بعيدًا عن كونها أطعمة تقليدية، تحول «الفسيخ والرنجة» فى الذاكرة المصرية إلى عنوان للبهجة ولمّ الشمل، فمع حلول احتفالات أعياد «شم النسيم» تختفى الفوارق الاجتماعية وتتوحد الموائد خلف طبق السمك المملح الذى يحمل فى طياته أسرار الصنعة المصرية القديمة فهى حكاية عشق شعبية تتجدد كل ربيع، حيث يتسابق التجار فى عرض بضاعتهم ويتفنن المصريون فى إحياء طقس اجتماعى فريد يجعل من الطعام جسرا للتواصل بين الماضى والحاضر، فهذه الظاهرة ليست عادة موسمية بل امتداد تاريخى عميق يعود إلى العصور الفرعونية، حين اعتاد المصرى القديم على تمليح الأسماك وتخزينها للاستهلاك خلال الأعياد والمواسم.
ومع مرور الزمن، تحولت هذه العادة إلى طقس اجتماعى راسخ يحرص عليه المصريون بمختلف فئاتهم، فتشهد الأسواق حالة من الزخم الكبير مع زيادة الإقبال على شراء الأسماك المملحة بمختلف أنواعها، ويواكب هذا الإقبال نشاط تجارى مكثف؛ إذ يستعد التجار والمصنّعون للموسم قبل أسابيع عبر زيادة الإنتاج وتوفير كميات كبيرة لتلبية الطلب المتصاعد، ويعكس هذا الموسم طبيعة السوق المصرى القائم على الاستهلاك الموسمى، حيث تتحول الفسيخ والرنجة إلى سلعة استراتيجية تحقق خلالها مبيعات ضخمة، وفى ظل التغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج يظل هذا القطاع قادرًا على الصمود، مدفوعًا بارتباطه بعادات وثقافة شعبية مصرية.
وقد أكد التجار أن أسعار الفسيخ والرنجة تباينت هذا العام بحسب الجودة والحجم ومكان البيع، حيث سجل سعر الفسيخ ارتفاعا ليتراوح بين 400 إلى 700 جنيه للكيلو وقد يزيد فى بعض المناطق الراقية حسب الجودة، بينما تراوحت أسعار الرنجة المدخنة بين 140 إلى 200 جنيه للكيلو، أما الرنجة الجاهزة (متبلة أو مشوية) فسجلت أسعارا بين 150 إلى 250 جنيهًا حسب طريقة التحضير، وهذه الزيادات تعود إلى ارتفاع أسعار الأسماك الخام فضلا عن زيادة تكاليف التخزين والعمالة، إلى جانب عوامل النقل والتوزيع.
وخلال جولة ميدانية لـ«المصوّر» بعدد من الأسواق، رصدت حالة من التباين فى آراء المواطنين، حيث أبدى البعض تمسكه بشراء الفسيخ والرنجة باعتبارهما «أساس شم النسيم»، بينما اتجه آخرون لتقليل الكميات أو استبدال الفسيخ بالرنجة الأقل سعرًا، فيقول أحد المواطنين: «مهما الأسعار تغلى لازم نجيب رنجة على الأقل دى عادة من زمان ومينفعش العيد يعدى من غيرها»، فيما أضافت سيدة أخرى: «زمان كنا بنشترى كميات كبيرة، دلوقتى بنجيب على قدنا، الأسعار بقت أعلى من كل سنة»، بينما أشار شاب إلى أنه يفضل الاتجاه لبدائل أقل تكلفة: «بصراحة بقيت أجيب رنجة بس، الفسيخ سعره بقى غالى قوى، ومش كل الناس تقدر عليه».
فيما أشار عدد من البائعين إلى أن موسم شم النسيم يمثل فرصة لتعويض فترات الركود خلال العام حيث تتضاعف المبيعات بشكل كبير خلال أيام محدودة، فيؤكد أحد التجار أن الاستعداد يبدأ قبل الموسم بفترة طويلة من خلال شراء كميات كبيرة من الأسماك وتجهيزها، والجودة هى العامل الأهم فى كسب ثقة الزبائن واستمرار الإقبال، لأن المنافسة فى السوق أصبحت أكبر خاصة مع انتشار البيع عبر الإنترنت، ما دفع بعض التجار لتقديم عروض وخدمات توصيل لجذب العملاء.
فى المقابل أصبح «الكاترينج» خيارا شائعا لتجهيز عزومات شم النسيم دون عناء التحضير فى المنزل، وفى السنوات الأخيرة اتجهت العديد من الأسر إلى الاعتماد على شركات «الكاترينج» والمطاعم لتوفير وجبات شم النسيم، خاصة مع الحرص على ضمان جودة وسلامة الأسماك المملحة. وأشارت سيلفانا وليد، من سكان منطقة التجمع بالقاهرة الجديدة، إلى أهمية اختيار جهات موثوقة تقدم قوائم متكاملة تشمل الفسيخ والرنجة والسردين، إلى جانب أطباق جانبية مثل الطحينة والسلطات والبصل الأخضر والخبز بما يضمن تجربة مريحة وآمنة للجميع، فالميزة الأساسية فى الكاترينج هى توفير الوقت والمجهود، إلى جانب الاعتماد على مصادر موثوقة فى تجهيز الأسماك، وهو أمر مهم نظرا لحساسية تخزين وتحضير الفسيخ تحديدا.
وعن أبرز مكونات عزومات شم النسيم، قالت إنها عادة ما تتضمن الفسيخ وهو العنصر الرئيسى ويُقدم غالبًا منظفًا وجاهزًا للأكل، والرنجة سواء مدخنة عادية أو متبلة بنكهات مختلفة مثل الليمون والزيت أو الطحينة والسردين، وكذا الملوحة كخيارات إضافية لعشاق التنوع، ثم البيض الملون وهو تقليد أساسى فى الاحتفال، وأيضا الخس والبصل الأخضر والملانة (الترمس أو الحمص) لإكمال الطابع التقليدى والطحينة، والسلطات مثل سلطة الطماطم والخيار أو البابا غنوج، ويتم الاتفاق مسبقا مع الشركات وتنسيق العدد مع المكان مع الكميات وطرق العرض حتى يكون الوقت ممتعا، ولا مانع من الاستعانة ببعض العروض الترفيهية كموسيقى الدى جى والألعاب والشخصيات الشعبية كالمهرج والتنورة والساحر للأطفال.
وعن قائمة أسعار الكاترينج فى 2026، أوضح صفوت مسعود، صاحب إحدى شركات الكاترينج الشهيرة، أنها تقديرية حسب السوق فالأسعار تختلف حسب جودة المنتج واسم المطعم أو شركة الكاترينج، لكن يمكن رصد متوسطات تقريبية، فمثلا الفسيخ أسعاره تتراوح بين 350 إلى 600 جنيه للكيلو حسب الحجم والجودة، والرنجة من 220 إلى 320 جنيها للسمكة الواحدة أو حوالى 280إلى 400 جنيه للكيلو، والسردين أسعار تتراوح من 100 إلى 180 جنيه للكيلو، وهناك الاتفاق بالوجبة، فمثلا وجبة فردية جاهزة ونطلق عليها اسم (بوكس شم النسيم) تبدأ من 150 جنيها، وقد تصل إلى 600 جنيه للفرد حسب التنوع، بينما عزومة لـ4 إلى 6 أفراد تتراوح بين 1800 إلى 8000 جنيه حسب الكمية ومستوى الخدمة، وهناك بعض الشركات تقدم باقات متكاملة تشمل التوصيل والتقديم، وقد تضيف رسوم خدمة تتراوح بين 50 إلى 450 جنيهاً.
أما عن أشكال البوكسات الحديثة، قال إنه لم يعد الأمر يقتصر على تقديم الطعام فقط بل ظهرت أفكار تسويقية جذابة مثل بوكسات أنيقة مغلفة بطريقة هدايا وكل أسرة تختار الشكل الأنسب لذوقها وضيوفها، وتقسيم الوجبات يكون داخل علب صحية محكمة الغلق، بالإضافة إلى العصائر أو الحلويات الخفيفة ضمن الباقة، ويتم تخصيص البوكس حسب عدد الأفراد أو النظام الغذائى لهم.