رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. حسن أبوطالب.. مستشار مركز الأهرام للدراسات: دور مصر الإقليمى «لا تنازل عنه».. والخليج يحتاج لـ «حوار حقيقى»


23-4-2026 | 17:12

الدكتور حسن أبوطالب.. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

طباعة
حوار: أحمد جمعة

لا تزال المنطقة بأكملها تقف على أطراف أصابعها ترقبًا لمسار هدنة ومفاوضات شديدة التعقيد بين الولايات المتحدة وإيران، وسط احتمالات مفتوحة على التهدئة أو التصعيد.. وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، تمتد ارتدادات الحرب لتطال مختلف دول الإقليم، التى تترقب بدورها انعكاسات المشهد على أمنها واستقرارها ومستقبل الترتيبات السياسية والأمنية.

فى هذا الحوار، يقدم الدكتور حسن أبوطالب، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قراءة معمقة لمسار «اليوم التالى» لحرب إيران، كاشفًا ملامح التحولات الجارية فى موازين القوى، وحدود التفاهمات الدولية والإقليمية، والدور المتشابك للدول الفاعلة فى المنطقة، من الخليج إلى شرق المتوسط، ومحاولات رسم ترتيبات أمنية جديدة، فى بيئة إقليمية لا تزال تبحث عن توازنها المفقود.. وإلى نص الحوار:

 

 

لا تزال المفاوضات متعثرة بين الولايات المتحدة وإيران مع اقتراب انتهاء مهلة الأسبوعين.. هل نحن أقرب لاستمرارها أم عودة شبح الحرب؟

الاحتمالان واردان بنسبة 50 فى المائة، وهذا يتوقف على ما يمكن أن نسميه برد فعل إيران فيما يتعلق بما قيل إن الولايات المتحدة قدمت عبر الوسيط الباكستانى مجموعة من الاقتراحات الجديدة أو تصور جديد لإنهاء الأزمة فيما يتعلق بعدد من النقاط الحيوية، لا سيما فيما يخص تسلم المواد النووية من إيران للولايات المتحدة حصرًا، وهو ما ترفضه إيران حتى هذه اللحظة، ثم أيضًا إلى أى مدى الولايات المتحدة قد تتسامح أو قد تقبل، وفقًا للاقتراح الباكستانى، بوجود برنامج نووى مدنى يخضع للرقابة وبالتنسيق بين الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى بقية الأزمات الأخرى أو الملفات الأخرى، لا سيما ما يتعلق بحرية الملاحة فى مضيق هرمز.

من الواضح أن هناك دورا كبيرا تلعبه باكستان عبر قائد الجيش عاصم منير، الذى لديه علاقة خاصة مع الرئيس ترامب، كما أوضح ذلك ترامب عدة مرات فى الأيام القليلة الماضية.

فى تصورى أن الإيرانيين سوف يردون على هذه الاقتراحات، وقد تكون لديهم بعض الملاحظات، لكن هناك أيضًا نقطة مهمة فى هذا الموضوع؛ فالحديث الذى يدور الآن هو حول اتفاق إطارى، بمعنى أن يضع مجموعة من المبادئ بشأن كافة المشكلات أو الأزمات أو الملفات التى هى محل خلاف.

إذا كان هذا هو موقف الولايات المتحدة وإيران من مسار المفاوضات.. فهل تكون إسرائيل عقبة أمام تلك الحلول؟

نشهد ما أسميه بالتدخلات الخبيثة من قبل إسرائيل على الجانب الأمريكى، بهدف دفعه نحو مزيد من التشدد، والعودة مرة أخرى إلى الهجوم على إيران، ونحن نعلم أن الجانب الإسرائيلى يمتلك بعض الأدوات للتأثير على الرئيس ترامب، وأيضًا على عدد كبير من المستشارين والمسؤولين الذين يتوافقون مع المرامى والأهداف الإسرائيلية بشكل عام، ويحاولون جعلها فى صلب السياسة الأمريكية، سواء تجاه إيران أو تجاه العديد من القضايا الأخرى.

وبالتالى تظل العقبة الكبرى إلى أى مدى يستطيع الرئيس ترامب مواجهة مثل هذه التدخلات الإسرائيلية الخبيثة، وأن ينظر إلى الأمور بنظرة أكثر شمولًا فيما يتعلق بالمصالح الأمريكية فى المنطقة، وهى مصالح أوسع من المصالح الإسرائيلية فقط؛ مصالح مع دول الخليج، مصالح مع العالم، مصالح مع الصين، مصالح مع روسيا، ومصالح مع الإقليم ككل.

نحن أمام هذه المرحلة الحرجة، ما بين العودة مرة أخرى إلى الصراع الدامى، والذى يدفع ثمنه الكثيرون، سواء من المشاركين فى القتال أو مَن لا علاقة لهم به، إذ يتحمل الجميع أثمانًا باهظة، إضافة إلى أن إيران أيضًا ستدفع ثمنًا كبيرًا، وكذلك الهيبة الأمريكية التى أصبحت محل اختبار كبير.

إذا انتقلنا للحديث عما يدور من أفكار بشأن هذا الإقليم فى اليوم التالى لحرب إيران.. هل نحن بصدد تحالفات جديدة يُعاد تشكيلها، وعلى وجه التحديد لمواجهة المخططات الإسرائيلية؟

موضوع التحالفات لا يتوقف إطلاقًا على مجرد التنسيق أو الشراكة فى بعض الملفات المرتبطة بالبيئة الأمنية العامة فى إقليم محدد، فالتحالفات أوسع من ذلك بكثير؛ إذ تعنى تنسيقًا مؤسسيًا، والتزامات واضحة، ووثائق تحدد الأدوار والأعباء لكل طرف، والأهم من ذلك تحديد الهدف الأساسى من هذا التحالف.

حتى هذه اللحظة، نحن أمام درجة عالية من التنسيق بين عدد من الدول، انطلاقًا من قناعة مشتركة بوجود فراغ فى القوة داخل الإقليم، وسعى الجانب الإسرائيلى إلى تعميق هذا الفراغ بما يتيح له توسيع النفوذ والهيمنة، والتأثير فى كثير من ملفات البيئة الأمنية التى تمس دول الشرق الأوسط كافة.

ومن هنا، يمكن فهم هذا التحرك باعتباره توجهًا منطقيًا من القوى الإقليمية الأساسية نحو وضع ضوابط لهذا الواقع، وحماية مصالحها، وتعزيز التنسيق فيما بينها بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية المتوقعة بعد انتهاء الصراع مع إيران.

وفى حال انتهى هذا الصراع إلى تسوية متوازنة بين الولايات المتحدة وإيران، فقد يفتح ذلك الباب أمام احتمالات لتطوير العلاقات بين الطرفين، وهو متغير مهم يجب أخذه فى الاعتبار، لأن إيران تظل قوة قائمة ذات تأثير ونفوذ، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، بما ينعكس على مصالح عديدة فى الإقليم.

وفى الوقت نفسه، فإن الدول الرئيسية فى المنطقة وفى مقدمتها مصر وباكستان وتركيا والسعودية، إضافة إلى دول المغرب العربى وعلى رأسها المغرب والجزائر جميعها تتأثر بما يجرى فى هذا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

وما المطلوب تحديدًا من هذه الدول؟

فى تصورى أن هناك حوارات سوف تحدث يعنى ما بين كل هذه الدول الرئيسية فى إقليم الشرق الأوسط لوضع لبنات نظام أمنى جديد أو ما نستطيع أن نسميه بيئة أمنية متوازنة بين كل الأطراف، وفى نفس الوقت تحد من الطموحات الإسرائيلية فى مزيد من الهيمنة والنفوذ والإضرار بمصالح هذه الدول الرئيسية.

كما نلاحظ، فإن بعض التصورات الإسرائيلية تتحدث عما تسميه «البلد التالى لإيران»، حيث تشير بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن تركيا قد تكون فى دائرة الضغط التالية، وهو ما يعكس، وفق هذا الخطاب، طموحات إسرائيلية لتوسيع نفوذها الإقليمى، بما يشمل الأبعاد الأمنية والاقتصادية والجغرافية والسياسية.

وهذا بدوره يستدعى قدرًا أعلى من الحذر والتنسيق بين الدول الرئيسية فى الإقليم لمواجهة هذه التوجهات، لكن فى المقابل، فإن الحديث عن «تحالف» بالمعنى التقليدى أو تشكيل حلف إقليمى متكامل، ما زال سابقًا لأوانه فى هذه المرحلة.

مصر فى قلب توابع حرب إيران.. كيف يمكن أن تتعامل مع مثل هذه الظروف؟

مصر شأنها شأن القوى الأساسية فى الإقليم؛ تتأثر وتؤثر فى الوقت نفسه، فنحن أمام مرحلة شديدة الحساسية لأسباب متعددة، فكل الاتجاهات الاستراتيجية المحيطة بمصر تشهد أزمات متداخلة شرقًا وجنوبًا وغربًا وشمالًا، وهو ما يفرض بالضرورة سياسة شديدة الحذر تقوم على أولوية حماية المصالح الوطنية فى التعامل مع هذه الملفات.

فى هذا السياق، تتحرك مصر على أكثر من مسار؛ فهى تلعب دورًا فى تهيئة الحوار الليبى–الليبى، وتدعم الدولة الوطنية والمؤسسات الفاعلة فى كل من السودان والصومال، كما تعمل على الحد من النزعات الاستيطانية والتوسعية الإسرائيلية فى غزة والضفة الغربية.

كل ذلك يتطلب جهدًا كبيرًا على المستويين الأمنى والسياسى، إضافة إلى حوارات نشطة مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، وفى مقدمتها الولايات المتحدة، مع تنسيق وثيق مع دول إقليمية مهمة مثل تركيا والسعودية، وهذا يضع عبئًا كبيرًا على السياسة الخارجية والدبلوماسية المصرية.

لكن يمكن القول إن هناك وضوحًا فى الرؤية المصرية، ووضوحًا فى المبادئ التى تستند إليها.. فمفهوم الأمن القومى المصرى يظل غير قابل للتنازل فى أى من هذه الملفات.. وفى الوقت نفسه تقوم مصر بدور دبلوماسى وسياسى يهدف إلى مساعدة الأطراف المتنازعة على إعطاء الأولوية لحل خلافاتها عبر الحوار الداخلى، بعيدًا عن تدخل القوى الخارجية التى قد تزيد من تعقيد الأزمات.

ودور مصر واضح فى ملفات السودان والصومال وليبيا، وكذلك فى ملف غزة، حيث لا يمكن القول إن مصر تتخلى عن مسؤولياتها، بل على العكس، هى تمارس دورًا يفرضه موقعها الإقليمى وتسعى إلى القيام به بأفضل صورة ممكنة.

وفى المقابل، فإن من المهم إدراك أن لا دولة تستطيع أن تنفصل عن محيطها أو تدّعى أن أمنها القومى بمعزل عما يجرى حولها، فالجميع يتأثر بالبيئة الإقليمية المتوترة.

كما أن أمن الخليج، على سبيل المثال، لا يرتبط فقط بمسار الأزمة الأمريكية–الإيرانية، بل يعتمد أيضًا على رؤية ذاتية تنبع من داخل الإقليم نفسه حول كيفية إدارة العلاقات البينية بين الدول الخليجية، وكذلك علاقاتها مع القوى الإقليمية المختلفة، سواء إيران أو تركيا أو مصر أو حتى اليمن إذا ما اتجهت المنطقة نحو مسار مصالحة.

وفى كل هذه الملفات، فإن مصر متأثرة ومؤثرة فى الوقت نفسه، وهذا ليس استثناءً، بل هو جزء من طبيعة دورها الإقليمى، وهو دور لا يمكن لمصر أن تتخلى عنه، لأنه مرتبط بموقعها ومكانتها ومسؤولياتها فى الإقليم.

البعض يعتبر أن العلاقات العربية أصابها بعض الضرر جراء توابع حرب إيران.. ما تقييمك لذلك؟

من الصعب فى هذه المرحلة أن نتحدث عن نوع من الجفاء بين الدول العربية، هناك قدر من التوتر، وهناك أيضًا «عتاب»، لكن فى المقابل هناك اتصالات قائمة ومستمرة بين الأطراف المختلفة.

ولا يمكن أن نتعامل مع الخليج باعتباره كتلة واحدة؛ فحتى داخل المنظومة الخليجية نفسها توجد تباينات واضحة، سواء بين السياسة العُمانية وبقية دول الخليج، أو بين السياسة السعودية وغيرها من السياسات الخليجية، وهذا التباين ينسحب على مجمل الأطراف.

كما أنه لا يوجد حتى الآن تصور موحد ومتكامل بين الدول الخليجية حول مستقبل الأمن الإقليمى، أو حول شكل العلاقة مع إيران فى المرحلة المقبلة، وهو ما يعكس وجود اختلافات حقيقية فى الرؤى.

وفى هذا السياق، لا يمكن الانسياق وراء بعض الطروحات التى يرددها بعض المغردين أو الأصوات غير المنضبطة سياسيًا أو فكريًا، سواء فيما يتعلق بالحركة المصرية أو التركية أو حتى التحركات السعودية، فهناك بالفعل تباينات فى تقدير المواقف والسياسات.

الأهم فى هذا الإطار هو ضرورة وجود حوار خليجي–خليجى حقيقى، لوضع تصور مشترك لنظام الأمن فى الخليج، وهذا يتطلب نقاشًا صريحًا وشفافًا حول قضايا جوهرية، مثل حدود الاعتماد على القوى والقواعد الأمريكية، ومستقبل العلاقة مع إيران، خاصة فى ما يتعلق بالجوانب السياسية والاستراتيجية، وملف حرية الملاحة فى الممرات المائية الحيوية.

ومن جهة أخرى، يمكن لمصر أن تكون طرفًا مشاركًا فى هذا النقاش، فهى تمتلك تصورًا خاصًا، وكذلك تركيا، وباكستان، وكل دولة لديها رؤيتها الخاصة تجاه هذه الملفات، لكن هذه التصورات تحتاج إلى قدر أكبر من التنسيق والحوار الشفاف، مع وضوح تام بشأن السؤال الأساسى: ماذا نريد من هذه العلاقات؟ وهذا أمر فى غاية الأهمية.

هل تساهم الجامعة العربية كأساس لمنظومة التعاون العربى فى هذا الحوار؟

بالطبع، جامعة الدول العربية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا فى هذا الإطار، إذا توافرت الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء، لكن حتى الآن هناك حالة من العزوف عن الدخول فى حوار عربى شامل حول هذه القضايا تحت مظلة الجامعة.

ولا يمكن توصيف الوضع بأنه فشل للجامعة أو قصور منها، بل هو انعكاس مباشر لإرادة الدول الأعضاء، وحتى هذه اللحظة، لا يوجد توافق عربى واضح حول كيفية التعامل مع مرحلة «اليوم التالى» لانتهاء الحرب، سواء فيما يتعلق بالدور الإيرانى أو طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، أو حتى خيار الحياد أو إعادة التموضع.

وهذه كلها ملفات تحتاج إلى دراسات معمقة ورصينة، تأخذ فى الاعتبار أولويات المصالح العربية المشتركة، وفى الوقت نفسه التباينات بين مصالح الدول المختلفة داخل النظام الإقليمى العربى.

 
 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة