لكى تدرك حجم هذا الفراغ، يا عزيزى، علينا أن نعود إلى أزقة فيينا عام 1908، لم تكن فيينا بالنسبة له مجرد مدينة رفضته كفنان، بل كانت المصنع الذى صقل فيه مرارته الشخصية ليحولها إلى سلاح قاتل، تخيله وهو يسكن فى قاع الحضارة، فى ملاجئ المشردين، يراقب النجاح من نافذة حانة رخيصة، كان يرى المثقفين اليهود يناقشون الفن، والسياسيين يبنون المستقبل، وكان كل واحد منهم يمثل صفعة على وجهه المتورم بالحقد، لم يكن كرهه لليهود نابعًا من فكر عميق، بل كان رد فعل غريزيًا لرجل يبحث عن «شماعة» يعلق عليها فشله؛ لقد نجحوا هم حيث سقط هو، فكان كل نجاح لهم يذكره بضآلته، وكأن كل لوحة لم يبعها كانت تزيد من سواد قلبه تجاه الوجود كله.
يا صديقى، فى فيينا تعلم هتلر درسه الأهم: الناس لا يتبعون العقل، بل يتبعون العاطفة المحترقة،كان يراقب الجماهير كحشرات فى مختبر، يلاحظ كيف يمكن لجملة بسيطة ومكررة أن تتحول إلى حقيقة مطلقة فى عقول البسطاء، لم يخرج من فيينا بشاب حالم، بل بجرثومة أيديولوجية تتغذى على الإهانة الشخصية وتخطط للانتقام من العالم أجمع، لقد أدرك أن العالم مسرح كبير، وأنه إذا لم يستطع أن يكون الرسام الذى يضع الألوان، فسيكون المخرج الذى يحرك الدمى بالخوف والكراهية.
عندما وصل هتلر إلى ميونيخ، وجد مسرحًا فارغًا ينتظر بطله المخلص، لم يكن يريد أن يصبح سياسيًا تقليديًا، بل «مخلصًا» وثنيًا، كانت خطاباته أعمالًا فنية من التلاعب العاطفى؛ يبدأ بهدوء، يهمس، ثم يطلق صرخة مدوية كالرعد توقظ الغرائز البدائية فى نفوس الجماهير، يا عزيزى، هل تعلم أنه كان يراجع صوره أثناء التدريب كمخرج يساعد ممثله على تقديم أداء أفضل، لقد كان يبيعهم وهم القوة، بينما كان هو نفسه يبحث عنها فى أعينهم، مستمدًا وجوده من صراخهم وتصفيقهم، وكانت مهرجانات نورمبرج هى ذروة فنه التلاعبى؛ الأعلام العملاقة، المشاعل، وموسيقى «فاجنر»كل ذلك كان يهدف لخلق تجربة دينية يصبح فيها هو الإله والنازية هى الدين.
يا عزيزى، دعنا ننتقل إلى الجزء الأكثر سوداوية: المحرقة، لم تكن نتيجة جانبية للحرب، بل كانت الهدف المركزى لأدولف هتلر، لقد كانت «الحل النهائى» الذى صُمم ونُفذ بنفس كفاءة المصانع، بدأت بقلم وقانون «قوانين نورمبرج» التى حرمت اليهود من مواطنيتهم، كانت موتًا بطيئًا لإنسانيتهم تحت أعين جيرانهم، ومع غزو الاتحاد السوفيتى بدأت الإبادة بالرصاص، وحدات «أينزاتسجروبن» كانت تطهر المناطق ببرود مرعب، تخيل يا صديقى جنودًا يطلقون النار لساعات متواصلة حتى تسخن بنادقهم، ثم يكتبون لزوجاتهم عن «العمل الشاق»! لقد كانت هذه هى المرة الأولى التى يُرى فيها الجنون النازى بكامل قوته الصناعية.
يا عزيزى القارئ، كانت أوشفيتز هى ذروة هذا الشر الصناعى، مجمع ضخم للقتل حيث يتم «الاختيار» ببرود؛ الأقوياء للعمل حتى الموت، والضعفاء لغرف الغاز فورًا، كانوا يخبرون الضحايا أنهم ذاهبون إلى «الحمامات»، ثم يغلقون الأبواب ويسقطون غاز «زايكلون بى»، هل تتخيل حجم الرعب فى تلك اللحظات؟ ثم تأتى أوامر العمل الخاصة لسحب الجثث وحرقها فى أفران صناعية، بينما تملأ رائحة الموت الهواء ليل نهار، لم تكن المحرقة جريمة هتلر وحده، بل كانت جريمة نظام بأكمله؛ من البيروقراطى الذى كتب التقارير، إلى المهندس الذى صمم الغرف، لقد كان الشر المتجسد، منظمًا ومؤسسًا ومدعومًا من دولة حديثة.
وفى النهاية، يا صديقى، انهار المسرح وسقط القناع فى قبو مظلم، فى الأيام الأخيرة من أبريل 1945، كان هتلر محاصرًا فى ملجئه، يرتجف ويصدر أوامر لجيوش غير موجودة، وفى قمة هذا الجنون، قرر الزواج من إيفا براون؛ لم يكن حبًا، بل ديكورًا لمسرحية الموت، مشهد الانتحار، يا عزيزى، كان خاليًا من أى عظمة، قبل أن ينهى حياته، اختبر السم على كلبه المخلص «بلوندى»؛ حتى الكلب كان مجرد أداة فى آخر تجاربه المريضة، عندما دخل مساعدوه وجدوا «الإله المزيف» منحنيًا على أريكة، وثقب فى رأسه، وبجانبه إيفا التى اختارت الموت السهل بالسيانيد، لم يكن هناك موت بطولى، بل مشهد بائس فى غرفة رطبة، وحتى جثته، سُكب عليها البنزين واحترقت كقطعة قمامة، ليتحول «الفوهرر»إلى مجرد دخان ورماد فى سماء برلين المحطمة.
مات هتلر، لكن الفراغ الذى كان عليه لم يمت، لقد ترك فى العالم جرحًا غائرًا لا يزال ينزف، لقد أثبت لنا أن الشر الأعظم لا يأتى من الشياطين، بل من رجل عادى، فاشل، ومريض بالنرجسية، تم إعطاؤه منبرًا وسلطة مطلقة، إن قصة هتلر هى المأساة الأكثر رعبًا لأنها تثبت أن العالم قد يُدمر لمجرد أن رجلًا واحدًا لم يستطع أن يصبح فنانًا، وهذا هو التعريف الأكثر إيلامًا للشر على الإطلاق، فهل نتعلم الدرس، يا عزيزى، أم أننا سنسمح لفراغ فاجنر آخر بأن يلتهم نورنا من جديد؟