رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

هكذا استعادت الشرطة ثقة المواطن


25-6-2026 | 16:05

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

منذ نشأة الدولة الحديثة فى مصر، وهى تعلى من قيمة الأمن والأمان، وأوكلت تلك المهمة إلى وزارة مختصة، هى وزارة الداخلية، التى ظلت تطور من أداء العاملين بها، سواء فى كليات البوليس، التى تطورت إلى كليات الشرطة، حتى الوصول إلى أكاديمية الشرطة.

 

وظلت علاقة الشعب المصرى بالأجهزة الأمنية علاقة احترام ومهابة، فالمواطن المصري، شأنه شأن أى مواطن فى العالم، يريد شرطة قوية تحميه من الجريمة وتحفظ استقرار المجتمع، لكنه، فى الوقت ذاته، يتطلع إلى أن تكون هذه القوة منضبطة بالقانون وتحترم كرامته وحقوقه، وظلت الأمور متأرجحة ما بين الحاجة إلى الأمن والخوف من السلطة، حتى اختلت قليلًا مع عودة الإخوان إلى الحياة العامة فى منتصف السبعينيات، فقد استهدفوا إفساد علاقة الأجهزة الأمنية بالشارع عبر تداول أخبار مغلوطة وقصص مكذوبة عن التعذيب، مع تحميل تلك الحكايات لرجال الداخلية، فكان ذلك خصمًا من رصيد الثقة فيهم.

ومع مرور الوقت، أصبحت تلك الحكايات حقيقية، وتبدلت المهابة بالخوف، والاحترام بفقدان الثقة، والمحبة بالكراهية، وظلت كرة الثلج تتدحرج وتكبر، ومن الأهمية بمكان أن نقر بأن ثمة أخطاء ارتكبها بعض العاملين بالداخلية وأجهزة الشرطة، لكنها لم تكن لتولد كل هذه الكراهية وعدم الثقة إلا بفعل فاعل كان يعبث فى صمام أمان الشعب المصري، وقد تم الترويج لهذه الأخطاء وكأنها خطايا، وتم تضخيمها فى حكاياتهم وسط الناس، حتى أقنعوا البسطاء أن أساس عمل الأمن هو إرهاب المجتمع، وخلال عقود طويلة، تراكمت لدى قطاعات من المصريين مشاعر سلبية تجاه المؤسسة الأمنية نتيجة تجارب مباشرة أو غير مباشرة ارتبطت بسوء المعاملة أو التعسف أو الشعور بعدم المساواة فى تطبيق القانون، ومع مرور الوقت، لم تعد هذه المشاعر مجرد مواقف فردية، بل تحولت إلى جزء من الوعى الجمعى والثقافة الشعبية، تغذيها القصص المتناقلة، والأعمال الدرامية، والصحافة، والنكات اليومية، وللأسف، لم يحاول رجال الداخلية وقتها استعادة حب وثقة رجل الشارع، تلك المحبة الموثقة فى أهازيج البسطاء عندما كانوا يتغنون بـ«يا بوليس يا شاويش»، وقت أن كانت الدوريات تبث الطمأنينة لدى الناس.

استمر الوضع الذى صنعته الجماعة الإرهابية، وساعدهم تراخى المنتبهين لخطورة إفساد علاقة الشارع برجال الأمن، حتى وقع انفجار الشارع فى أحداث 25 يناير، فقد شهدت تلك الفترة تصاعدًا فى الانتقادات الموجهة إلى أداء الأجهزة الأمنية، مما أحدث شرخًا عميقًا فى صورة الشرطة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، وبعد ذلك دخلت البلاد فى مرحلة من الاضطراب والانفلات الأمنى دفعت كثيرًا من المصريين إلى إعادة تقييم أهمية وجود جهاز أمنى قوى قادر على حفظ النظام والاستقرار.

البداية: السرعة والشفافية

لم يكابر رجال الداخلية، وأدركوا أن ثمة تغيرًا وقع فى المجتمع، وأن عليهم استعادة ثقة الشارع المصري، ولم تكن المهمة سهلة أو ميسورة، فقد كانت تحتاج إلى ثورة إدارية وفكرية، وتحتاج إلى تدخل سريع، وقسط من الشفافية أعلى بكثير مما تقدمه الأجهزة، بل كان عليهم التخلق بخلق ضبط النفس وسعة الصدر تجاه محاولات التشكيك فى مصداقيتهم، فالثقة لا تُشترى، بل هى مهر يُمنح عن طيب خاطر.

أدرك رجال الداخلية، بأجهزتهم الشرطية والأمنية، أن الثقة ليست لافتات حب تُكتب فى يوم عيد الشرطة، ولا تهنئات بالترقى فى مواسم الترقى وحركة الشرطة، وكان الهدف الأول للداخلية أن يقتنع رجل الشارع بأن الإجراءات الأمنية تمارس بصورة عادلة ومشروعة، وتستهدف تحقيق الأمن والأمان، فعندما يشعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، تتحول القوة إلى سلطة شرعية تحظى بالقبول والاحترام.

أدركوا أن الثقة تعود بتحقيق الأمن لرجل الشارع، وأن تصل إلى الناس جهود الداخلية، فخلال السنوات الماضية نشطت صفحة وزارة الداخلية فى كشف كل تجاوز أمنى مصور أو مبلغ عنه، دون انتظار لورود بلاغ رسمي، وهذه السرعة، وتلك الشفافية، لم تكونا فى حادثة أو اثنتين، بل فى مئات الحالات اليومية، وفى عموم محافظات الجمهورية، فعقب كل حادثة يتم نشرها، يعقبها بيان من الداخلية عن الموقف، ولو كان بسيطًا، مثل سائق التوكتوك الذى هدد أستاذ الجامعة، أو سائق السيارة الذى كان يقودها بتهور، أو ربة المنزل التى اعتدت على جارتها، أو الطفل الذى خطفه أبوه ودافع عنه طفل آخر، وغيرها من الحوادث التى لم يتم الإبلاغ عنها، ولكن تابعتها الأجهزة المعنية وكشفت مرتكبيها.

هذه السرعة هى التى جعلت عموم الناس تعمل «منشن»، أى إشارة، بلغة فيسبوك، فالمواطن الذى كان يخشى أن يبلغ عن واقعة حدثت له، أصبحت لديه ثقة وطمأنينة فى أن يبلغ صفحة الداخلية عن أى جريمة، وتحول نداء البسطاء من «يا شاويش يا بوليس» إلى «منشن للداخلية»، سواء كانت جريمة كبيرة أو صغيرة أو تافهة، وليس هذا فقط، بل أصبح ينتظر بيان الداخلية، ويثق فيما تعلنه، ويفرح بإلقاء القبض على الجانى واتخاذ الإجراءات القانونية، ولم يعد يخفى المواطن فرحته ولا ثقته، بل بكل بساطة يقول: «برافو رجال الداخلية»، وبكل أريحية يطالب رجال الأمن بملاحقة الجناة، ويطمئن أكثر إذا وجدهم فى قبضة الأمن، وقديمًا كانوا يستعطفون رجل الأمن أن يترك الجانى لأنه «غلبان»، ولأن فى ضمير الشارع جزءًا من إدانة الأمن، أما اليوم فقد استعاد رجل الأمن تلك المحبة والثقة المفقودة، مع احتفاظه بالهيبة اللازمة لرجل الأمن الموكل إليه إقرار الأمن ومطاردة الأشقياء.

المهمة التالية: تحقيق العدالة الإجرائية

إن الثقة فى الشرطة لا تقاس فقط بقدرتها على ضبط الأمن، بل أيضًا بطريقة تعاملها مع المواطنين، وهنا تبرز نظرية «العدالة الإجرائية»، فالناس يقيمون المؤسسات ليس فقط من خلال النتائج التى تحققها، وإنما من خلال أسلوب التعامل معهم، فالمواطن قد يتقبل قرارًا لا يصب فى مصلحته إذا شعر أنه عومل باحترام وإنصاف، بينما قد يرفض قرارًا صحيحًا قانونيًا إذا صاحبه تعالٍ أو إهانة، والداخلية، إلى حد كبير، قامت بإصلاح لا يمكن إنكاره فى تعديل سلوك رجالها تجاه المواطنين، ولكننا ننتظر المزيد من التطوير فى باقى أجهزة وزارة الداخلية.

ومن هذا المنطلق، فإن التحدى الحقيقى أمام أى جهاز شرطة لا يتمثل فقط فى مكافحة الجريمة، وإنما فى بناء علاقة ثقة مستدامة مع المجتمع، فالقوة تفرض النظام، لكن الاحترام يصنع الشرعية، والعدالة تخلق الولاء، والشفافية تعزز الثقة.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة