأننى فى إجازة عن التمثيل، بقدر ما أشعر بشيء آخر يمكن أن أصفه بـ«الغيرة الفنية».
غيرة من ماذا؟
عندما أجلس بين الجمهور وأشاهد عرضًا مسرحيًا مميزًا، وهو ما يتكرر كثيرًا خلال أيام المهرجان، أتحول تلقائيًا إلى متفرج عاشق للمسرح، وليس إلى رئيس للمهرجان، حيث أتابع أداء الممثلين وأعيش معهم تفاصيل العرض، فأشعر أن الفنان الذى بداخلى يتمنى أن يكون واقفًا على خشبة المسرح يقدم عملاً جديدًا، مثل زملائه.
هل تشعر وقتها أن رئاسة المهرجان أبعدتك عن التمثيل؟
أحيانًا بالفعل أشعر بذلك، وأقول لنفسى إن رئاسة المهرجان أخذتنى مؤقتًا من التمثيل، لكن فى المقابل أشعر بسعادة كبيرة وأنا أرى هذا المستوى المتميز من العروض، لأن نجاح أى عرض مسرحى هو نجاح للمسرح المصرى كله، وهو الهدف الذى نعمل من أجله جميعًا.
وماذا تقول للجمهور الذى لم يعتد على متابعة عروض المهرجان؟
أدعو كل الجمهور المصرى إلى الحرص على مشاهدة عروض المهرجان، لأنها فرصة لا تتكرر كثيرًا لمتابعة حصاد عام كامل من الإنتاج المسرحى، ومن جميع محافظات الجمهورية، وحتى بالنسبة لى، بعد انتهاء حفل الافتتاح، أحرص على مشاهدة أكبر عدد ممكن من العروض، ليس كرئيس للمهرجان، وإنما كمحب وعاشق للمسرح.
ترفعون شعار «المسرح فى كل مصر».. لماذا تراهنون على المسرح باعتباره قوة ثقافية؟
لأن المسرح واحد من أهم المفاتيح الثقافية فى مصر، فهو ليس مجرد وسيلة للترفيه، وإنما وسيلة لبناء الوعى ونشر الثقافة، ويتميز بأنه يستطيع الوصول إلى الناس فى أى مكان؛ داخل المدارس، والجامعات، والأندية، وقصور الثقافة، والمكتبات العامة.
وما الذى يميز المسرح عن باقى الفنون من وجهة نظرك؟
خصوصية المسرح تكمن فى أنه فن حى، يعتمد على اللقاء المباشر بين الممثل والجمهور، وهذه العلاقة الإنسانية لا يمكن لأى وسيلة أخرى أن تعوضها، ولذلك يظل المسرح له سحره وتأثيره الخاص، مهما تطورت وسائل المشاهدة.
هذا العام تنطلق فعاليات المهرجان من المنصورة قبل القاهرة.. فماذا عن الفاعليات لجمهور الدقهلية؟
بذلنا جهدًا كبيرًا حتى تخرج فعاليات المنصورة بالشكل الذى يليق بالمهرجان القومى للمسرح، ولم نرغب فى أن تقتصر الفعاليات على مكان واحد، لذلك ستقام الأنشطة فى أكثر من مكان حتي تكون أكثر قرباً من الجميع.
وما الرسالة التى أردتم توصيلها من خلال هذا الانتشار؟
أردنا أن يشعر أهل المنصورة بأن المدينة كلها تحتفل بالمسرح، وأن المهرجان أصبح جزءًا من حياتهم اليومية طوال فترة انعقاده، وليس مجرد فعالية تقام داخل مسرح ثم تنتهى.
لو كان الفنان الكبير محمود ياسين بيننا اليوم.. كيف تتوقع أن يكون موقفه من توليك رئاسة المهرجان؟
أنا واثق أنه كان سيفرح بى كثيرًا، وكان سيشعر بسعادة كبيرة بما تحقق للمهرجان خلال السنوات الماضية، لأنه كان عاشقًا للمسرح بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان دائمًا يقول: «أنا خريج المسرح»، رغم أنه كان أحد أكبر نجوم السينما العربية.
وما الذى كان يميز علاقة محمود ياسين بالمسرح؟
كان يعتبر المسرح المدرسة الحقيقية للفنان، وظل مرتبطًا به حتى آخر أيامه، وقبل رحيله كان يستعد لتقديم مسرحية «الناس إللى فى التالت» للكاتب الكبير نعمان عاشور، وأجرى بالفعل عدة بروفات، لكن القدر لم يمهله لاستكمال المشروع، وكان يرى أن نعمان عاشور يمثل الامتداد العربى للكاتب الروسى العالمى أنطون تشيخوف، وكان شديد الإعجاب بإبداعه المسرحى.
وكيف تقيّم تجربته عندما تولى إدارة المسرح القومى؟
كانت من الفترات المضيئة فى تاريخ المسرح القومى، بشهادة كل من عاصرها، ففى سنوات قليلة شهد المسرح حالة إنتاجية وفنية كبيرة، وخرجت أعمال خالدة، ولذلك أؤكد أنه كان سيكون سعيدًا بكل ما يشهده المهرجان الآن، لأنه كان يؤمن بقيمة المسرح ورسالة الفن.
بعد هذا المشوار الطويل.. هل تشعر بالرضا عن نفسك إنسانيًا وفنيًا؟
الأهم بالنسبة لى ليس رضاى عن نفسى، وإنما رضا الله سبحانه وتعالى عنى.. أدعو الله دائمًا أن أكون ممن رضى عنهم، وأن يتقبل ما أقدمه، لأن هذا هو النجاح الحقيقى الذى أبحث عنه.
وما الفلسفة التى تحكم حياتك اليوم؟
أحاول دائمًا أن أعمل بضمير، وأن أبذل أقصى ما أستطيع دون أن أبخل بأى جهد، سواء فى عملى كممثل أو كرئيس للمهرجان، وفى النهاية الإنسان يجتهد ويؤدى ما عليه، أما التوفيق فمن عند الله وحده، ودعائى الدائم هو: «اللهم اجعلنا من الذين رضيت عنهم، ومن المقبولين عندك»، فهذه هى الأمنية التى أتمسك بها قبل أى نجاح أو منصب أو تكريم.