رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الطاقة المتجددة في سلطنة عمان .. خياراً استراتيجياً وأمناً طاقياً


20-4-2026 | 14:52

.

طباعة
بقلم/أحمد تركي.. خبير الشؤون العربية
يشهد العالم الآن واحدة من أعقد أزمات الطاقة في تاريخه الحديث؛ بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من تطورات منذ 28 فبراير 2026، إذ لم تقتصر تداعياتها على ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات، وإنما أعادت تشكيل خريطة الطاقة العالمية بشكل جذري.

ووفقا لتقارير وكالة الطاقة الدولية، أسهمت التوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط، في حدوث اضطرابات غير مسبوقة في إمدادات النفط، مع تأثر نحو 20% من تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، ووصف المدير التنفيذي للوكالة الوضع بأنه "أعظم تحدٍّ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ" .

وأدت الأزمة إلى تقليص الإمدادات العالمية بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، وارتفاع الأسعار إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، إضافة إلى تصاعد الضغوط التضخمية عالميا، مما دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات طارئة، شملت السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وإعادة صياغة سياسات الطاقة لتعزيز الأمن الطاقي.

وفي خضم هذه التحولات، تسارع توجه الدول نحو مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، باعتبارها أقل تأثرا بالتقلبات الجيوسياسية، وأكثر قدرة على تحقيق الاستقلالية وحماية الاقتصادات من صدمات الأسعار. تُعد الطاقة المتجددة في سلطنة عُمان خياراً استراتيجياً وأمناً طاقياً، وليس مجرد ترف بيئي، حيث تهدف السلطنة عبر "رؤية عُمان 2040" للحياد الصفري بحلول 2050. تستهدف الاستراتيجية رفع مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء إلى 30-40% بحلول 2030، وتصل إلى 90-100% بحلول 2050، معتمدة على مشروعات عملاقة كـ "عبري 2" و"ظفار للرياح"، مما يُعزز التنويع الاقتصادي ويقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري .

وتواصل سلطنة عُمان ممثلة بوزارة الطاقة والمعادن تنفيذ خططها للتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة، ودعم الاستدامة، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من خلال رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج إنتاج الكهرباء إلى 30 بالمائة بحلول عام 2030.

ويشهد قطاع الطاقة المتجددة في سلطنة عُمان نمو متسارع مع تشغيل عدد من المشروعات الرئيسة، من بينها مشروع عبري (2)، ومنح (1) ومنح (2) للطاقة الشمسية، إلى جانب محطة ظفار (1) لطاقة الرياح، والتي أسهمت في تعزيز موثوقية الشبكة الكهربائية، بإجمالي قدرة إنتاجية تقارب 1550 ميجاواط، وتمثل 9.26 بالمائة من إجمالي إنتاج الكهرباء في سلطنة عُمان .

ويجري العمل على مشروع عبري (3) للطاقة الشمسية، والمتوقع دخوله حيز التشغيل خلال الربع الثاني من عام 2027 والذي يشمل تخزين الكهرباء بالبطاريات بقدرة 100 ميجاواط ساعة، في خطوة تعزز مرونة الشبكة واستيعاب القدرات المتجددة المتزايدة إضافة إلى مشروعي ظفار (2) وجعلان بني بوعلي لطاقة الرياح، والمتوقع تشغيلهما في الربع الثالث من عام 2027.

أما المشروعات العُمانية المخطط تنفيذها حتى عام 2030، فتشمل عددًا من مشروعات الطاقة الشمسية في ولايات الكامل والوافي، وسناو، ومشروع مرسى، إلى جانب مشروعات لطاقة الرياح في الدقم (2) و(3)، ومحوت، وسدح، وشليم وجزر الحلانيات، والجازر، بإجمالي قدرة إنتاجية متوقعة تبلغ نحو 5080 ميجاواط للطاقة الشمسية و1720 ميجاواط لطاقة الرياح، كما تتضمن الخطط مشروع إنتاج الطاقة من النفايات في بركاء، والمتوقع تشغيله خلال الربع الثاني من عام 2031 .

وتغطي هذه المشروعات مواقع استراتيجية في عدد من محافظات سلطنة عُمان، من بينها ظفار، والوسطى، وشمال الباطنة، وجنوب الباطنة، وشمال الشرقية، والظاهرة، والداخلية ضمن نطاق أراضٍ مخصصة لمشروعات الطاقة المتجددة تُقدّر بنحو 65 ألف كيلومتر مربع.

وتسعى سلطنة عُمان، من خلال هذه المشروعات، إلى رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الوطني إلى 30 بالمائة - 40 بالمائة بحلول عام 2030، و60 بالمائة -70 بالمائة بحلول عام 2040، وصولًا إلى ما بين 90 بالمائة و100 بالمائة بحلول عام 2050، بما يعكس التزامها بتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية .

ووفقاً للدراسات الإستراتيجية، فإن مشروعات الطاقة المتجددة في عُمان، تمثل ركيزة أساسية في تعزيز أمن الطاقة الوطني، ودعم التحول نحو اقتصاد مستدام، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 'عُمان 2040'. فقد ارتفعت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة المرتبطة بالشبكة من 4.26 بالمائة في عام 2024 إلى 9.46 بالمائة في عام 2025، بزيادة بلغت نحو 5.2 بالمائة خلال عام واحد، فيما بلغ إجمالي الطاقة المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة خلال عام 2025 أكثر من 4 ملايين ميجاواط ساعة.

تعكس المؤشرات البيئية لهذه المشروعات البعد العملي لمسار سلطنة عُمان نحو تحقيق الحياد الصفري، إذ تُسهم مشروعات الطاقة المتجددة حاليًّا في تجنّب نحو 1.62 مليون طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون من انبعاثات قطاع الكهرباء، مع توقع ارتفاع حجم الانبعاثات المتجنَّبة إلى قرابة 9 ملايين طن مكافئ بحلول عام 2030، منها نحو مليوني طن من مشروعات الرياح و7 ملايين طن من مشروعات الطاقة الشمسية .

كما تُسهم هذه المشروعات في تجنّب حرق ما يقارب 1.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بما يعزز خفض كثافة الانبعاثات في القطاع الكهربائي، ويأتي ذلك ضمن الإطار الوطني الذي يتابعه مركز عُمان للحياد الصفري؛ لتسريع التحول إلى منظومة طاقة منخفضة الكربون، وترسيخ مسار سلطنة عُمان نحو الحياد الصفري بصورة تدريجية ومستدامة.

يأتي هذا التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة ضمن استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة، ودعم الصناعات ذات القيمة المضافة والمستقبلية، بما في ذلك إنتاج الهيدروجين الأخضر، وتعزيز الابتكار في تقنيات الطاقة النظيفة، وتعظيم الأثر الاقتصادي للمشروعات الوطنية، وصولًا إلى تحقيق الحياد الصفري، وتعزيز تنافسية سلطنة عُمان في مجالات الطاقة النظيفة إقليميًّا وعالميًّا .

وبحسب التقارير الاقتصادية، سجلت قدرة الطاقة المتجددة في سلطنة عمان نموًا كبيرًا خلال العام الماضي بزيادة 138%، ما يعادل 1 غيغاواط، مقارنة بمستوى عام 2024 (722 ميغاواط). وجاء ذلك بقيادة الطاقة الشمسية التي ارتفعت قدرتها المركبة بنسبة 149% على أساس سنوي خلال عام 2025. إذ تستثمر سلطنة عمان بقوة في الطاقة المتجددة، مستهدفة رفع مساهمتها في مزيج الكهرباء إلى 30%-40% بحلول 2030، والوصول إلى 90%-100% بحلول 2050، مستفيدة من إشعاع شمسي هائل ورياح قوية.

وبشأن استدامة هذا التوجه في سلطنة عُمان، يمكن القول أنه توجه طويل الأمد وليس مرتبطا بظروف الأزمة الحالية فقط، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها توجه الحكومة نحو تنويع مصادر الطاقة، وارتفاع الوعي بأهمية الاستدامة، إضافة إلى الجدوى الاقتصادية المتزايدة للحلول المتجددة مع تطور التقنيات وانخفاض تكلفتها، وكل هذه المؤشرات تشير إلى أن الطاقة المتجددة أصبحت خيارا استراتيجيا، وضرورة اقتصادية وأمنا طاقيا وليست مجرد بديل مؤقت .

ولا شك أن التطورات الجارية في الشرق الأوسط، تدفع عُمان في اتجاه تسريع الاستثمار في المشاريع المتجددة ، وتنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والدخول في مشاريع جديدة مثل الهيدروجين الأخضر، وتعزيز الشراكات الدولية لتقليل المخاطر وتسريع التنفيذ، مثل مجموعة أوكيو التي وقّعت استثمارات تتجاوز ملياري دولار في مشاريع الطاقة المتجددة لتعزيز التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون .

والمؤكد أن توجه سلطنة عُمان نحو الطاقة المتجددة يعد توجها مستداما وذا رؤية طويلة المدى؛ وذلك نتيجة وجود توجه حكومي وخطط وطنية واضحة تهدف إلى زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في قطاع الطاقة، حيث تستهدف سلطنة عُمان تحقيق الحياد الصفري بحلول 2050، إضافة إلى وجود استراتيجية وطنية للهيدروجين الأخضر، والميزة التنافسية الطبيعية لسلطنة عُمان التي تتضمن توفر الشمس والرياح، والذي يجعل تكلفة الإنتاج منخفضة مما يعطي سلطنة عُمان فرصة لتكون مركزا إقليميا للطاقة النظيفة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة