لقد بدا ترامب بعد أن أغلق الإيرانيون المضيق يطالبهم بفتحه ويهددهم إذا لم يفعلوا ذلك ستقوم القوات الأمريكية بفتح المضيق بالقوة.. وعندما رفضت الدول الأوروبية مشاركة أمريكا فى فتح المضيق بالقوة، أعلن ترامب رفع يد أمريكا عن الأمر، وقال إنها لا تحتاج لهذا المضيق وتحصل على نفطها بعيدا عنه، ومَن يحتاجه مفتوحًا عليه أن يقوم بذلك بنفسه.. ثم عاد ترامب يهدد ويتوعد الإيرانيين إذا لم يفتحوا المضيق فورا رغم أن الحلفاء الأوروبيين أعلنوا أنهم سيعتمدون على الدبلوماسية لفتح المضيق.. وأخيرا ذهب الرجل الذى كان يهدد لفتح المضيق إلى إحكام غلقه بفرض حصار عليه لمنع مرور أى ناقلات نفط عبره.. وكل هذا يدل على تخبط وارتباك البيت الأبيض خلال الحرب على إيران.
نعم، تكتيكيًا يمكن خلال الحرب اتخاذ قرارات والتراجع عنها أو إرجاء تنفيذها، ولكن دوما يتم ذلك فى إنذار استراتيجى واضح ومحدد.. وبالنسبة لمضيق هرمز لم يعد معروفًا لمَن يتابع ويحلل مجريات الحرب ماذا تريد أمريكا وتستهدفه.. هل فتح المضيق لانسياب تدفق نفط الخليج للأسواق العالمية للسيطرة على ارتفاع سعره العالمى وكبح ارتفاعه أم إغلاق المضيق لحرمان إيران من الحصول على موارد مالية من فرضها رسومًا على ناقلات النفط العابرة منه؟
وهذا التخبط الأمريكى فى معضلة مضيق هرمز يكشف تخبطًا أمريكيًا أكبر فى أمر الحرب على إيران وهو تخبط ظهر منذ اليوم الأول لها.. فقد شنّ ترامب الحرب على إيران بعد أن أقنعه نتنياهو بأنها لن تستغرق سوى أيام قليلة يتم فيها اعتقال المرشد وقيادات إيران العسكرية والسياسية فى الصف الأول والثانى، فيخرج الإيرانيون للشوارع يطالبون بإسقاط النظام ويسقطونه ويأتون بقيادات مطيعة لأمريكا كما حدث فى فنزويلا تقبل بالاستسلام الكامل.. وعندما لم يحدث ذلك رغم اغتيال المرشد وقيادات الصف الأول والثانى، بدأ ترامب يعانى الارتباك ويمارس التخبط فى إدارته للحرب حتى وجد نفسه يتخذ القرار وعكسه.. يهاجم إيران لفتح المضيق الذى كان مفتوحا قبل الحرب، ثم انتهى به المطاف للعمل على إحكام غلقه بفرض حصار بحرى عليه.
وهذا التخبط الأمريكى يدفع ثمنه العالم كله لأنه يطيل أمد الحرب، والمصيبة أن ترامب لا يدركه أو يعترف به وإنما هو يعتقد أنه بذلك يمارس ضغوطا مثمرة على الإيرانيين وأنه نجح فى جذبهم إلى مائدة التفاوض، حينما هددهم بمحو حضارتهم فى ليلة واحدة، أى أنه يتباهى بتنبيه وارتباكه ويرى فيه مهارة وبراعة سياسية.
والأدهى من ذلك كله أن هذا التخبط الترامبى يُبين أن الرئيس الأمريكى لا يكترث بما يتمخض عن تخبطه وارتباكه الذى يسهم فى إطالة أمد الحرب التى أشعلت أسعار النفط، وبالتالى أشعلت التضخم وأدت إلى انفلات أسعار السلع الغذائية.
صحيح أنه عاد إلى البيت الأبيض وهو يرفع شعار «أمريكا أولا»، ولكنه يلحق الأذى والضرر الفادح بالعالم كله، وهذا أمر ليس فى مصلحتها، لأنه يباعد دول العالم عنها ويحولها إلى خصوم لها.
على كل حال، فإن هذا التخبط سيدفع بأمريكا مجددا إلى مائدة المفاوضات، مثلما سيدفع التدمير الواسع بإيران إلى تلك المائدة مجددا؛ بحثا عن اتفاق أو مذكرة تفاهم بينهما.