«وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان».. فصل جديد فى سلسلة التحركات المصرية البارزة لإحلال السلام والتهدئة فى منطقة الشرق الأوسط التى بدأت بنجاحها الكبير فى وقف إطلاق النار فى قطاع غزة بعد عامين من الاقتتال وحرب الإبادة ضد الفلسطينيين، والتى كللتها بمؤتمر شرم الشيخ للسلام بحضور زعماء العالم، ثم تحركت سريعا للوساطة فى وقف الحرب التى اندلعت بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من جانب آخر.
وخلال الأيام القليلة الماضية، كثفت القاهرة من جهودها لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضى اللبنانية، وهو أحد أهم الملفات التى توليها مصر أهمية كبيرة فى إطار تحركاتها المكثفة لإقرار وقف الصراع فى منطقة الشرق الأوسط، والتى تحركت فيها الدولة المصرية على مدار الأيام الماضية بشكل مكثف؛ حيث برزت الجهود الدبلوماسية المصرية كعنصر فاعل فى محاولة احتواء الأزمة وتهدئة الأوضاع المتأججة، بفضل ما تتمتع به القاهرة من ثقل سياسى وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، حيث حرصت مصر على تكثيف تحركاتها واتصالاتها لوقف التصعيد، والدفع نحو حلول سلمية تحفظ استقرار لبنان وسيادة أراضيه، وهو الدور الذى اعتبره الخبراء تأكيدا لنهج دبلوماسى راسخ تتبناه مصر فى التعامل مع القضايا الإقليمية الحساسة، قائم على التوازن والحوار؛ بما يعكس إدراكها العميق لخطورة المرحلة وأهمية التحرك العاجل لمنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من العنف وعدم الاستقرار.
التحركات المصرية بلورتها رحلات الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج المكوكية لعدد من العواصم العربية والأوربية إلى جانب اتصالاته المكثفة لإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضى اللبنانية، حيث تباحث هاتفيا مع ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكى الخاص للشرق الأوسط، وذلك فى ضوء التطورات المتلاحقة التى تشهدها المنطقة، وبناء على تكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسى بتنسيق الجهود الدولية لخفض التصعيد والتوتر، حيث أكد خلال الاتصال على ضرورة التدخل بشكل سريع لتهدئة الأوضاع بالإقليم وتثبيت وقف إطلاق النار.
«عبد العاطي»، فى مباحثاته مع المبعوث الأمريكي، شدد على أن العدوان الإسرائيلى على لبنان يقوض كافة المساعى الإقليمية والدولية لتحقيق التهدئة المنشودة فى المنطقة، ونوّه فى هذا السياق إلى موقف مصر الثابت بضرورة احترام سيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه ووقف كافة الاعتداءات الإسرائيلية، بما يضمن استقرار المنطقة وتجنيبها مخاطر الانزلاق نحو فوضى شاملة.
كما تلقى وزير الخارجية اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسى جان نويل بارو، حيث بحث الوزيران المستجدات المتسارعة فى الإقليم وتحديدا فى لبنان الشقيق، وأكد الوزيران على الأولوية القصوى لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتحقيق التهدئة خلال هذا المنعطف الدقيق الذى تمر به منطقة الشرق الأوسط، وأهمية تضافر الجهود الدولية لدعم المؤسسات الوطنية اللبنانية، بما يسهم فى إنهاء المعاناة الإنسانية وتحقيق والأمن والاستقرار للبنان الشقيق.
كذلك أكد «عبد العاطي»، خلال زيارته إلى بيروت بعد لقائه الرئيس جوزيف عون، أن الموقف المصرى ينطلق من محددات ترتكز على الدعم الكامل للبنان، مؤكدًا على أن القاهرة لن تألو جهداً للعمل من أجل خفض التصعيد ونزع فتيل الأزمة، كما شدد على دعم مصر الكامل لقرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح، وأهمية التنسيق القائم بين البلدين، ومجددًا دعم القاهرة لمبادرة عون التى أعلنها خلال عيد الاستقلال، والقاضية باستعداد الجيش اللبنانى لتسلّم جميع النقاط فى جنوب لبنان.
وفى هذا السياق، أوضح السفير عاطف سالم، سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، أن «التحركات المصرية لإقرار التهدئة فى لبنان بدأت فور اندلاع الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبنانى، وهو دور ريادى لمصر، ويأتى استكمالا لدورها الكبير والمعروف فى دعم الأشقاء فى كل دول العالم العربي»، مشيدا بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى بإرسال 1000 طن من المساعدات الإغاثية إلى بيروت، وموضحًا أن «هذه الخطوة تمثل رسالة طمأنة للشعب اللبنانى بأن مصر لن تتخلى عن أشقائها».
وأضاف أن «الدبلوماسية المصرية تتحرك عبر الضغط الدولى والتنسيق العربى والدعم الإغاثى لإجبار كافة الأطراف على العودة إلى المفاوضات وتفعيل آليات حماية قوات «اليونيفيل» والأراضى اللبنانية»، مشيرا إلى أن «المشهد الراهن فى لبنان يعكس رغبة إسرائيلية واضحة فى تغيير قواعد اللعبة الجيوسياسية فى المنطقة».
«سالم»، أوضح أن «الاستراتيجية الإسرائيلية تركز على التدمير الممنهج للبنية التحتية فى الجنوب، بهدف عزل منطقة جنوب الليطانى وفرض مناطق عازلة، بما يخالف القرار الأممى رقم 1701»، مؤكدًا أن «لبنان يعاقب على صراعات إقليمية ليست من صنعه».
كما لفت إلى أن الوضع حاليا فى لبنان هو تصفية حسابات إقليمية على الأراضى اللبنانية، مشددًا على ضرورة استعادة لبنان لقراره السيادي، ومؤكدًا أن استقراره يرتكز على حصر السلاح فى يد الجيش الوطنى ووجود توافق سياسى داخلى ينهى الفراغ المؤسسي.
وأكد أن الحلول العسكرية لن تحقق أمنًا مستدامًا لأى طرف، وأن التزام المجتمع الدولى واجب لضمان احترام السيادة اللبنانية ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، فيما تواصل مصر لعب دور محورى فى منع تصعيد الصراع وتحقيق الاستقرار الإقليمي، لافتًا إلى أهمية التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة لضمان أمن واستقرار لبنان، محذراً فى الوقت ذاته من خطورة التصعيد العسكرى الإسرائيلى ومساعى تل أبيب لفرض واقع عسكرى جديد بعيداً عن طاولة المفاوضات، ومحذراً من نوايا إسرائيلية لتنفيذ اجتياح برى للجنوب اللبنانى وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، فى سيناريو يعيد للأذهان حرب عام 2006 ولكن بأبعاد مختلفة.
وحدد «سالم» ثلاثة أهداف عسكرية رئيسية لإسرائيل فى لبنان، هى ضرب القوة العسكرية لحزب الله اللبنانى وتحجيمها، الاستمرار فى سياسة الاغتيالات لقادة الحزب وخلق منطقة عازلة فى الجنوب اللبنانى تمتد لعدة كيلومترات، مشيرا إلى أن إسرائيل لا تمتلك أجندة سياسية واضحة، بل تحركها «أجندة عسكرية» بحتة تهدف إلى إثبات هيمنتها كقوة كبرى فى المنطقة وإضعاف الأذرع الإيرانية، وفى مقدمتها حزب الله، ومؤكدا أن تل أبيب ترفض الجلوس إلى مائدة المفاوضات لأن استمرار الحرب يخدم مصالحها فى التخلص من خصومها.
بدوره، قال السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية: هناك تحركات مصرية مكثفة على مدار الساعة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على الجنوب اللبنانى ، وذلك فى إطار الدور الكبير الذى تلعبه مصر لتثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل ودائم ، يحمى المنطقة من انزلاق إلى حالة من الفوضى سيدفع ثمنها العالم أجمع، كما أن مصر تحظى بثقة دولية ولها باع كبير فى الوساطة بين الأطراف المتنازعة وليس لها أية أهداف إلا وقف الصراع، وما نجحت فى إقراره فى أزمة حرب غزة يطمح الكثير من الدول خاصة الأوربية أن تكرره فى أزمة لبنان، خاصة فى ظل دورها البارز فى وقف الحرب الأمريكية- الإيرانية.
وأوضح «رخا» أن حل القضايا بالجهود الدبلوماسية يرجع إلى امتلاك مصر لعلاقات جيدة مع الغالبية العظمى من دول العالم، وهو ما مكنها أيضا من القيام بدور محورى بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى خفض التصعيد والتوتر بالمنطقة، إلى جانب امتلاكها لدبلوماسية نشطة لدعم الأمن والاستقرار.
وأضاف أن «هناك تحركات مكثفة للدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج لوقف هذه الاعتداءات من خلال رحلاته إلى الدول المعنية بالصراع إلى جانبه اتصالاته المكثفة ، وكان آخرها تلقيه اتصالا هاتفيا من وزير خارجية جنوب إفريقيا، تناولا خلاله سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وكذلك مستجدات الأوضاع فى الشرق الأوسط، ومصر تبذل جهودا حثيثة فى منطقة الشرق الأوسط من أجل خفض التوتر بالاقليم والبعد عن الحلول العسكرية».
من جهته قال الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية: القاهرة تتحرك بكل قوتها وثقلها السياسى لإنقاذ لبنان وتجنيبه ويلات التصعيد الإسرائيلي، ومصر تمتلك رؤية استراتيجية واضحة وقنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف الدولية الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، للضغط من أجل وقف العدوان، كما أن التحركات المصرية تأتى فى توقيت بالغ الحساسية لكسر حالة الجمود ودعم استقرار الدولة اللبنانية.
وأضاف «فارس»: الدبلوماسية المصرية تقود حراكًا مكثفًا، بدءًا من زيارات وزير الخارجية والتى تهدف إلى تنسيق الجهود ودعم الأشقاء فى لبنان، مؤكدًا أن هذه الخطوات تعكس حرص مصر على عدم تخليها عن لبنان فى هذه المرحلة الخطيرة، والأولوية القصوى الآن هى دعم الدولة الوطنية اللبنانية ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش الوطني، لمنع الانجرار إلى اقتتال داخلى قد تستغله إسرائيل كذريعة لاستمرار عدوانها.
كما لفت إلى أن «مصر تسعى لتوحيد الصف اللبنانى لإنهاء حالة الانقسام السياسى، مما يساهم فى سحب الذرائع الإسرائيلية وتنفيذ القرار الأممى 1701»، مشيرا إلى أن «استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسيع رقعة الصراع لتشمل الجنوب السورى والضفة الغربية بجانب غزة ولبنان، قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة».
وأوضح أن «واشنطن والقوى الأوروبية تثق فى الدور المصرى باعتباره «ترمومتر الاستقرار» فى المنطقة، وتعول عليه لضبط السلوك الإسرائيلى المتهور ومنع تفاقم الأوضاع، وفى المقابل تعيش إسرائيل حالة من التخبط بعد خسارتها الاستراتيجية أمام إيران، مما دفعها لتبنى استراتيجية «خلط الأوراق» عبر تصعيد استهدافها للداخل اللبناني، والمحرك الأساسى لهذه التحركات هو الرغبة فى جر طهران إلى مواجهة مباشرة، والعمل بجدية على تقويض الهدنة التى تم التوصل إليها مؤخراً».
وأضاف أن «تل أبيب تسعى جاهدة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتحديداً إلى نقطة الصفر بهدف إقناع الولايات المتحدة باستئناف عملياتها العسكرية ضد المنشآت الإيرانية، وهذا السلوك الإسرائيلى يهدف فى جوهره إلى فرض واقع أمنى وعسكرى جديد فى منطقة الجنوب اللبناني، بعيداً عن التفاهمات القائمة».
«د. حامد»، أوضح أن «حزب الله لم يتوقف عن أداء دوره كجبهة إسناد قوية لإيران، فى وقت تواصل فيه القيادة فى طهران دراسة كافة السيناريوهات المتاحة للرد على العدوان، واستمرار هذا النهج الإسرائيلى يضع أمن واستقرار المنطقة بأكملها على المحك، ويهدد بانفجار شامل لا يمكن احتواؤه»، مؤكدًا أن «التحركات الإسرائيلية المتسارعة تسعى للقضاء تماماً على أى بارقة أمل للحلول الدبلوماسية، وهذا التعنت يأتى فى توقيت نجحت فيه الضغوط الدولية فى تحقيق اختراقات ملموسة، مثل إعادة فتح مضيق هرمز وعودة واشنطن لطاولة المفاوضات، إلا أن إسرائيل تصر على جعل الخيار العسكرى هو المسار الوحيد والنهائى للتعامل مع الأزمة».