ومع اقتراب انتهاء برنامج التعاون الحالى مع صندوق النقد الدولى فى نوفمبر 2026، تبدو مصر على أعتاب مرحلة جديدة يكون فيها الإصلاح الاقتصادى نابعا من أولويات الدولة واحتياجات الاقتصاد الوطنى وليس فقط استجابة لمتطلبات المؤسسات الدولية، ويعكس ذلك ترسيخ مفهوم «الملكية الوطنية» للإصلاح الاقتصادى، وهو أحد أهم عوامل نجاح السياسات الاقتصادية فى التجارب الدولية، لما يضمنه من استمرارية للإصلاحات، واستقلالية فى رسم السياسات. وتمثل كلمة الرئيس السيسى نقطة تحول فى الخطاب الاقتصادى المصرى؛ إذ لم تقتصر على الإعلان عن توجيهات تنفيذية، وإنما رسمت ملامح مرحلة يمكن وصفها بأنها «مرحلة ما بعد برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي»، وهى مرحلة تستهدف الانتقال من إدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار الاقتصادى الكلى إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام.
وفى هذه المرحلة لن يكون معيار النجاح مقتصرًا على انخفاض معدلات التضخم أو استقرار سعر الصرف، وإنما سيمتد ليشمل تحسن مستوى معيشة المواطنين وزيادة الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، باعتبارها المؤشرات الحقيقية لنجاح أى برنامج اقتصادى، ويأتى هذا التحول بعد سنوات نجحت خلالها الدولة فى إرساء قواعد الدولة الحديثة وتعزيز الاستقرار السياسى والاقتصادى، وإنشاء بنية تحتية متطورة وتنفيذ إصلاحات مالية ونقدية وهيكلية عززت قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، الأمر الذى يجعل الانتقال إلى مرحلة يقودها الإنتاج والاستثمار والتصدير تطورًا طبيعيًا لمسار الإصلاح وليس تغييرًا فى اتجاهه.
وتفرض المرحلة المقبلة على الحكومة مسئولية ترجمة مؤشرات النمو الاقتصادى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن فى حياته اليومية، بحيث يُقاس نجاح البرنامج الاقتصادى الجديد بقدرته على رفع الدخول الحقيقية وتوفير فرص عمل منتجة، وتحسين جودة الخدمات العامة وزيادة القوة الشرائية للأسر المصرية، وليس فقط بتحقيق معدلات نمو مرتفعة أو السيطرة على التضخم.
ولعل من أبرز الرسائل التى حملتها توجيهات الرئيس السيسى التأكيد على الإسراع فى تنفيذ المرحلة التالية من وثيقة سياسة ملكية الدولة، بما يعكس قناعة بأن الاقتصاد الحديث يقوم على توزيع واضح للأدوار بين الدولة والقطاع الخاص؛ فالرئيس لم يتحدث فقط عن استمرار برنامج تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية، وإنما شدد على تسريع تنفيذ هذا البرنامج بما يسمح للقطاع الخاص بقيادة النشاط الاقتصادى والإنتاجى فى المجالات التى يمتلك فيها كفاءة أعلى، ويستند هذا التوجه إلى ما يتمتع به القطاع الخاص من مرونة فى اتخاذ القرار وقدرة أكبر على الابتكار وكفاءة تشغيلية أعلى، فضلًا عن قدرته على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، ورفع معدلات النمو الاقتصادي.
وفى المقابل، تتفرغ الدولة للقيام بأدوارها الأساسية، وفى مقدمتها التخطيط والتنظيم والرقابة، والاستثمار فى البنية الأساسية، وتوفير الخدمات العامة، وتنفيذ المشروعات الاستراتيجية التى يصعب على القطاع الخاص تحمل مخاطرها منفردًا، كما أن ربط برنامج التخارج بمبادئ الشفافية والمنافسة من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويزيد من تدفقات الاستثمار المحلى والأجنبى، ويخلق بيئة أعمال أكثر كفاءة وتنافسية.
كما تعكس هذه التوجيهات تحولا واضحا فى فلسفة إدارة الاقتصاد المصرى؛ فبعد سنوات ركزت خلالها الدولة على استعادة التوازنات الاقتصادية الكلية ومواجهة الأزمات، تتجه السياسات الاقتصادية اليوم نحو مرحلة يصبح فيها النمو الإنتاجى والاستثمار الخاص وتحسين مستوى معيشة المواطنين، المؤشرات الرئيسية لقياس النجاح. ولكى يحقق البرنامج الاقتصادى الوطنى أهدافه، ينبغى أن يرتكز على مجموعة من المحاور الرئيسية، تشمل: مضاعفة الإنتاج الصناعى، وزيادة الصادرات وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، وتعميق التصنيع المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات، ودعم الاقتصاد الرقمى وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار فى رأس المال البشرى والتعليم الفنى، مع رفع كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص فى النشاط الاقتصادى، وتحسين بيئة الاستثمار وتقليص زمن إصدار التراخيص، وتعزيز الاستدامة المالية والبيئية.
ولا تعنى هذه التوجهات انتهاء مسيرة الإصلاح الاقتصادى، وإنما تعنى انتقالها إلى مرحلة أكثر نضجًا لتصبح فيها مصر قادرة على صياغة برنامجها الاقتصادى وفق أولوياتها الوطنية ورؤيتها المستقبلية، مع الحفاظ على ثقة المؤسسات الدولية التى تنظر بإيجابية إلى الدول القادرة على الانتقال من الاعتماد على برامج المساندة الخارجية إلى بناء سياسات اقتصادية مستقلة ومستدامة، وإذا نجحت الحكومة فى تنفيذ البرنامج الاقتصادى الوطنى الجديد وفق رؤية واضحة مع استمرار الإصلاحات الهيكلية وتسريع تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة وتعزيز الشفافية والمنافسة، فإن المرحلة المقبلة قد تمثل نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة، وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، تنعكس آثارها بصورة مباشرة على المواطن المصرى.