تسير مصر بخطى متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمى للطاقة، عبر استراتيجية متكاملة تقوم على التوسع فى مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة وتنويع مصادر الطاقة بما يحقق الاستدامة والأمن الطاقى، خاصة فى ظل التداعيات التى فرضتها التوترات والصراعات الإقليمية على أسواق الطاقة العالمية، والتى انعكست بشكل مباشر على ارتفاع أسعار الوقود، وهو ما سبق أن أكده الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، بإشارته إلى أن «الحكومة تولى الطاقة النظيفة أولوية استراتيجية، لما لها من دور فى تقليل الاعتماد على الوقود التقليدى، وخفض تكاليف التشغيل، إلى جانب دعم خطط التنمية الاقتصادية».
وفى ضوء هذه التحديات، تبرز أهمية الإسراع فى تنفيذ المشروع النووى المصرى كأحد الحلول الاستراتيجية لضمان استقرار إمدادات الطاقة، حيث يمثل مصدرًا نظيفًا ومستدامًا للكهرباء لا يتأثر بتقلبات أسعار الوقود، وتواصل وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية وفق الجدول الزمنى المحدد بالتعاون مع الجانب الروسى، تمهيدًا لبدء تشغيل أولى وحداته فى عام 2027، بما يعزز قدرة الدولة على تحقيق مزيج طاقة متوازن وآمن.
وبالتوازى مع المشروع النووى، تمضى الدولة فى تنفيذ حزمة من المشروعات فى مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلى جانب إدخال تقنيات حديثة مثل أنظمة تخزين الطاقة، بما يعزز كفاءة الشبكة الكهربائية وقدرتها على استيعاب القدرات المتزايدة، وفى هذا الإطار، برز دور وزارة التنمية المحلية والبيئة بقيادة الدكتورة منال عوض فى دعم تنفيذ هذه المشروعات على مستوى المحافظات، من خلال تيسير الإجراءات، والتنسيق بين الجهات المعنية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، بما يسهم فى تسريع التنفيذ وتعظيم العائد الاقتصادى، إلى جانب دعم توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، بالتعاون مع شركات دولية مثل سكاتك وديستنى إنرجي.
وتشمل جهود «التنمية المحلية» مشروعات رائدة مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية بأسوان، ومشروع دندرة، ومحطات جبل الزيت والزعفرانة لطاقة الرياح، إلى جانب مشروعات قيد التنفيذ مثل محطة شدوان ومشروعات «فالي» للطاقة المستدامة، فضلًا عن التوسع فى الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالشراكة مع كبرى الشركات العالمية.
وتعكس هذه التحركات حجم التطور الذى يشهده القطاع، حيث تبلغ القدرات الحالية للطاقة المتجددة نحو 9 آلاف ميجاوات، مع تنفيذ مشروعات إضافية بقدرات تصل إلى 4 آلاف ميجاوات، فى إطار خطة تستهدف وصول نسبة الطاقة المتجددة إلى 42 فى المائة من إجمالى مزيج الطاقة بحلول عام 2030.
وفى هذا السياق، أكد الدكتور محمد الخياط، رئيس هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة السابق، أن «مصر تمضى بخطى ثابتة نحو تعزيز الاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة، رغم التحديات التى تفرضها الأزمات العالمية على سلاسل الإمداد وتكاليف التنفيذ»، مشيرًا إلى أن الدولة نجحت فى بناء قاعدة قوية لهذا القطاع خلال السنوات الماضية.
«الخياط»، أوضح أن «مسار التنمية فى مصر يعتمد على محورين رئيسيين، الأول يتمثل فى تأمين إمدادات الطاقة التقليدية من الغاز الطبيعى والبترول لدعم النمو الاقتصادى والمشروعات القومية، والثانى يركز على التوسع فى مشروعات الطاقة النظيفة، ونظرا للتوتر فى العالم بسبب أزمة بين إيران وأمريكا وإسرائيل»، لافتًا إلى أن «مشروعات الطاقة المتجددة قد تتأثر بارتفاع أسعار الخامات وتكاليف النقل البحرى والشحن، إلى جانب زيادة مدد التنفيذ».
وفيما يتعلق بالوضع الحالى، قال «الخياط»: تمتلك مصر قدرات إنتاجية من الطاقة المتجددة تُقدّر بنحو 9 آلاف ميجاوات، موزعة بين 2832 ميجاوات من الطاقة الكهرومائية، بينما تمثل طاقتا الرياح والشمس النسبة المتبقية بالتساوى تقريبًا، وتتوزع هذه المشروعات فى عدة مناطق، أبرزها البحر الأحمر، وخليج السويس، والعين السخنة، بالإضافة إلى مشروعات الطاقة الشمسية فى أسوان ومناطق أخرى، كما يجرى تنفيذ مشروعات جديدة بقدرة تصل إلى 4 آلاف ميجاوات، فى إطار خطة الدولة للتوسع فى مشروعات الرياح والطاقة الشمسية، بهدف الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 42 فى المائة من إجمالى مزيج الطاقة بحلول عام 2030، وتعمل الدولة وفق استراتيجية واضحة للطاقة المتجددة تم إطلاقها منذ عام 2008، ويتم تحديثها بشكل دورى، مع التركيز على تنمية مصادر الطاقة النظيفة وتعزيز الاعتماد عليها.
وأضاف: يتميز قطاع الطاقة المتجددة فى مصر بتنوع الاستثمارات، حيث يتيح فرصًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب جذب الشركات الكبرى سواء المحلية أو الأجنبية، والتى تنفذ مشروعاتها بشكل منفرد أو من خلال تحالفات دولية. ويبلغ عدد الشركات العاملة فى مجال الخلايا الشمسية والمعتمدة من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة نحو 150 شركة، وتؤكد هذه الجهود التزام الدولة بتعزيز التحول نحو الطاقة النظيفة، رغم التحديات العالمية، بما يدعم تحقيق التنمية المستدامة وتأمين احتياجات الطاقة فى المستقبل.
وفى السياق، قال الدكتور جمال القليوبى، أستاذ هندسة البترول والطاقة: إن «عدم الاستقرار على مستوى الملاحة البحرية أو المضايق، إلى جانب الحروب العسكرية، له تأثير مباشر على إمدادات الطاقة، سواء فى مناطق الإنتاج أو فى مسارات حركة الناقلات أو حتى فى الدول التى تستورد النفط بكثافة، والدولة المصرية تعمل منذ عام 2017 على عدم الاعتماد على المنتجات البترولية فقط، كما أن مصر اتخذت خطوات جادة منذ ذلك الوقت لتحقيق الاستدامة وكفاءة منظومة الطاقة».
وأضاف أن «أنظمة الطاقة المتجددة تستهدف الوصول إلى نحو 35 فى المائة من إجمالى مزيج الطاقة، بما يتواءم مع أهداف التنمية الطموحة، إلا أن الدولة واجهت تحديات كبيرة نتيجة أزمات عالمية متلاحقة، مثل جائحة كورونا، والحرب الروسية - الأوكرانية، والأحداث العالمية الأخيرة، والحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل، والتى أثرت على الاقتصاد المصرى وعلى المشروعات، وكذلك على الإمدادات المالية من الاستثمارات الخارجية»، موضحًا أن «مصر تمتلك بنية تحتية قوية فى مجال الطاقة، بما يتيح تنوع مصادر الطاقة، حيث تسعى الدولة إلى تنويع مزيج الطاقة بين الطاقة النووية، والكهرومائية، والشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، إلى جانب البترول والغاز».
«د. القليوبى»، لفت إلى أن «التحديات المرتبطة ببناء البنية التحتية أدت إلى تأخير نسبى فى تحقيق الأهداف التى وضعتها الدولة، إلا أن مصر رغم ذلك حققت إنجازات ملموسة، حيث تمكنت من توفير نحو 19.5 فى المائة من إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة».
كما أشار إلى أن «دخول الطاقة النووية يمثل خطوة مهمة، فمع تشغيل المفاعلات النووية الأربعة تباعًا بدءًا من عام 2027 وحتى 2031، سيتم دعم منظومة الطاقة بشكل كبير، حيث تم بالفعل تركيب قلب المفاعل، وجارٍ تنفيذ القبة الخرسانية، على أن يتم الانتهاء منها خلال عام، تمهيدًا لافتتاح أول وحدة فى 2027، ثم مراحل التشغيل التى تشمل التبريد لمدة 4 أشهر، يليها التشغيل الساخن لمدة 6 أشهر قبل التشغيل الكامل».
وتابع أنه «يتم أيضًا العمل على رفع كفاءة المحطات الكهرومائية، مثل السد العالى وسد أسوان 1 و2، ومحطات إسنا ونجع حمادى بأسيوط، إلى جانب تنفيذ مشروعات طاقة رياح بقدرات تصل إلى نحو 39 ألف ميجاوات فى المناطق الساحلية وخليج السويس والصحراء الغربية، وهى مناطق غنية بالرياح ويتم استغلالها ضمن هذه المشروعات»، مشددًا فى الوقت ذاته على أن «التوسع فى الطاقة الشمسية، التى تصل قدراتها إلى نحو 11 ألف ميجاوات، يمثل ضرورة ملحة إلى جانب المشروع النووى، ومشيرًا إلى أنه مع استمرار تنفيذ مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية خلال السنوات القادمة، ستتمكن مصر من تحقيق مستهدفاتها فى هذا القطاع.
كذلك، أكد «د. القليوبى»، أن «مصر من الممكن أن تصبح مركزًا إقليميًا لتداول وبيع وتجارة الطاقة عالميًا، بفضل ما تمتلكه من بنية تحتية قوية وخطوط دولية تربطها بعدد من الدول، سواء من خلال الخط العربى 1 و2، أو الخط الجارى تنفيذه بين مصر وقبرص، بالإضافة إلى محطات الإسالة، ومنظومة البتروكيماويات التى تضم 16 مصنعًا، ومنظومة الأسمدة التى تشمل 21 مصنعًا، وهو ما يدعم مكانة مصر كدولة محورية ومركز إقليمى للطاقة».
بدوره، أكد الدكتور حافظ سلماوى، أستاذ هندسة البترول بجامعة الزقازيق وخبير الطاقة، أن «التحول إلى الطاقة النظيفة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية واقتصادية فى ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الوقود عالميًا»، مشيرًا إلى أن التوسع فى الطاقة المتجددة يسهم بشكل مباشر فى تقليل الاعتماد على الاستيراد، وحماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق العالمية.
وأوضح «سلماوى»، أن «المشروع النووى المصرى يمثل إحدى الركائز المهمة فى منظومة الطاقة، حيث من المتوقع أن يسهم بنحو 12 فى المائة من احتياجات الكهرباء بحلول عام 2030، بما يدعم استقرار الإمدادات ويقلل الاعتماد على الغاز المستورد، لكنه فى الوقت نفسه جزء من الحل وليس الحل الكامل»، مؤكدًا أن «تحقيق التوازن يتطلب التوسع المتوازى فى الطاقة المتجددة، وزيادة إنتاج الغاز والبترول محليًا، إلى جانب استخدام تقنيات حديثة مثل الاستخراج المعزز (Enhanced Oil Recovery)، وتعديل التعاقدات مع المستثمرين، وهى إجراءات استراتيجية من المتوقع أن تظهر نتائجها خلال عامين إلى ثلاثة أعوام».
وأشار «سلماوى» إلى أن «مصر تمتلك مخزونًا استراتيجيًا من البترول يقدر بنحو 40 مليون برميل، مع إنتاج يومى يبلغ نحو 500 ألف برميل، إلا أن الحاجة إلى نحو 100 ألف برميل إضافية يوميًا تمثل عبئًا ماليًا يُقدّر بنحو 6 ملايين دولار يوميًا، أى ما يقرب من مليارى دولار سنويًا، وقد يرتفع إلى نحو 4 مليارات دولار فى حال صعود أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل. وأضاف أن إجمالى العبء الاقتصادى المرتبط بالغاز والبترول قد يصل إلى نحو 21 مليار دولار أو أكثر، وفقًا لتطورات الأزمة العالمية».
وشدد على أن التعامل مع الأزمة يتطلب مزيجًا من الحلول العاجلة والاستراتيجية، حيث تتمثل الحلول السريعة فى ترشيد الاستهلاك وتقنين استخدام الطاقة، مع إطلاق حملات توعية للمواطنين، وخفض الاستهلاك فى الشوارع والمحال، إلى جانب تطبيق سياسات تسعير واقعية تضمن ترشيد الاستخدام دون التأثير على النمو الاقتصادى أو القدرة التنافسية للصناعة.
أما على المدى الطويل، فأكد «سلماوى» أن «الحل يكمن فى تقليل هشاشة منظومة الطاقة من خلال التوسع فى الطاقة المتجددة (الشمس والرياح)، والتوجه نحو كهربة قطاع النقل الذى يستهلك نحو 28–29 فى المائة من إجمالى الطاقة، فضلًا عن إنشاء مخزون استراتيجى للغاز لمواجهة صدمات الأسعار، على غرار ما تطبقه دول مجموعة السبع، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصرى على امتصاص الأزمات المستقبلية وتحقيق الاستدامة».