تعثرت المباحثات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان، والتي يُعوَّل عليها في إعادة الاستقرار إلى الشرق الأوسط بعد أربعين يومًا من حرب مدمرة أضحت فيها المنطقة بؤرة نيران، وذلك بسبب اتساع الفجوة الخلافية بين الجانبين.
وبينما أعلن الجانب الأمريكي، بعد 21 ساعة من المفاوضات، تعثر المباحثات؛ أكد الجانب الإيراني استمرار الخلاف حول قضايا رئيسية، ما يُلقي بظلال من الشك على مستقبل مسار التهدئة بين البلدين.
وعلى الصعيد الباكستاني، أعرب وزير الخارجية، محمد إسحاق دار، عن رغبة بلاده في أن يواصل الطرفان الأمريكي والإيراني تمسكهما بوقف إطلاق النار، مؤكدًا مواصلة العمل على تسهيل التقارب بين الجانبين.
ويترقب أن تكشف الساعات المقبلة عما إذا كانت الأمور ستعود بين البلدين من جديد إلى الصفر، أم سيتم التمسك بالمسار الدبلوماسي؛ باعتبار أنه وحده القادر على أن يجنب المنطقة والعالم ويلات هذا الصراع وما سيسفر عنه من تداعيات.
وحول المرحلة المقبلة، قال مسؤولون في البيت الأبيض: "إن مهمة الإعلان عن الخطوة التالية للإدارة الأمريكية فيما يخص المفاوضات مع إيران متروكة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب"، حسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
فيما نقلت وكالة «فارس» الإيرانية عن مصدر مقرب من فريق التفاوض أنه ليس لدى إيران أي خطط للجولة المقبلة من المفاوضات، مؤكدًا أن الفريق الأمريكي كان يبحث عن ذريعة لمغادرة طاولة المفاوضات.
وشدد على أن الأمريكيين لم يكونوا مستعدين لتخفيض سقف توقعاتهم، كاشفًا أن الولايات المتحدة طالبت خلال المفاوضات بما عجزت عن تحقيقه في الحرب.
وفي غضون ذلك، يشير خبراء إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق بين البلدين نتيجة الفجوة المتسعة بين مطالب كل طرف، ومع ذلك، رجحوا استمرارية الهدنة الهشة لا انهيارها.
استمرار التهدئة «الهشة»
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد عبد الحميد الزهار، الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، أن فشل جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد يعكس عمق الفجوة الاستراتيجية بين الطرفين، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وأشار الدكتور الزهار، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، إلى أن تعثر هذه الجولة لا يعني نهاية المسار التفاوضي، بقدر ما يعكس طبيعة الصراع الممتد، الذي تُستخدم فيه الجولات الدبلوماسية كأداة لإدارة الأزمة، وليس لحسمها بشكل نهائي.
وأوضح أن السيناريو الأقرب خلال الفترة المقبلة هو استمرار حالة التهدئة الهشة، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة، خاصة في ظل غياب تفاهمات مرحلية واضحة بين الجانبين.
وشدد الدكتور الزهار على أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب التحول من منطق الشروط القصوى إلى منطق التسويات التدريجية، وهو ما لم تنضج شروطه السياسية حتى الآن.
وحول الدور الباكستاني في استضافة المفاوضات، أكد الخبير السياسي أنه ساهم في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين، رغم محدودية قدرته على فرض حلول نهائية في ظل تعقيدات المشهد الدولي.
وخلاصة ما يراه الدكتور الزهار أن المرحلة الحالية هي مرحلة «إدارة صراع»، وليست «حل صراع»، وهو ما يعني أن المنطقة ستظل عرضة لتوازنات دقيقة بين التهدئة والتصعيد خلال الفترة المقبلة.
أمريكا تخادع طهران
أما الدكتور نزار نزال، خبير قضايا الصراع، فأكد أن إيران تتفاوض من موقع قوة لا من موقف ضعف، مدركة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تُعدُّ لخديعة ما خلال مسار المفاوضات، ربما تمهيدًا لعمل عسكري يستهدف مضيق هرمز.
ورأى نزال، في تصريح خاص لـ«دار الهلال»، أن هذا النهج يتسق مع أسلوب متكرر في التعاطي الأمريكي مع الملف الإيراني، قائم على الخداع والمباغتة.
وأشار إلى أنه خلال عام 2025، وتحديدًا في شهر يونيو، ووسط مفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ شنت إسرائيل ضربات مفاجئة على إيران.
واستحضر كذلك ما حدث في 28 فبراير الماضي خلال مفاوضات جنيف، حيث سادت أجواء إيجابية، قبل أن تُشنَّ هجمات من جانب إسرائيل والولايات المتحدة على أهداف داخل إيران، ما عزز قناعة طهران بوجود نمط متكرر من «الغدر» أثناء التفاوض.
ويضيف أن الولايات المتحدة حاولت، في سياق هذه الجولة، فرض واقع جديد بالقوة عبر التلويح بفتح مضيق هرمز عسكريًا، إلا أن إيران كانت متيقظة لتلك التحركات.
ورأى أن واشنطن تعتقد أنه بعد المواجهات التي شهدت ضربات مكثفة على البنية التحتية الإيرانية، تدخل طهران مفاوضات إسلام آباد بشعور بالهزيمة، إلا أن ما حصل كان العكس، وهو ما يقلل من احتمالات تقديمها تنازلات إضافية.
ويلفت خبير قضايا الصراع إلى أن مفاوضات جنيف شكّلت نقطة فاصلة، إذ كان يُعوَّل على الجانب الأمريكي لتخفيف شروطه، بينما يُنظر إلى باكستان، المستضيفة لمفاوضات إسلام آباد، كدولة ذات ثقل قادرة على لعب دور الضامن.
وفي تقييمه لنتائج التعثر، رأى نزال أن المستفيد الأكبر هو إسرائيل، إلى جانب الصين التي يُعتقد أنها تفضل انخراط الولايات المتحدة في صراع استنزاف طويل مع إيران.
وفي المقابل، يستبعد عودة الحرب في المدى القريب، مرجحًا أن يسود «تجميد» للأوضاع خلال الفترة المقبلة. ورأى أن هذا التجميد يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية؛ إذ يتيح لها توسيع نطاق عملياتها في ساحات أخرى مثل لبنان والعراق واليمن، في ظل غياب مواجهة شاملة مع إيران.
وخلص نزال إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتجهان، بعد فشل خيار الحسم العسكري، إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية عبر العقوبات، مع الإبقاء على نمط من التوتر المتقطع القائم على تبادل الضربات المحدودة وردود الفعل.