أثارت الأرقام المتداولة بشأن سحب المصريين ما يقرب من 100 مليار جنيه من ماكينات الصراف الآلى خلال الأيام السابقة لعيد الأضحى المبارك نقاشاً واسعاً حول أسباب هذه الظاهرة، ومدى ارتباطها بالشمول المالى، ودور البنوك فى التعامل مع فترات الذروة الموسمية.
ورغم أن الرقم يبدو ضخماً للوهلة الأولى، فإن قراءته بمعزل عن السياق الاقتصادى والاجتماعى قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة، جزء مهم من الزيادة فى قيم السحوبات النقدية خلال السنوات الأخيرة لا يعكس بالضرورة زيادة مماثلة فى الاستهلاك الحقيقى، وإنما يرتبط أيضاً بالارتفاع الكبير فى الأسعار الذى شهدته مصر خلال الأعوام الماضية، وما صاحبه من تراجع فى القوة الشرائية للجنيه.
المبالغ التى كانت تكفى قبل سنوات لتغطية احتياجات الأسرة فى الأعياد والمناسبات الاجتماعية لم تعد تكفى اليوم للحصول على السلع والخدمات نفسها، كما أن الزيادات المتتالية فى تكلفة المعيشة جعلت المواطن يحتاج إلى عدد أكبر من الجنيهات لتلبية احتياجاته المعتادة، وهو ما ينعكس تلقائياً على أحجام السحب النقدى.
لكن التفسير الاقتصادى وحده لا يكفى لفهم الظاهرة، فهناك بعد ثقافى واجتماعى لا يقل أهمية، فالمجتمع المصرى ظل لعقود طويلة مجتمعاً يميل إلى التعامل النقدى المباشر، خاصة فى الريف والقرى والأسواق التقليدية والأنشطة الصغيرة والحرفية، ورغم النجاحات الكبيرة التى حققتها الدولة والبنك المركزى المصرى فى ملف الشمول المالى خلال السنوات الأخيرة، وارتفاع نسبة الشمول المالى إلى مستويات غير مسبوقة، فإن امتلاك الحسابات المصرفية أو البطاقات البنكية لا يعنى بالضرورة التخلى الكامل عن استخدام النقد الورقى.
لا يزال كثير من المواطنين يفضل السحب النقدى ثم استكمال معاملاته اليومية بصورة تقليدية، سواء عند شراء الاحتياجات المنزلية أو فى الأسواق الشعبية أو عند سداد بعض الخدمات والمجاملات الاجتماعية التى تشهد ذروتها خلال مواسم الأعياد.
جانب من الاقتصاد غير الرسمى ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد المباشر، سواء لأسباب تتعلق بطبيعة النشاط أو بسبب عدم اندماج بعض الأنشطة بصورة كاملة فى المنظومة الرسمية، وهو ما يحد من انتشار وسائل الدفع الإلكترونى فى بعض القطاعات.
من المهم أيضاً الإشارة إلى أن ما حدث تزامن مع مجموعة من العوامل الموسمية الاستثنائية؛ منها صرف الرواتب والمعاشات، والاستعداد لعيد الأضحى، وزيادة الإنفاق المرتبط بالأضاحى والملابس والتنقلات والالتزامات الأسرية، هذا أدى إلى توجه أعداد ضخمة من المواطنين للسحب خلال فترة زمنية قصيرة ومتقاربة.
فى خضم الجدل الدائر، اتجه البعض إلى تحميل البنوك مسئولية المشهد، غير أن التقييم الموضوعى يقتضى النظر إلى الصورة كاملة، القطاع المصرفى المصرى يمتلك اليوم أكثر من 26 ألف ماكينة صراف آلى منتشرة فى مختلف أنحاء الجمهورية، إضافة إلى شبكة واسعة من البطاقات البنكية والمحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع والتحويل اللحظى، وعلى رأسها تطبيق «إنستاباى» الذى شهد نمواً كبيراً فى عدد المستخدمين وحجم المعاملات.
ما حدث لم يكن أزمة نقص سيولة أو عجز لدى البنوك عن توفير النقد، وإنما ضغط استثنائى ومؤقت ناتج عن تركز الطلب فى أيام محدودة، بل يمكن القول إن هذه الشبكة الواسعة من ماكينات الصراف الآلى هى التى مكنت ملايين المواطنين من الحصول على احتياجاتهم النقدية خلال تلك الفترة، وإن كانت بعض الماكينات قد تعرضت لضغوط تشغيلية وأعطال مؤقتة نتيجة كثافة الاستخدام.
هذه الظاهرة تكشف عن حقيقة مهمة، وهى أن نجاح الشمول المالى لا يقاس فقط بعدد الحسابات المفتوحة أو البطاقات المصدرة، بل بمدى تحول سلوك المواطنين من الاعتماد على النقد إلى الاعتماد على وسائل الدفع الرقمية فى معاملاتهم اليومية.
التعامل مع هذه الظاهرة مستقبلاً يتطلب جهداً مشتركاً بين البنوك والجهات الحكومية ووسائل الإعلام والمواطنين أنفسهم، التوسع فى نشر الثقافة المالية الرقمية، وزيادة قبول المدفوعات الإلكترونية فى مختلف الأنشطة، وتعزيز الثقة فى وسائل الدفع الحديثة، كلها عوامل تساعد تدريجياً على تقليل الاعتماد على النقد الورقى وتخفيف الضغوط الموسمية على شبكات الصراف الآلى.
فى النهاية، ربما لم تكن أزمة العيد الأخيرة أزمة ماكينات صراف آلى بقدر ما كانت اختباراً واقعياً لمدى التحول الذى قطعه المجتمع المصرى على طريق الشمول المالى. فقد أثبتت التجربة أن التكنولوجيا متاحة، والبنية التحتية تتطور باستمرار، لكن التحدى الأكبر ما زال يكمن فى تغيير السلوك المالى المتراكم عبر عقود طويلة من الاعتماد على «الكاش» باعتباره الوسيلة الأكثر ألفة واطمئناناً.
