رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إيران من ولاية الفقيه إلى ولاية المؤسسة الأمنية


24-6-2026 | 15:40

.

طباعة
بقلم: د. طه علي أحمد
أعادت الحرب الأخيرة وما رافقها من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي تشكيل موازين القوة داخل الجمهورية الإسلامية بصورة غير مسبوقة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

فبينما انشغل كثيرٌ من المراقبين بالبعد العسكري للمواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كانت التحولات الأعمق تجري داخل بنية النظام السياسي الإيراني نفسه. إذ كشفت الحرب عن انتقال تدريجي للسلطة من المؤسسات السياسية والدينية التقليدية إلى نواة أمنية وعسكرية يقودها الحرس الثوري، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة النظام الإيراني في مرحلته المقبلة. فإذا كانت الجمهورية الإسلامية قد قامت على مبدأ الجمع بين الشرعية الثورية والمرجعية الدينية والمؤسسات الجمهورية المنتخبة، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى صعود نموذج جديد تتقدم فيه المؤسسة الأمنية على ما عداها من مراكز القوة .

ومن هنا تبرز أهمية دراسة الدور المتنامي للحرس الثوري ليس باعتباره مجرد مؤسسة عسكرية، بل بوصفه الفاعل الرئيسي في إعادة هندسة السلطة داخل إيران.

تاريخياً، شكلت الحروب والتهديدات الخارجية لحظات حاسمة في إعادة توزيع السلطة داخل الدول. وفي الحالة الإيرانية، أتاحت الحرب الأخيرة فرصة غير مسبوقة لتوسيع نفوذ الحرس الثوري داخل مؤسسات صنع القرار؛ ففي الأنظمة التي تواجه تهديدات وجودية، تميل السلطة إلى الانتقال نحو المؤسسات القادرة على إدارة الأزمات وتوفير الأمن. وهذا ما حدث في إيران، حيث تراجعت أهمية المؤسسات السياسية التقليدية لصالح القيادات العسكرية والأمنية التي باتت تتولى إدارة ملفات الحرب والدبلوماسية والأمن الداخلي في آن واحد. ولا يعني ذلك اختفاء المؤسسات المدنية أو الدينية، لكنها أصبحت تعمل ضمن إطار تحدده النخبة الأمنية الصاعدة. ومن ثم فإن الحرب لم تُحدث قطيعة مع النظام السابق بقدر ما سرّعت اتجاهاً قائماً منذ سنوات نحو عسكرة الدولة .

لقد اعتمد النظام الإيراني منذ الثورة على مركزية المرشد الأعلى بوصفه الحكم النهائي بين مختلف المؤسسات والتيارات السياسية. وقد نجح علي خامنئي طوال عقود في إدارة التوازنات بين الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والتيارات السياسية المختلفة. لكن وفاة خامنئي كشفت أن النظام لم يعد يمتلك شخصية قادرة على لعب الدور نفسه.

فمجتبى خامنئي، رغم وصوله إلى موقع القيادة، لا يملك المكانة الدينية ولا الكاريزما السياسية ولا الرصيد التاريخي الذي امتلكه والده. ونتيجة لذلك، انتقل مركز الثقل من القيادة الفردية إلى قيادة جماعية غير معلنة تتكون من كبار القادة الأمنيين والعسكريين، وهو التحول الذي يمثل أحد أخطر التغيرات التي شهدتها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، لأنه ينقل النظام من نموذج "ولاية الفقيه" التقليدي إلى نموذج يمكن وصفه بـ"ولاية المؤسسة الأمنية". وفي هذا السياق، لم يعد المرشد الأعلى المصدر الوحيد للسلطة، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تتحكم فيها شبكات النفوذ الأمنية المرتبطة بالحرس الثوري .

وكطبقة حاكمة جديدة في إيران، لم يعد الحرس الثوري مجرد مؤسسة عسكرية، فمنذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية توسّعت أدواره لتشمل الاقتصاد والسياسة والإعلام والأمن الداخلي.

وبمرور الوقت، تشكلت حوله شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والبيروقراطية، بحيث أصبح يمثل ما يشبه "الطبقة الحاكمة الجديدة" داخل إيران. وقد عزّزت العقوبات الدولية هذا الاتجاه، إذ استفادت الشركات والمؤسسات المرتبطة بالحرس من الاقتصاد المغلق ومن شبكات التهريب والالتفاف على العقوبات .

ومن ثم فإن صعود الحرس الثوري لا يعكس فقط تنامي النفوذ العسكري، بل يعبر أيضاً عن انتقال السلطة الاقتصادية والسياسية إلى مجموعة من النخب التي تستمد شرعيتها من قدرتها على إدارة الأزمات وحماية النظام.

بجانب ذلك، وبخلاف ما كان سائداً خلال العقدين الماضيين، لم يعد الانقسام الأساسي في إيران قائماً بين الإصلاحيين والمحافظين، فالحرب وما سبقها من تراجع المشاركة السياسية أضعفا التيار الإصلاحي بصورة كبيرة .

وبالتالي أصبح الصراع الحقيقي يدور داخل المعسكر المحافظ نفسه. فمن جهة يوجد المحافظون البراغماتيون الذين يمثلهم محمد باقر قاليباف، والذين يرون ضرورة استخدام الدبلوماسية إلى جانب القوة العسكرية للحفاظ على مصالح الدولة.

ومن جهة أخرى توجد القوى الراديكالية المرتبطة بجبهة بايداري "المتشددة"، التي تنظر إلى أي انفتاح سياسي أو تفاوض مع الغرب باعتباره تنازلاً غير مقبول. ويمثل هذا الصراع تنافساً بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل الجمهورية الإسلامية؛ الأولى تسعى إلى الحفاظ على النظام عبر قدر من البراغماتية السياسية، والثانية تدفع نحو مزيد من التشدد والأدلجة .

في ضوء ما سبق، يثور سؤال المستقل؛ هل تتجه إيران نحو نموذج الدولة العسكرية؟. فرغم أن وصف إيران بأنها «دولة عسكرية» قد يبدو مبالغاً فيه في الوقت الراهن، فإن المؤشرات الحالية تدل على تنامي دور المؤسسة الأمنية بصورة تجعلها الفاعل الأكثر تأثيراً في النظام؛ فالحرس الثوري بات يملك نفوذاً مباشراً في السياسة الخارجية والأمن القومي والاقتصاد، كما أصبح شريكاً أساسياً في عملية اختيار القيادات وصناعة القرار. ومع ذلك، فإن إيران لا تزال تختلف عن النماذج التقليدية للحكم العسكري، لأن المؤسسة الدينية ما زالت تحتفظ بدور رمزي ومؤسساتي مهم، ولأن شرعية النظام ما تزال مرتبطة بخطاب الثورة الإسلامية.

لهذا يمكن القول إن إيران تتجه نحو نموذج هجين يجمع بين الشرعية الدينية والهيمنة الأمنية، وهو نموذج يمنح الحرس الثوري دوراً مركزياً دون إلغاء البنية الأيديولوجية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية .

الغاية إذن، إن لتحولات الأخيرة تكشف أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية خارجية، بل مثّلت لحظة تأسيسية جديدة في تاريخ النظام الإيراني. فقد أدت إلى تسريع عملية انتقال السلطة نحو الحرس الثوري، وإلى إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية.

وفي ظل غياب شخصية تمتلك نفوذ علي خامنئي، يبدو أن إيران تتجه نحو نظام أكثر جماعية في إدارة السلطة وأكثر اعتماداً على النخبة الأمنية. ومن ثم فإن مستقبل الجمهورية الإسلامية لن يتحدد من خلال الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين كما كان الحال في الماضي، بل من خلال التنافس داخل المعسكر المحافظ نفسه حول كيفية إدارة الدولة وحدود استخدام القوة وأدوات الحفاظ على النظام .

وعليه، فإن السؤال المركزي لم يعد ما إذا كان الحرس الثوري قد أصبح القوة الأكثر نفوذاً في إيران، بل إلى أي مدى سيتمكن من تحويل هذا النفوذ إلى صيغة حكم مستقرة قادرة على إدارة التحديات الداخلية والخارجية في مرحلة ما بعد خامنئي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة