وفى هذا الإطار، تتجه الدولة إلى تعزيز سياسات كفاءة الطاقة بهدف تقليل الفاقد وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة بما يسهم فى تجنب اللجوء إلى سيناريوهات أكثر صعوبة، مثل تخفيف الأحمال أو زيادة الأعباء المالية، إلا أن نجاح هذه الجهود لا يتوقف فقط على القرارات الحكومية، بل يرتبط بشكل أساسى بمدى وعى المواطنين وتفاعلهم مع قضية الترشيد باعتبارها مسئولية مشتركة.
ومن جانبه، أكد الدكتور طه أبوحسين، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية، أن «المواجهة الرافضة أو السلبية لسلوك الترشيد غالبًا ما تكون مرتبطة بنداء الحاجة أو المصلحة؛ فمثلًا إذا كان لدى شخص ورشة مستقرة بدخل معين ويعتمد عليها مع وجود عمالة، فإن استجابته لفكرة الترشيد تصبح وكأنها عالقة بين مطرقة الحاجة ومطرقة التكاليف، ما يجعل من الصعب عليه تغيير سلوكياته إذا تعارضت مع دخله اليومى أو مصالحه»، مضيفًا أن «إقناع المواطن بأن الترشيد ليس مجرد استجابة لقرار حكومى، بل هو مسئولية اجتماعية، يتطلب إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة؛ ولا بد من إذابة هذه الصورة الذهنية تدريجيًا ليس بالقوة، بل من خلال استجابة إيجابية متبادلة بين الحكومة كسلطة والمواطن كمنتفع ومشارك».
وفيما يتعلق بدور الأسرة فى تغيير سلوك ترشيد الطاقة لدى الأطفال، كشف «أبو حسين» أن «الأساليب التربوية عندما تقوم على قيم ومبادئ واضحة ومرتبطة بأهداف تكون أكثر تأثيرًا، فكما يتم ربط السلوكيات الصحية بأهداف إيجابية، يمكن أيضًا توعية الأبناء بأن استخدام الطاقة يجب أن يكون فى حدود المنفعة وأن ترشيدها ضرورة لأنها مورد قابل للنفاد فحتى مع القدرة على دفع ثمنها قد لا تكون متاحة دائمًا تمامًا، كمَن يملك المال فى الصحراء ولا يجد ما يحفظ به حياته، لذا، من الضرورى غرس هذه القيم فى نفوس الأطفال منذ الصغر».
كما أشار «أبوحسين» إلى أنه «فيما يتعلق بتحويل الترشيد من حملة مؤقتة إلى نمط دائم، فإنه من الواجب التوضيح بأن التربية تمثل الركيزة الأساسية فى حياة الإنسان، فإذا تحولت حملات الترشيد إلى سلوك تربوى متجذر سينعكس ذلك على جودة الخدمات بما يحد من انقطاع الكهرباء والمياه ويحافظ على المرافق العامة ويمنع تدهورها وهو ما يحقق نتائج مستدامة على المدى الطويل».
وحول التحديات التى تعوق التزام الأفراد بترشيد استهلاك الكهرباء رغم وعيهم بأهميته، أوضح «أبوحسين»، أن «المسألة ليست نفسية بحتة؛ إذ إن شعور الفرد بملكيته للمرافق العامة يلعب دورًا حاسمًا فى سلوكه تجاهها، فإذا شعر المواطن أن هذه المرافق ملك له سيحرص على الحفاظ عليها، أما إذا شعر بالإقصاء أو المنع من بعض الخدمات فقد يتولد لديه شعور بالعداء تجاهها، لذلك، فإن تعزيز مفهوم «الملكية الوطنية المشتركة» يعد أمرًا ضروريًا بحيث يدرك المواطن أن المرافق العامة، مثل أقسام الشرطة والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل، هى ملك له، مما يعزز لديه الرغبة فى الحفاظ عليها وعدم إهدار مواردها وهو ما يرتبط فى جوهره بمفهوم التربية الوطنية».
فى المقابل، أكد هانى أبوالفتوح، الخبير الاقتصادى، أن «ترشيد استهلاك الكهرباء أصبح أداة اقتصادية مباشرة فى ظل تجاوز سعر خام برنت 100 دولار، مع عجز تجارى يدور حول -4.58 مليار دولار وسعر صرف يتجاوز 54 جنيهًا للدولار، ما يرفع تكلفة استيراد الطاقة، كما يتزامن ذلك مع تخارج استثمارات أجنبية بنحو 6.5 إلى 6.8 مليار دولار منذ فبراير 2026».
وأوضح الخبير الاقتصادى، أن «كل كيلووات يتم توفيره يخفف الطلب على الدولار ويقلل فاتورة الاستيراد، ما يدعم الموازنة التى تستهدف خفض الدين من نحو 84 فى المائة إلى أقل من 80 فى المائة من الناتج المحلى بنهاية يونيو 2026»، مشيرًا إلى أن «القطاع الصناعى يواجه ضغوطًا مع تراجع مؤشر مديرى المشتريات إلى 48.9 نقطة فى فبراير (منطقة انكماش)، بسبب نقص إمدادات الغاز وهو ما يفرض ضرورة تحقيق توازن بين ترشيد الاستهلاك والحفاظ على الإنتاج من خلال ترشيد كفء وليس قسريا».
«أبوالفتوح»، لفت إلى أن «التقديرات تشير إلى أن خفض الاستهلاك يمكن أن يوفر مئات الملايين من الدولارات سنويًا من فاتورة الاستيراد مما يسهم فى دعم استقرار الأسعار خاصة مع تضخم حضرى بلغ 13.4 فى المائة فى فبراير، هذا فضلا عن أن ترشيد الكهرباء ضرورة اقتصادية لتخفيف الضغط على الدولار والموازنة، لكنه يحتاج إلى سياسات متكاملة تحقق التوازن دون زيادة الأعباء الاجتماعية».