رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفراعنة بين كبار العالم


25-6-2026 | 16:13

.

طباعة
بقلم: أيمن يونس

منذ سنوات طويلة، والكرة المصرية تبحث عن لحظة تستعيد فيها ثقتها بنفسها على المسرح العالمى. لحظة تجعل الجماهير تشعر أن منتخبها لا يذهب إلى كأس العالم من أجل المشاركة أو التقاط الصور التذكارية، بل من أجل المنافسة وفرض الشخصية وكتابة تاريخ جديد. ما أشاهده اليوم فى مونديال 2026 يجعلنى أؤمن بأننا أمام منتخب مختلف، ليس لأن مصر حصدت أربع نقاط من أول جولتين، وليس لأن المنتخب تعادل مع بلجيكا ثم فاز على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف، ولكن لأن هناك شيئًا أهم من النتائج بدأ يتشكل داخل هذا الفريق، وهو الإيمان بالقدرة على المنافسة أمام أى منتخب فى العالم.

 

عندما واجه منتخب مصر نظيره البلجيكى فى الجولة الأولى، كان كثيرون يتعاملون مع المباراة بمنطق الفوارق الكبيرة بين المنتخبين. منتخب أوروبى يضم لاعبين يلعبون فى أعلى المستويات العالمية أمام منتخب لا يزال يبحث عن استعادة بريقه فى كأس العالم. لكن ما حدث داخل الملعب كان مختلفًا تمامًا. رأينا منتخب مصر يلعب بثقة وشجاعة وشخصية، لا يخشى المنافس ولا يبالغ فى احترامه. رأينا فريقًا يمتلك الجرأة على المبادرة وصناعة الفرص والضغط واستعادة الكرة. لذلك أقول إن نقطة بلجيكا كانت أكبر بكثير من مجرد تعادل، كانت إعلانًا بأن المنتخب المصرى استعاد احترامه لنفسه أولًا قبل أن يفرض احترامه على الآخرين.

ثم جاءت مباراة نيوزيلندا لتؤكد أن ما حدث فى الجولة الأولى لم يكن صدفة أو نتيجة عابرة. المنتخب تأخر فى النتيجة، وهنا تظهر دائمًا حقيقة الفرق الكبيرة. الكثير من المنتخبات تنهار نفسيًا عندما تتلقى هدفًا فى مباراة مصيرية، لكن ما أعجبنى أن اللاعبين لم يتأثروا ولم يفقدوا اتزانهم. استمروا فى اللعب بنفس الثقة ونفس الإيمان. لم نشاهد ارتباكًا أو عشوائية، بل شاهدنا فريقًا يعرف ماذا يريد وكيف يصل إليه. وعندما جاء هدف التعادل شعرت أن المباراة أصبحت مصرية خالصة، ليس فقط بسبب النتيجة، ولكن بسبب الحالة الذهنية التى كان يعيشها اللاعبون داخل الملعب.

ما يميز هذا المنتخب أنه لا يعتمد على لاعب واحد مهما كانت قيمته. نعم محمد صلاح يظلّ القائد والرمز والنجم الأكبر، لكن المنتخب لم يعد أسيرًا لفكرة انتظار لمسة من صلاح لحسم المباريات. أمام نيوزيلندا رأينا مصطفى زيكو يسجل، ورأينا تريزيجيه يحسم، ورأينا مجموعة كاملة تعمل بروح واحدة. وهذه علامة صحية جدًا لأى فريق يريد تحقيق إنجاز حقيقى فى بطولة كبرى. الفرق التى تبنى أحلامها على لاعب واحد تسقط بمجرد غيابه أو تراجع مستواه، أما الفرق التى تمتلك منظومة متكاملة فإنها تستمر فى المنافسة مهما كانت الظروف.

وأعتقد أن الفضل فى ذلك يعود إلى حالة الانسجام التى نجح الجهاز الفنى بقيادة حسام حسن فى خلقها داخل المنتخب. لقد نجح حسام فى نقل جزء من شخصيته إلى اللاعبين. الجميع يعرف أن حسام حسن طوال تاريخه لم يكن يعرف معنى الاستسلام أو الخوف أو التراجع. واليوم أرى هذه الصفات نفسها داخل المنتخب. هناك إصرار على القتال حتى النهاية، وهناك رغبة دائمة فى التطور، وهناك شعور لدى اللاعبين بأنهم قادرون على تحقيق شيء مهم لهذا البلد.

لكن فى الوقت نفسه يجب أن نكون واقعيين. ما تحقق حتى الآن رائع، لكنه لا يساوى شيئًا إذا لم يكتمل. كرة القدم لا تمنح الجوائز على البدايات الجيدة، بل على النهايات الناجحة. ولذلك، فإن مواجهة إيران المقبلة ستكون واحدة من أهم مباريات المنتخب فى السنوات الأخيرة. البعض قد ينظر إلى إيران باعتبارها أقل شهرة من بلجيكا، لكننى أرى أنها مباراة أكثر تعقيدًا من الناحية التكتيكية والنفسية. المنتخب الإيرانى يمتلك خبرات كبيرة فى كأس العالم، ويجيد اللعب تحت الضغط، ويعرف كيف يغلق المساحات ويجبر منافسه على ارتكاب الأخطاء. لذلك، فإن المباراة تحتاج إلى أعلى درجات التركيز والانضباط.

وأعتقد أن مفتاح النجاح أمام إيران سيكون فى الحفاظ على التوازن. لا يجب أن يندفع المنتخب بدافع الحماس أو الثقة الزائدة، كما لا يجب أن يلعب بخوف أو حذر مبالغ فيه. المنتخب المصرى يمتلك جودة فنية أعلى فى بعض المراكز، ويمتلك لاعبين قادرين على صناعة الفارق فى أى لحظة، لكن هذه الأفضلية تحتاج إلى إدارة ذكية داخل الملعب. إذا لعب المنتخب بنفس الروح التى ظهر بها أمام بلجيكا ونفس الثقة التى لعب بها أمام نيوزيلندا، فأنا أرى أن فرصه كبيرة للغاية فى تحقيق نتيجة إيجابية، وربما التأهل بجدارة إلى الدور التالى.

الأهم بالنسبة لى أن هذا الجيل بدأ يعيد للجماهير المصرية شيئًا افتقدته منذ سنوات، وهو الأمل. الجماهير لم تعد تشاهد المنتخب من باب الواجب أو الانتماء فقط، بل أصبحت تشاهده وهى تؤمن بأن هناك شيئًا كبيرًا يمكن أن يتحقق. وهذا فى حد ذاته مكسب لا يقل أهمية عن أى نتيجة.

ما يحدث فى مونديال 2026 ليس مجرد مشاركة ناجحة حتى الآن، بل بداية لاستعادة مكانة الكرة المصرية على المستوى العالمى. نحن لا نتحدث عن فريق حقق نتيجة مفاجئة ثم اختفى، بل عن منتخب يمتلك شخصية وهوية وطموحًا واضحًا. وإذا استمر هذا التطور بنفس الوتيرة؛ فقد نتحدث بعد سنوات عن هذه البطولة، باعتبارها نقطة التحول التى أعادت مصر إلى المكان الذى تستحقه بين كبار كرة القدم فى العالم.

لهذا أقول إن الفرحة مشروعة، والتفاؤل مشروع، والحلم مشروع أيضًا. لكن الأهم أن يدرك الجميع، لاعبين وجهازًا فنيًا وجماهير، أن التاريخ لا يُكتب بعد مباراتين فقط، بل يُكتب عندما تستمر فى النجاح حتى النهاية. وحتى الآن، كل المؤشرات تقول إن منتخب مصر يسير فى الطريق الصحيح.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة