رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الناتو».. تحالف «منقسم»


10-4-2026 | 10:54

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

تشهد العلاقات عبر الأطلسى توترًا غير مسبوق بعد أن هدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسى «الناتو»، وذلك على خلفية رفض الحلفاء دعم واشنطن فى حربها على إيران، ما يضع مستقبل التعاون الدفاعى عبر الأطلسى أمام اختبار صعب، فهل ستتمكن بروكسل وواشنطن من تجاوز هذه الأزمة، أم أن التحولات القادمة ستُعيد صياغة دور الناتو فى النظام الأمنى العالمي؟

 

فى مقابلة مع صحيفة «تلجراف» البريطانية، هدد «ترامب» بأن انسحاب أمريكا من معاهدة الدفاع أصبح «أمرًا لا رجعة فيه»، واصفًا الحلف بأنه «نمر من ورق»، وذلك يأتى فى أعقاب انتقادات مستمرة من جانب «ترامب» للشركاء الغربيين لتقاعسهم عن دعم الضربات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، ورفضهم تشكيل قوة بحرية للمساعدة فى إعادة فتح مضيق هرمز.

وفقًا للمادة الخامسة من معاهدة «الناتو للدفاع المشترك»، يُعتبر أى هجوم على أحد أعضاء الحلف هجومًا على جميع الأعضاء؛ إلا أن تفعيل هذا المبدأ يتطلب إجماع الدول الأعضاء، وقد اقتصرت المعاهدة، التى أُنشئت عام 1949، على الأزمات فى أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع ذلك، فهى ليست آلية تلقائية لاستخدام القوة، إذ تمنح كل دولة عضو الحق فى تحديد الإجراء الذى تراه مناسبًا لتقديم المساعدة، ما يمنحها مرونة فى نوعية الرد، وفى حالة تهديدات «ترامب» الأخيرة، لم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم فعلي، كما لم تُشاور دول «الناتو» الأخرى مسبقًا.

ورغم تصريحاته، لا يستطيع «ترامب» أن يتخذ قرار الانسحاب وحده، فقد صوَّت الكونجرس الأمريكى فى نهاية عام 2023 على منع الرئيس من الانسحاب الأحادى من حلف الناتو دون موافقة أغلبية ثلثى أعضاء مجلس الشيوخ أو بموجب قانون صادر عن الكونجرس، ومع ذلك، لدى «ترامب» سوابق فى تجاوز الكونجرس، على سبيل المثال، بمهاجمة إيران دون الحصول على موافقته، رغم ما ينص عليه قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 من قيود على استخدام القوة العسكرية دون تفويض تشريعي.

من جانبه، صرح الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، بأن «ترامب يقوض حلف الناتو من خلال إثارة «شكوك يومية حول التزامه» تجاه الحلف»، واتهمه بإثارة البلبلة نتيجة تناقضاته المستمرة بشأن النزاع، بينما قال رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر إن «بريطانيا، أقرب حلفاء أمريكا، يجب أن تتقارب أكثر مع أوروبا»، مضيفًا أنه «بينما يواصل العالم مساره المتقلب، فإن مصلحتنا الوطنية طويلة الأمد تتطلب شراكة أوثق مع حلفائنا فى أوروبا ومع الاتحاد الأوروبي».

وتعقيبًا على الاتهامات المتبادلة، قال الدكتور طارق وهبي، خبير العلاقات الدولية: هناك نوع من الانفصام بالشخصية الأمريكية، فهى من أسست الحلف مع منْ ربح الحرب العالمية الثانية لمقاومة المد السوفييتى فى السنوات التى تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أن هذا الحلف هو أهم وأضخم تجمع عسكرى تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية على قياداته العسكرية التى تتحرك فورًا لمجابهة أى طارئ تتعرض له أى دولة عضو، هذا فضلًا عن الاستفادة من بيع الأسلحة، وأهمها الطائرات الحربية وذخيرتها وصيانتها، إلى أكثر من نصف دول الحلف.

وأضاف أن «بدعة الانسحاب هى شكل من أشكال الابتزاز الذى تسعى من خلاله الولايات المتحدة لفرض أهدافها على الدول الأخرى، حتى لو لم توافق عليها، وإذا انسحبت الولايات المتحدة من الحلف، فإن أول مشكلة ستواجهه ستكون تكلفة تشغيله، التى كانت تقريبًا نصفها تعتمد على المساهمة الأمريكية»، مؤكدًا أن «الحلف لن ينهار، لكنه سيصبح نوعًا من الآلية العسكرية لأوروبا أولًا، ومع ذلك، هذا السيناريو غير ممكن، لأن تجذر الولايات المتحدة فى الحلف غير قابل للكسر».

وحول تأثير «ترامب» على دور الحلف، قال «د. وهبي»: عند مراجعة الرحلات العسكرية للناتو فى يوغوسلافيا وليبيا سابقًا، نرى أن أمريكا دائمًا كانت الأولى فى العمليات من حيث التنظيم والتنفيذ، لذلك قبل وصول ترامب إلى ولايته الثانية، كانت الولايات المتحدة تعمل مع الحلف لدعم أوكرانيا لكى تدافع عن نفسها دون أن يكون للحلف أى عمل عسكرى هجومي. وفى المجمل، يحاول الناتو أن يكون الخط الخلفى للدفاع، رغم أن بعض الأعضاء يمتلكون نفوذًا فى مناطق عسكرية معينة، مثل الوجود الفرنسى والبريطانى فى دول البلطيق ورومانيا لحماية الأجواء المحلية.

أما فيما يتعلق بحرب إيران، فأوضح خبير العلاقات الدولية أنها تقع خارج النطاق الجغرافى الأول للحلف؛ لكن «ترامب» يستطيع خلق نوع من اللغط بين الشركاء فى الناتو لدفعهم للتدخل معه فى حرب جرته إليها إسرائيل»، مشددًا على أن «المعضلة حاليًا هى بعض المسائل العسكرية التى تهدف إلى حماية الحلف من الانهيار الاقتصادي. على سبيل المثال، قدرة الحلف على لعب دور شرطى فى مضيق هرمز، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذه القضية أكبر من إرادة الدول، فهى تتعلق أيضًا بتحديث قانون البحار الدولي، ومسألة وضع حد لاستغلال بعض المسائل السيادية كرهينة للاقتصاد العالمي».

بدوره، قال الدكتور أشرف سنجر، أستاذ السياسات الدولية، إن «تهديد ترامب بالانسحاب من حلف الناتو هو رد فعل لحالة الغضب التى أبداها بعد رفض الحلفاء أن يشاركوا فى الحرب على إيران، وفتح مضيق هرمز، لكن العلاقات الأمريكية- الأوروبية مهمة لكلا الطرفين، فلا يمكن لأمريكا أن تظل مهيمنة على السياسات الدولية دون دعم أوروبا، وستكون واقعة غير مسبوقة فى تاريخ الحلف؛ إذا انسحبت دولة كبيرة بحجم الولايات المتحدة، أما أوروبا فهى بحاجة إلى أمريكا لتعزيز الاستقرار فى القارة العجوز، حيث يظل التهديد الروسى حاضرًا بعد الحرب الأوكرانية».

كما لفت «د. سنجر» إلى وجود العديد من المشكلات الأمنية بين الدول الأوروبية. مشيرًا إلى أنه «بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة الضامنة للاستقرار وعدم نشوب صراعات داخل القارة الأوروبية».

أستاذ السياسات الدولية، لفت إلى أنه «من الصعب للغاية أن تنسحب الولايات المتحدة من الحلف؛ إذ تواجه أكبر تحدٍ لها وهى الصين، وبدون الدعم الأوروبى قد يتمكن التنين الصينى من تجاوز أمريكا خلال العقد المقبل، لكن مع الدعم الأوروبي، ستظل أمريكا تقود النظام الدولى حتى عام 2075، أما فى حالة حدوث انسحاب، فقد يدفع ذلك أوروبا لأن تكون قوة موحدة تشكل خطرًا على الولايات المتحدة؛ إذا نجحت فى بناء دفاعاتها وتعزيز مستقبلها الأمني».

وتابع «د. سنجر»: العلاقات الأمريكية - الأوروبية فى هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة؛ إذ تنتهج إدارة ترامب سياسات أحادية تبدو أنانية من وجهة النظر الأوروبية، فى حين تبدو أوروبا أنانية من منظور أمريكى لأنها تعتمد على الإنفاق الدفاعى الأمريكي، ولا تعطى مساهمات تتناسب مع إجمالى الناتج القومى لدعم ميزانية الحلف العسكرية.

«د. أشرف»، شدد أيضا على أن «أمريكا لا يمكن أن تبنى مستقبلها بقيادة ترامب الآن، والحديث سيكون بعد انتهاء ولايته، والنظر إلى الرئيس الجديد»، مشيرًا إلى أن «الانتخابات النصفية القادمة فى نوفمبر ستكون هى الفيصل فى تحديد مستقبل الحرب الأمريكية - الإيرانية؛ إذا ما استمرت لذلك الوقت، ومستقبل العلاقات مع أوروبا».

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة