تحت شمس ربيعية دافئة تنعكس أضواؤها على مياه النيل الهادئة، يبرز ممشى أهل مصر كواجهة حضارية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، ففى هذا المشهد يتجلى عبق التاريخ المصرى وعظمة النيل فى تصميم عمرانى حديث، ليصبح الممشى جسرًا يربط بين عراقة الماضى وإنجازات الحاضر على ضفاف النهر الخالد، ويمنح هذا المشروع امتدادًا ممتعًا للزوار؛ إذ يمتد من كوبرى إمبابة وحتى كوبرى 15 مايو بطول 1.8 كم، وفى مسار موازٍ للنيل بعرض متوسط يصل إلى 6.5 متر، ما جعله مقصدًا مفضلاً للمصريين وضيوف القاهرة من السياح العرب والأجانب على حد سواء.
ويستعيد الممشى بذلك الارتباط التاريخى بين احتفالات المصريين بأعياد الربيع وبالأخص شم النسيم ونهر النيل، فمنذ عصر الفراعنة كان يُعرف الاحتفال باسم «شمو»، حيث كانت الطقوس تتركز حول الرحلات النيلية وتقديم القرابين للنيل كمصدر للخير والعطاء، ومنذ ذلك الحين ظل نهر النيل رمزا أساسيا لا يمكن فصله عن احتفالات الربيع المصرية، لتجمع هذه المساحة بين جمال الطبيعة وروح التاريخ فى قلب القاهرة الحديثة، واستمر المصريون على مدار آلاف السنين فى الاحتفاظ بالطقوس الاحتفالية بقدوم الربيع وجعلها مرتبطة بالنيل كإحدى العادات الراسخة فى عيد الربيع، ليشمل الاحتفال التجول على ضفاف النيل والاستمتاع بالرحلات النيلية، أو الجلوس على الحدائق المجاورة لضفاف النيل.
ونجح ممشى أهل مصر فى تقديم لوحة بانورامية متكاملة لضفاف النيل، تبدأ منذ أول خطوات الزائر على كورنيش النيل، حيث يبدو كل تفصيل مخططا بعناية فائقة دون ترك أى شيء للصدفة، فقد صُمم الممشى ليمنح زائريه رؤية واضحة وجلية للنهر على مستويين متوازيين، الأول علوى والآخر سفلى بما يضمن عدم حجب أى مشهد ويتيح للزائرين تجربة بصرية فريدة تجمع بين جمال النيل وروعة التصميم العمرانى الحديث، كما أن المساحات الخضراء تقابلك أينما وليت وجهك لتبلغ 3100 م2 منها 235 شجرة و62 نخلة، لتتضافر مع سطح مياه نهر النيل، فالمساحات الخضراء والورود الملونة تضفى لمسة جمالية أخرى موازية لسطح مياه نهر النيل، لتعلن إطلالة ممشى أهل مصر بأكمله عن قدوم الربيع المصرى، وتتشكل لوحة مثالية تجمع بين أشعة الشمس الذهبية ومياه نهر النيل اللؤلؤية، والمساحات الخضراء الشاسعة والورود الملونة، والتى يزداد تألقها مساء وسط الإضاءات الملونة التى تضفى انعكاسا على سطح مياه النيل.
فممشى أهل مصر ليس مجرد اسم، بل هو وصف لما يعيشه رواد وزوار الممشى على مدار العام، وليس فقط خلال أعياد الربيع، حيث هنا يمكن أن تصادف جميع الفئات العمرية والمستويات الاقتصادية، ما يجعل الممشى بحق ملتقى لأهل مصر جميعًا، كما يرحب الممشى بالوفود العربية من أسر وعائلات والتى وجدت فيه متنزها عائليا مثاليا، وكذلك السياح الأجانب الذين ما زالوا يفتنون بالجو المعتدل والشمس الساطعة والأجواء النيلية المميزة، الفريدة مقارنة بأنهار العالم الأخرى، ويقدم الممشى تجربة متكاملة فى عيد الربيع، حيث تم تصميمه على مستويات متعددة لتلبية احتياجات زائريه، المستوى الأول الممشى العلوى وهو مزين بالحدائق وأماكن الجلوس ويضم عددًا من منافذ الأطعمة والمشروبات والحلويات، ما يتيح للجميع المشى على ضفاف النيل بحرية تامة ودون أى تكلفة، والاستمتاع بالمناظر الطبيعية والمناخ الرائع فى قلب القاهرة.
والمستوى الثانى هو الممشى العلوى ويشهد تجمعا كبيرا من الأسر والعائلات والأطفال والشباب؛ إذ توفر الوجهة النيلية تجربة فريدة، مع مساحات واسعة للجلوس ولعب الأطفال، وسط أجواء آمنة بفضل تواجد رجال الأمن الذين يراقبون المكان لضمان الاستمتاع الكامل بأجواء الربيع المثالية دون أى مضايقات، والأهم أن التجربة متاحة بميزانية منخفضة جدا، حيث لا تتحمل الأسرة سوى تكاليف المواصلات للوصول إلى الممشى، فيما يعد المستوى الثالث وهو العلوى نقطة جذب رئيسية للتجمعات الشبابية، خاصة لمَن يحبون التقاط الصور على ضفاف النيل، أو ممارسة أنشطة حركية مثل السكيت، الباتيناج، الإسكوتر وركوب العجل، مع توفير أماكن مخصصة لركنها على طول الممشى، مما يضمن حرية الحركة والأمان لجميع الزائرين.
وفى عيد الربيع هذا العام، يتحول ممشى أهل مصر إلى مقصد رئيسى للعائلات والشباب والزوار من المصريين والسياح العرب والأجانب، ليصبح نموذجا حقيقيا للمتنزه الترفيهى المتكامل على ضفاف نهر النيل. فهذا أحمد، شاب فى الأربعينيات، جاء برفقة زوجته وأبنائه، قال إن سبب اختيارهم للممشى هو أن المكان مميز وآمن وغير مكلف، ويوفر مساحة للأطفال للعب بأمان باستخدام السكيت أو العجل، فالممشى قريب من مترو الأنفاق، ما يجعل تكلفة الخروج منخفضة، وفى الوقت ذاته المكان المفضل لزوجته ولأطفاله.
ولم يقتصر الأمر على العائلات، بل شهد الممشى تجمعات شبابية لممارسة رياضة «البريك دانس» وسط متابعة الزوار، وبعضهم حرص على التقاط صور تذكارية للعروض الفنية، كما شهد الممشى حضور حفلات الزفاف والخطوبة حيث أتاح للعرسان إطلالات مميزة على النيل مع توفير مساحات واسعة للتصوير، ما جعل التكلفة تكاد تكون صفر مقارنة بأماكن السيشن الشهيرة، حسب قول أحد العرسان.
أما عربات الحنطور، المعلم الأيقونى لكورنيش النيل، فقد جذبت السياح العرب والأجانب الذين استمتعوا بجولات على طول الممشى، بينما يوفر الممشى السفلى بدخول بقيمة 20 جنيهًا مسارات قريبة من ضفاف النيل للجلوس والمشى وسط مساحات خضراء ومدرجات، إضافة إلى 62 محلًا و65 كافيتريا و5 مطاعم، وثلاثة مدرجات لمشاهدة النيل، ومسرح للعروض الفنية والموسيقية، وملاعب بادل لممارسة الرياضة بجانب المياه.
كما أتاح التنوع فى الأسعار والمحلات داخل الممشى السفلى للزائر اختيار الأنشطة حسب ميزانيته، كما تقدم عربات متنقلة مأكولات خفيفة مثل الفشار والذرة وهى من أبرز المسليات التى اعتاد عليها المصريون خلال جولاتهم النيلية، وتزداد أعداد الزائرين خلال الأعياد لتكون التجمعات العائلية والسياح الأكثر حضورا فى مشهد يعكس جمال الطبيعة وأشعة الشمس الذهبية ومياه النيل والخضرة المحيطة.
ويعتبر سكان القاهرة الكبرى أن الممشى هو أفضل متنزه لقضاء أعياد الربيع، مع الجمع بين الهدوء والاسترخاء وجمال الطبيعة ونقاء الهواء بعيدا عن ضوضاء الحدائق الأخرى، فلحظات الجمال فى ممشى أهل مصر لا تُمحى من الذاكرة وهنا يحرص الجميع على التقاط الصور التذكارية، ما جعله أحد أشهر أماكن الفوتو سيشن للعرائس وحفلات الخطوبة والزفاف، كما يولى الممشى اهتماما كبيرا بالنظافة وإدارة المخلفات، مع خلية عمل متواصلة طوال اليوم وسلال قمامة منتشرة لضمان الحفاظ على جمال المكان، خصوصا فى احتفالات الربيع التى تشهد تدفق أعداد كبيرة من الزائرين.
ويشهد الممشى استمرار أعمال التوسعة فى مرحلته الثانية من كوبرى قصر النيل إلى كوبرى إمبابة، والمرحلة الثالثة التى ستربط كوبرى تحيا مصر بكوبرى الساحل، وكوبرى قصر النيل بكوبرى قصر العينى، ما يعكس خطة مستمرة لتطوير الوجهة النيلية، وعلى طول الممشى يبرز التمثال الفرعونى للممشى من تصميم الفنان المصرى أحمد موسى، الذى جسد فيه الجلوس الفرعونى ليرمز إلى العلاقة التاريخية بين نهر النيل والحضارة المصرية، ليكون نقطة جذب لالتقاط الصور التذكارية.
أما فى المساء فالقصة مختلفة تماما، حيث تبدأ أشعة الشمس بالانخفاض لتتدرج على مياه النيل، ومع بداية الغروب تظهر إضاءات الليد على أسطح المياه، ليكتمل المشهد الساحر فى مساء قاهرى، حيث يستمر الزوار فى التمتع بأجواء الربيع على ممشى أهل مصر، والذى أصبح بحق متنزها ترفيهيا متكاملا يجمع بين الطبيعة والتاريخ والحداثة.