رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النهج النبوى فى دحر التبعية (5)


17-4-2026 | 12:59

.

طباعة
بقلم: د. محمود مالك علوان

إن الضرورات الأمنية والاقتصادية تفرض اليوم على القوى الإقليمية الكبرى «مصر، السعودية، تركيا، إيران، وباكستان» تجاوز الأطر التقليدية والبدء فورا فى تدشين تحالف خماسى عابر للمحاور، فتشكيل كتلة صناعية، تقنية، وسياسية صلبة لم يعد خيارا ترفيهيا بل ضرورة حتمية لكسر أطواق التبعية، ومواجهة مشاريع التطويق التى تقودها إسرائيل، وتحصين المنطقة ضد التحالفات الهجينة التى تسعى لاختراق السيادة الوطنية.

 

فقد كنا انتهينا فى المقال السابق عند آليات تطبيق استراتيجية «التآكل البناء» وكيفية تطويعها وسط أمواج الصراعات الراهنة دون ارتهان لنهاياتها، واليوم ننتقل من التنظير إلى المسار التنفيذي، حيث يبرز التشابك المصلحى الحتمى كركيزة لا غنى عنها، شريطة أن يستند إلى مؤسسات دولة وطنية صلبة قادرة على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص حقيقية، وفى هذا المقال نفصل ملامح هذا النهج وآليات تطبيقه.

أولا: على مستوى المسار الاقتصادى التقنى يجب التكامل من أسفل وبناء القاعدة الصناعية والبدء بمشاريع قطاعية حيوية تخلق تبعية متبادلة إيجابية تجعل قرار الحرب انتحارا اقتصاديا، أيضا علينا خلق منظمة المياه والطاقة المتجددة الإقليمية عبر هيئات تقنية مستقلة تدير الموارد العابرة للحدود، خاصة فى ملف ما يعرف بسد النهضة، حيث يمكن تفعيل دور الوساطة التقنية، وكذلك خلق البنية التحتية العابرة للحدود عبر مشاريع ربط برى وسككى بين «باكستان، إيران، العراق، دول الخليج، الأردن، تركيا، مصر، السودان، حوض النيل»، وأيضا البدء فى التصنيع المشترك وعمل سلاسل للقيمة المضافة، وتوطين الصناعات الاستراتيجية مثل «الأدوية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة المتجددة» بجهد إقليمى للخروج من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الانتاج.

ثانيا: المسار المؤسسى القانوني، أى بناء دولة القانون واللوبى العربي، لأنه لا يمكن بناء تكامل إقليمى بدون دول تمتلك مؤسسات راسخة على المستوى الداخلي، ومن هنا لابد من استقلال القضاء وتفعيل دور الأجهزة الرقابية وتطوير الإدارة العامة بمعايير الكفاءة وسيادة القانون الفعلية وترسيخ الشفافية والحوكمة.

وعلى المستوى الخارجى، تحتاج الدول العربية إلى بناء لوبى عربى إسلامى منظم فى العواصم الكبرى، يتم تمويله عبر صناديق السيادة الشعبية ليكون مستقلا عن تقلبات السياسات الحكومية الرسمية ومحصنا ضد ابتزاز النخب الكومبرادورية، ومهمة هذا اللوبى ليس الضغط فقط لتحقيق المصالح العربية والإسلامية، بل وتصحيح الصورة النمطية المغلوطة التى يروجها خطاب التطرف الدينى المزعوم، وتقديم السردية العربية الحقيقية القائمة على حقائق التاريخ والجغرافيا.

ثالثا: المسار المكاني، عبر تفعيل الدبلوماسية الحضرية وتشجيع توقيع اتفاقيات توأمة وتعاون مباشر بين المدن الكبرى مثل «القاهرة، الرياض، بغداد، إسطنبول، كراتشى، طهران، رام الله» فى مجالات إدارة الموارد والنقل والتخطيط العمرانى والتبادل الثقافي، وهذا يخلق واقعا ملموسا من التعاون الميدانى ويبنى الثقة المتبادلة.

رابعا: المسار التقنى عبر السيادة التقييسية وتوحيد المواصفات، وذلك من خلال إنشاء هيئة موصفات ومقاييس إقليمية لتوحيد المعايير الصناعية والرقمية، واعتماد شهادات جودة معترف بها إقليميا، مما يسهل التبادل التجارى والتصنيع المشترك.

خامسا: المسار الأمني، وذلك عبر بناء الثقة ومواجهة التحالفات العدائية وتدابير بناء الثقة كثيرة، منها فتح خطوط ساخنة بين القيادات العسكرية وتبادل المعلومات ومكافحة مشتركة للتهديدات العابرة للحدود مثل: الإرهاب والجرائم المنظمة من تجارة مخدرات وغسل أموال وسرقة أعضاء ودعارة وتجارة سلاح وغيرها.

والتنسيق لمواجهة التحالفات العدائية يبدأ ببناء تفاهمات أمنية إقليمية بين كل من «باكستان، إيران، الخليج العربى، تركيا، مصر» لمواجهة مشروع «التحالف السداسي» الذى دعا إليه رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو، وتحييد محاولات التطويق التى يقوم بها عبر إثيوبيا وأرض الصومال وأذربيجان وإنشاء آلية تنسيق أمنى لدول البحر الأحمر لمواجهة التهديد الإسرائيلى فى أرض الصومال.

سادسا: المسار الروحى – التربوى من خلال استلهام النموذج النبوى والصوفى المستمد منه عبر إحياء منهج التزكية النبوى فى المؤسسات التربوية والإعلامية، حيث إنه بذكر السيرة النبوية يربط الأئمة بينها وبين قلوب الناس وبينهم وبين ربهم ونبيهم لأنهم حينها يجمعون بين الفكرة والعاطفة، بين نور الذهن وبصيرة القلب وترسيخ قيم الوسطية والرحمة المستمدة من درجة الإحسان النبوية، والتى لا تتحقق للإنسان ما لم يحتذ فى حياته حذو الأخلاق الفاضلة التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم، وبناء خطاب دينى رصين يقدم التصوف المنضبط بالكتاب والسنة كجوهر للإسلام وصورته الناصعة، والحل الأمثل لمواجهة كثير من الحركات المتشددة والمتطرفة التى شوهت صورة الإسلام.

سابعا: المسار الثقافى الشعبي، وذلك عبر بناء السردية الشعبوية الإيجابية لضمان حماية شعبية للمشروع وربطه بالمنافع المباشرة للمواطن، بمعنى خفض سعر الدواء عبر التصنيع العربى المشترك وضمان وفرة المياه عبر الإدارة المشتركة للموارد، وخلق فرص العمل عبر التصنيع المشترك ومشاريع البنية التحتية، وهذه السردية قادرة على تحويل الكتلة التاريخية من مفهوم نخبوى إلى واقع شعبي.

وهنا ننتقل إلى المحور الأخير بوضع خريطة طريق مرحلية من الوعى إلى الاتحاد الكونفدرالي، وفيه نبدأ بمرحلة أولية عاجلة مدتها من عام إلى ثلاث سنوات بكشف كلفة الحرب وبناء الوعى ومواجهة التطويق وفضح التحالفات الخارجية العدائية وآليات ضغطها مثل «إيباك» الصهيونية، والتحالف السداسى لنتنياهو وكشف أكاذيب التطرف الدينى المزعومة ومواجهة التمدد الإسرائيلى فى القرن الإفريقي، وإنشاء منصات بحثية وعلمية وإعلامية لتوثيق اقتصاد الحرب والفساد المؤسسي، ورصد أنشطة اللوبى الصهيونى والبدء فى حوارات إقليمية بين «باكستان، إيران، الخليج، تركيا، مصر، السودان، الصومال» حول التهديدات المشتركة مع تقديم دعم دبلوماسى وقانونى للصومال.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة