رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الدكتور محمد الضويني: الإمام الماتريدي من أبرز من قدموا قراءةً عميقةً للنصوص الشرعية

9-7-2026 | 10:36

جانل من اللقاء

طباعة

أكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ورئيس اللجنة التنفيذية للتعاون بين الأزهر وأوزبكستان الدكتور محمد الضويني أن الإمام أبو منصور الماتريدي كان من أبرز من قدموا قراءةً عميقةً للنصوص الشرعية، أظهرت مكانة العقل، والأخلاق، ووحدة الأمة في بناء الحضارة الإسلامية، فقد نظر إلى الوحي باعتباره موجِّهًا لحركة الإنسان في الحياة، وإلى العقل بوصفه أداة لفهم النصوص واستنباط مقاصدها، مما جعل مشروعه الفكري واحدًا من أهم النماذج التي أسهمت في ترسيخ الأسس الفكرية للحضارة الإسلامية.

جاء ذلك في كلمة ألقاها الضويني، اليوم /الخميس/، في سمرقند خلال افتتاح المؤتمر الدولي "الإمام الماتريدي : أساس الوسطية والتسامح والعلم والمعرفة"، الذي يعقد في إطار المنتدى الإسلامي الدولي الأول.

واستهل الضويني كلمته بالتعبير عن خالص الشكر والامتنان إلى جمهورية أوزبكستان، قيادةً وحكومةً وشعبًا، على الدعوة الكريمة وحفاوة الاستقبال، وكذلك إلى اللجنة الدينية برئاسة الجمهورية، وإلى مركز الإمام الماتريدي، على تنظيم هذا المؤتمر العلمي الذي يعكس المكانة الحضارية لأوزبكستان وحرصها على إحياء تراث أعلام الأمة.

وأشاد الضويني بحسن اختيار عنوان هذا المؤتمر: (تراث الإمام الماتريدي: المرجع في الاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية)؛ مشيرا إلى أنه يستحضر صفحةً مشرقةً من صفحات الفكر الإسلامي، ويجمع بين أصالة التراث وضرورات الحاضر؛ فالإمام الماتريدي كان أحد المؤسسين للرؤية الحضارية الإسلامية، وإن استحضار هذا التراث اليوم ليس استدعاءً لصفحات من التاريخ، وإنما هو استثمارٌ لمرجعية علمية راسخة قادرة على الإسهام في معالجة كثير من التحديات الفكرية والحضارية التي تواجه عالمنا المعاصر.

وأضاف أن الإمام الماتريدي أقر في إطار مشروعه الحضاري أن الله تعالى جعل العقل نعمة عظيمة ودليلًا يهتدي به الإنسان إلى معرفة المحاسن والمساوئ، ويميز به بين المحمود والمذموم، والمرغوب فيه والمنهي عنه ومن ثم، فإن العقل في تصوره ليس مجرد أداة للمعرفة، بل وسيلة لفهم مقاصد الشريعة، وبناء حضارة إنسانية متوازنة، تتكامل فيها الهداية الإلهية مع الاجتهاد العقلي، بما يحقق عمارة الأرض وصلاح الإنسان.

وتابع قائلا أنه ينظر الإمام الماتريدي ينظر إلى الأخلاق بوصفها ركيزةً أساسيةً من ركائز البناء الحضاري، وأصلًا من أصول صلاح الفرد واستقامة المجتمع، ويؤكد أن أخلاق النبوة تمثل منهجًا حضاريًا متكاملًا ويتجلى ذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ إذ يقرر أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على امتثال أوامره، وإنما يشمل التأسي بشخصيته وأخلاقه الكريمة التي عُرف بها، وعليه فإن هذه القيم ليست مجرد فضائل فردية، بل هي مقومات أصيلة لإعداد الإنسان، وأساسٌ لقيام المجتمع على الاستقامة.

وأوضح أن الإمام الماتريدي يربط بين السلوك الأخلاقي والمسؤولية الأخروية ربطًا وثيقًا؛ فالأخلاق في تصوره ليست سلوكًا اجتماعيًا مجردًا، وإنما عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى، ويُسأل عنها يوم القيامة.

ومن ثم فإن الالتزام بالقيم الأخلاقية لا يقتصر أثره على تهذيب الفرد، بل يمتد إلى ترسيخ الأمن المجتمعي، وتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع، وإقامة الدولة على أسس من العدل والرحمة، ليغدو البناء الحضاري في الرؤية الماتريدية ثمرةً مباشرةً لبناء الإنسان إيمانيًا وأخلاقيًا.

وقال: "إذا تأملنا الرؤية الحضارية للإمام أبي منصور الماتريدي، نجد أنها قامت على جملة من المرتكزات الفكرية التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية، وجعلت من تراثه مرجعًا أصيلًا في الاعتدال والعقلانية. وفي مقدمة هذه المرتكزات مكانة العقل؛ إذ لم ينظر إليه باعتباره خصمًا للنقل، وإنما جعله أداةً لفهم الوحي، واستنباط مقاصده، وتنزيل أحكامه على واقع الناس. ولذلك قرر أن: "أصل ما يُعرَف به الدين وجهان: أحدهما السمع، والآخر العقل، مؤسسًا بذلك منهجًا علميًا يقوم على التكامل بين هداية الوحي وصحيح العقل، وهو المنهج الذي أسهم في ترسيخ الاستقرار الفكري، وإثراء الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية".

وأوضح أن منهج الامام الماتريدي يتسم بالاعتدال والتوازن حيث ابتعد عن مسالك الإفراط والتفريط، وحرص على الجمع بين المحافظة على أصول الشريعة، والانفتاح على الاجتهاد الرشيد في القضايا التي تحتمل النظر ولم يكن الاعتدال عند الإمام الماتريدي مجرد موقفٍ بين اتجاهين، وإنما كان منهجًا علميًا يقوم على الإنصاف، واحترام التنوع والاختلاف.

وأضاف أنه من السمات البارزة في فكره مرونته المنضبطة وواقعيته؛ إذ راعى اختلاف الأحوال والوقائع، وربط الأحكام بمقاصدها الشرعية، وجعل الاجتهاد وسيلةً لاستيعاب المتغيرات دون الإخلال بالثوابت. فلم تكن رؤيته مجرد تصوراتٍ نظريةٍ.وإنما انطلقت من فهمٍ دقيق لواقع الإنسان والمجتمع، بما يحقق مصالح الناس، ويحفظ مقاصد الشريعة، ويجعل الدين قوةً دافعةً للعمران، لا عائقًا أمامه.

و أفاد بأن الإمام الماتريدي أدرك أن الاختلاف في المسائل العلمية الدقيقة لا يُنافي وحدة الأمة؛ فقد شهد علم الكلام عند أهل السُّنة تنوعًا في بعض فروع الاعتقاد، كما عرف الفقه الإسلامي اختلافًا في الفروع العملية. ولم يكن هذا التنوع مدعاةً للتنازع، بل كان مظهرًا من مظاهر الثراء الفكري والمرونة التشريعية التي أسهمت في ازدهار الحضارة الإسلامية، وأكدت قدرتها على استيعاب تعدد الاجتهادات في إطار وحدة الأصول والثوابت.

وأوضح أنه إذا كان ثمة خلاف فإن الإمام الماتريدي في مشروعه الحضاري يتحدث بعناية بالغة حول فقه الحجاج والمناظرة، وذلك بتأسيسه لمنهج علمي في الحوار بين المخالفين، يقوم على الجمع بين الدليل النقلي والبرهان العقلي، وجعل إقامة الحجة وإظهار الحق غايةً للمناظرة، لا مجرد الانتصار للنفس أو التغلب على الخصوم ولذلك جاءت مناقشاته للمخالفين منضبطة بقواعد العلم، قائمة على العدل والإنصاف، مع مراعاة أصول الاستدلال، مع فهمٍ عميقٍ لمقالات الخصوم واستيعابٍ دقيقٍ لها .

وأكد أنه لا تزال هذه المنهجية الماتريدية تحتفظ بقيمتها في واقعنا المعاصر؛ إذ تؤكد أن الحوار لا ينبغي أن يكون مجالًا للإثارة أو الاستقطاب، وإنما وسيلة لبناء الوعي وتصحيح المفاهيم وتعزيز التماسك المجتمعي.

وشدد على الحاجة إلى أن تتولى المؤسسات العلمية والدينية مسؤولية إدارة الخطاب الحواري، بما يضمن سلامة الطرح، ورصانة الحجة، والإسهام في تحقيق الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي، وهي الغايات التي سعى الإمام الماتريدي إلى ترسيخها في مشروعه العلمي ومن هنا، فإن الرؤية الحضارية التي أرساها لا تزال حاضرة في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة؛ لأنها تقدم نموذجًا حضاريًا متوازنًا يجمع بين الثبات على الأصول والقدرة على استيعاب متغيرات الواقع، ويؤكد أن بناء الحضارة لا يتحقق إلا بالجمع بين الدين والعقل، وبين العلم والأخلاق، وبين الأصالة والتجديد، وتقديم رؤية علمية رصينة في إدارة الخلاف.

وأكد على قيمة التراث الماتريدي بوصفه أحد أهم المشروعات الحضارية التي ترسخ ثقافة الحوار، وتعزز التماسك المجتمعي، وتبني نهضة تقوم على العلم والأخلاق، وهي المبادئ التي شكَّلت عبر التاريخ أسس ازدهار الحضارة الإسلامية واستمرارها.

وأضاف أنه إذا كان الإمام أبو منصور الماتريدي قد وضع، منذ أكثر من ألف عام، أسسًا فكريةً راسخةً للتوازن بين العقل والوحي، وربطه بين العقيدة والأخلاق والعمران، فإن هذه الرؤية الحضارية هي الرؤية التي يجسدها الأزهر الشريف من خلال ترسيخه للفكر الوسطي المعتدل، والعمل على بناء الإنسان، ونشر قيم التعايش، انطلاقًا من إيمانه بأن نهضة الأمم لا تقوم إلا على العلم، والعدل، والأخلاق، ووحدة المجتمع، وترسيخ السلام، وهي المبادئ ذاتها التي شكَّلت جوهر المشروع الحضاري للإمام الماتريدي.

وأكد أن هذا المنهج المتوازن الذي أصَّله الإمام الماتريدي يمثل اليوم ضرورةً حضاريةً وفكريةً في مواجهة الغلو والتطرف من جهة، والانفلات الفكري والإلحاد من جهة أخرى، بما يقدمه من نموذجٍ راسخٍ يجمع بين الثبات على الأصول، والانفتاح على الحوار، واحترام العقل، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح.

كما أكد على الأهمية التي يوليها الأزهر الشريف بتراث الإمام الماتريدي ومدرسته العلمية، إدراكًا لمكانتها في تاريخ الفكر الإسلامي، وإسهامها في حماية عقيدة أهل السنة والجماعة. فقد ظل الأزهر، عبر تاريخه الممتد، يحتفي بمصنفات الإمام الماتريدي، ويُدرِّسها ويعتني بتحقيقها ودراستها، ويُبرز قيمها العلمية في مناهجه وبرامجه البحثية، إيمانًا بأن هذا التراث يمثل ركيزةً أصيلةً في بناء الشخصية الإسلامية الوسطية، وترسيخ ثقافة الحوار، ومواجهة الأفكار المنحرفة.

وقال إن إحياء هذا التراث اليوم لا يعني استدعاء قضايا الماضي، وإنما استلهام منهجه في معالجة التحديات الفكرية المعاصرة، وتقديم العلم الصحيح القائم على الحكمة والبرهان مؤكدا ان النهضة الحضارية التي ننشدها لا يمكن أن تقوم إلا بعلم نافع، وعقل راشد، وأخلاق رفيعة، ووَحدة تجمع ولا تفرق، وهي المبادئ التي شكَّلت جوهر المشروع العلمي للإمام أبي منصور الماتريدي، ولا تزال قادرة على الإسهام في بناء حاضر الأمة ومستقبلها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة