وأصبح مضيق هرمز مصباح علاءالدين للجغرافيا الجيوسياسية وكيفية التعامل مع أساسيات الأسواق من العرض والطلب، بل تم تكريس معادلة صفرية لفرض الأمر الواقع أمام العالم لترامب المنتصر أمام الكاميرات، وهنا لا بد من استحضار علم النفس الاقتصادى والسياسى لتحليل سلام المنتصر وسلام القوة والسلام الشامل وأين يضع الاقتصاد العالمى والأسواق المالية العالمية موطئ قدمها.
كل البيانات الاقتصادية تشبعت بآثار الحرب ومع ضبابية التوقيت والتردد الترامبى، البنوك المركزية فى حالة تأهب لمواجهة مخاطر التضخم الناتجة عن أسعار الطاقة.
حرب إيران تغير كل شيء لذلك العالم أمام أزمة لا تغير فقط أسعار الطاقة، بل تعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية والسياسية لسنوات طويلة، وهنا نقول كيف تعيد الحكومات تعريف البطالة والتضخم لتبدو الأرقام أكثر واقعية مع إعادة هندسة كل الأرقام الاقتصادية فى ضوء كل المعطيات، فالخطر لا يكمن فى صعود الأسعار فقط بل فى سلسلة التأثيرات الاقتصادية التى تنتج عنها تلقائياً.
ولعل السؤال الأبرز مَن الذى يقود المشهد الاقتصادى العالمى بعدما شاهدنا أحداث «هرمز»، هل هى الممرات المائية أم القوى الكبرى أم ملف الطاقة وتدور حوله كل الأصول الاستراتيجية.
أدرك الجميع أن المعركة الاقتصادية هى ذات الاشتعال الأشد وهى تفوق حروب المسيرات والصواريخ ألا وهى حروب الطاقة وأسعار الفائدة والعملات والعقوبات.
وهنا هذه هى النقطة التى تلاقت فيها أهمية الجغرافيا السياسية وملف الطاقة وحالة اللامبالاة الأمريكية فى معادلة واحدة من جانب يعيد تشكيل أسواق الطاقة وتسخيرها كسلاح للعقاب الجماعى والسيطرة على الحلفاء قبل الأعداء،
ووجد العالم نفسه أمام مثلث الخوف التضخم والفائدة وانهيار عملات الدول.
لقد صاح «هرمز» لينبه العالم أن أمريكا نفسها لم تستطع تحصين نفسها من التضخم وأن «هرمز» أرسل إشارات تحذيرية للدول أن تعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية والسياسية، فأحداث الفناء المائى الذى كان شريانا يضخ الحياة فى جسد الاقتصاد العالمى قبل أن يغدو عنوانا للموت الاقتصادى، فحركة التجارة العالمية تقف بلا حراك وخلف ذلك معركة أرقام تكبد أسواق العالم عشرات بل المليارات كل دقيقة.
وطبقا لتحليل «روتوس جروب» فحرب إيران كبدت الشركات حول العالم ما لا يقل عن 25 مليار دولار، 279 شركة عملاقة دخلت دائرة الخطر وبدأت مراجعة حساباتها لمواجهة الأسوأ.
الخسائر الأكبر اتجهت شرقا نحو آسيا وهنا تنقل «نيويورك تايمز» عن سيندى بوليو المسئولة بشركة التحليل المالى كوبيك أنه من الصعب للغاية التنبؤ باتجاه الاقتصاد فى الوقت الراهن وأن بريطانيا والاتحاد الأوروبى تلقت الصدمة الأكبر، بينما ثلث الشركات الآسيوية وفى مقدمة الضحايا شركة تويوتا اليابانية التى منيت بخسائر قاسية تتجاوز الـ4 مليارات دولار.
إنها معادلة جديدة فرضتها حرب إيران، فكل 5 دولارات فى برميل النفط تضيف 5 ملايين دولار مباشرة إلى تكاليف الإنتاج.
حرب إيران نبهت العالم كله إلى أهمية نفط الخليج ولماذا هو مهم ولا يمكن الاستغناء عنه وكم يصمد العالم بدون نفط الخليج وهل يقارن بنفط كندا وفنزويلا وغيره!.
بالطبع لا، فنفط الخليج لا غنى عنه ولا يمكن مقارنته بأى أنواع ثانية لأسباب مختلفة وهو متوسط الكثافة وأساس لصناعة الديزل ووقود الطائرات، فالنفط الكندى والفنزويلى ثقيل ويحتاج إلى فصل الرمال بالإضافة إلى عنصر الجاهزية، لكن نفط الخليج جاهز للاستخراج أما كندا وفنزويلا يحتاج إلى ست سنوات للسحب العالى.
حرب إيران نبهت العالم أن المصافى الآسيوية مصممة على تكرير نفط الخليج واستخدام النفوط الأخرى تقلل كفاءة التشغيل.
فحرب إيران نبهت العالم إلى أن الاستنزاف الموضعى من المخزونات الاستراتيجية أصبح أمرًا فى منتهى الخطورة.
كما أن حرب إيران نبهت العالم أنه يعيش وقتا مستقطعا والسبب صراع الشرق الأوسط وأن هناك 80 دولة حول العالم أعلنت رسمياً حالة الطوارئ لحماية اقتصادها، وأن تآكل الطلب على الطاقة ينذر بالركود التقنى وحدوث انهيار كامل لسلاسل الإمداد والشلل أصاب قطاع الطيران والبتروكيماويات.
نبهت حرب إيران كذلك إلى أن الدول وعلى رأسها أمريكا لم تتعلم بعد إدارة المخاطر، وأن جالون البنزين الأمريكى ملف سياسى واقتصادى وليس رقما بل هو شعور بالحرية، فالبنزين بعد حرب إيران وهرمز يملك قوة سياسية ويتحول إلى مؤشر للحالة النفسية للاقتصاد العالمى.
غيرت حرب إيران كل شيء وعاد الشرق الأوسط يشغل بال العالم بامتياز وإلى حديث آخر.