رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الـ«AI» السلاح الـ«FAKE» فى مسرح العمليات


9-4-2026 | 13:36

.

طباعة
تحليل: وائل الطوخى

ما زالت كواليس التفاعل الإعلامى مع الحرب الأمريكية على إيران تكشف يوما بعد يوم عن تأثيرات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى كنجم بارز فى تغيير مسار خوارزميات منصات التواصل الاجتماعى جذريا، وتأثيره على وعى النشطاء من جهة وتضليل ملايين المتابعين من جهة أخرى؛ لتتعاظم هذه الخوارزميات إلى محركات دعاية هائلة تنتج وتضخم المحتوى العاطفى بسرعة فائقة مع تعزيز تعبئة استقطاب المؤيدين فى حملات موحدة وتشويه معلومات المستخدمين فى الوقت ذاته بالضباب المعلوماتى المكثف؛ ليثبت الذكاء الاصطناعى التوليدى قدرته البارزة على إعادة صياغة الإدراك الجماعى محولًا الحقيقة إلى أداة قابلة للتلاعب فى أكبر حرب معلوماتية رقمية شهدها التاريخ الحديث.

مع دخول الحرب شهرها الثانى أضحى الذكاء الاصطناعى سلاحا أساسيا غير متكافئ يتيح إنتاج آلاف الوحدات الإعلامية المزيفة يوميا، مما يعمق ضباب الحرب ويصعب تمييز الحقيقة من التضليل، هكذا تحولت الخوارزميات من أداة تحليل إلى محرك رئيسى للحرب النفسية والإعلامية فى عصرنا، تعود جذور استخدامها فى التأثير الإعلامى خلال الحروب إلى بدايات العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين؛ حيث تحولت الحروب المعلوماتية من الدعاية التقليدية إلى عمليات هجينة مدعومة بالتقنيات الحديثة؛ حيث بدأت التجارب المبكرة مع حملات التضليل الروسية فى انتخابات 2016 الأمريكية وأزمة القرم 2014 مستفيدة من البوتات والتحليلات التنبؤية، ومع ذلك شكل غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 نقطة تحول حقيقية؛ إذ استخدمت التزييف العميق لأول مرة على نطاق واسع مثل الفيديو المزيف للرئيس الأوكرانى زيلينسكى الذى كان يدعو خلاله للاستسلام، مما أدى إلى انتشار سريع عبر منصات التواصل، وتلت ذلك حرب غزة 2024-2023؛ حيث اعتمدت إسرائيل على أنظمة الذكاء الاصطناعى مثل لافندر للاستهداف، بينما استخدمت الأطراف المتنازعة صورا وفيديوهات مولدة لتشكيل الرأى العام، وهو الأمر نفسه الذى شهدته مواجهة إيران-إسرائيل 2025 وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإيرانية 2026.

ومع التحول النوعى للمواجهات العسكرية الحديثة إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعى ضمن التفاعل الإعلامى؛ حيث أصبح أداة أساسية لإنتاج وتضخيم المحتوى المضلل بكفاءة غير مسبوقة، ففى غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 سُجل أكثر من 15 ألف محتوى مزيف ديب فيكس وصور مولدة فى الأشهر الأولى وفق تقارير الاتحاد الأوروبى، وخلال حرب غزة 2023-2024 تجاوز عدد المنشورات الاصطناعية 250 ألف وحدة حسب تحليلات Cyabra المتخصصة فى مجال الذكاء الاصطناعى وتحليل وسائل التواصل الاجتماعى، أما فى الحرب الأمريكية-الإيرانية فقد أنتجت حملات إيران 37 ألف وحدة محتوى فى الأسبوع الأول فقط محققة أكثر من 145 مليون مشاهدة، بينما رصدت نيويورك تايمز 110 تزييفات عميقة ديب فيكس فى الأسبوعين الأوليين، فيما أظهرت دراسات جامعة جنوب كاليفورنيا ويورونيوز أن المحتوى العاطفى المولد بالذكاء الاصطناعى ينتشر بسرعة تفوق الحقيقى من 6 إلى 10 مرات.

قال الدكتور وليد حجاج خبير أمن المعلومات إن أدوات الذكاء الاصطناعى تلعب دورا مؤثرا وفعالا فى التأثير على وعى النشطاء خلال الحرب الأمريكية-الإيرانية 2026 بطريقة مزدوجة ومعقدة؛ حيث عززت من قدرات التعبئة، فى الوقت نفسه الذى أدت إلى تشويه الوعى الجماعى لديهم موضحًا فى تصريحات خاصة لـ«المصور» أن الذكاء الاصطناعى أسهم فى رفع كفاءة النشطاء المؤيدين لإيران وحسابات مرتبطة بالحرس الثورى الإيرانى من خلال إنتاج محتوى انتصارى سريع ومؤثر، وأضاف أن ذلك شمل مقاطع الفيديو بأسلوب ليجو تسخر من الرئيس ترامب وتزييف عميق (ديب فيكس) تصور ضربات إيرانية ناجحة، وقد ساعد هذا النوع من المحتوى فى توجيه النشطاء نحو حملات موحدة ومنسقة مستفيدًا من نسبة المعارضة الأمريكية للحرب التى بلغت 58 فى المائة، حسب استطلاعات إبسوس، وأشارت صحيفة الجارديان إلى أن إيران أعادت توجيه حساباتها السابقة التى كانت تنشر حول قضايا مثل استقلال اسكتلندا وأيرلندا نحو التركيز على الحرب فورًا، مما رفع مستوى الوعى الجماعى لدى النشطاء بمفهوم المقاومة الإيرانية.

وأضاف «حجاج» أنه من الناحية المقابلة تحول النشطاء أنفسهم إلى ضحايا للضباب المعلوماتى، وأدت الفيديوهات المزيفة مثل مشاهد جنود أمريكيين يبكون أو غرق حاملة الطائرات إبرام لينكولن إلى صعوبة بالغة فى تمييز الحقيقة، مما أدى إلى انتشار معلومات خاطئة داخل الدوائر النشطة الاستراتيجية الإيرانية بأنها تعتمد على الكم لا الجودة، مما يربك حتى النشطاء المحترفين ويجعلهم يعتمدون على محتوى غير موثوق، كما استخدم الذكاء الاصطناعى فى عمليات الترهيب ضد النشطاء الإيرانيين فى الخارج من خلال حسابات مزيفة تبثّ تهديدات مباشرة.

من جانبها قالت إنجى الطوخى الرئيس التنفيذى للجمعية المصرية للصحفيين وخبير التدقيق الصحفى، إن استخدام الذكاء الاصطناعى فى الحرب الأمريكية – الإيرانية جاء كسلاح نفسى مهم، بداية من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى كان يستخدم فيديوهات معدلة بالذكاء الاصطناعى للسخرية أو انتقاد معارضيه أو حتى من رؤساء الدول الأوروبية الذين يرفضون المشاركة فى الحرب، موضحة أن استخدام الذكاء الاصطناعى فى توليد فيديوهات من الجانب الإيرانى خصوصا فى تصوير الصواريخ التى يتم إطلاقها من جانب إيران تجاه الأهداف الأمريكية بهدف التأكيد على القوة الإيرانية.

ولفتت إنجى الطوخى أن تأثير الذكاء الاصطناعى على التفاعل الإعلامى يمثل أحد أسس الحرب النفسية بين الدولتين، بهدف إظهار القوة العسكرية والاستراتيجية وإرهاب العدو، ولكن كان هناك استخدام آخر للذكاء الاصطناعى وهو رواد السوشيال ميديا الذين يتابعون الحرب عن كثب، ومنهم منْ يؤيد الولايات المتحدة الأمريكية فى حربها على إيران، ومنهم منْ يؤيد إيران. مستشهدة بانتشار مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعى مولدة بالذكاء الاصطناعى توضح كمية التدمير التى تسببت فيها إيران على دول الخليج العربى، وبعضها مفبرك بهدف مسح أى محاولة للتعاطف مع إيران بعد الهجوم عليها، كذلك ظهور مقاطع أخرى مولدة بالذكاء الاصطناعى تظهر انفجارات عنيفة فى إيران تسببت بها القوات الأمريكية، ولكن للأسف بعد فترة من انتشار هذه الفيديوهات تم اكتشاف أنها فيديوهات بالفعل لحرائق وانفجارات ولكن فى بلاد أخرى، والهدف كسب تحقيق شعبية تجاه إيران.

وتابعت «الطوخى» أن الذكاء الاصطناعى وأدواته المختلفة سواء وسائط أو نصوصا سوف تكون مادة ثرية بعد انتهاء الحرب الحالية للكشف عن مخاطبة الرأى العام العالمى وليس الإقليمى فقط، فمثلا الشعب الأمريكى الذى خرج بعد مرور شهر من الحرب الأمريكية- الإيرانية للتظاهر ضد «ترامب» كان فى البداية متأثرا بالخطاب الإعلامى سواء الأمريكى أو الإسرائيلى الذى يصور الهجوم على إيران بأنه تجنب لمخاطر قنبلة نووية تصنعها إيران، وكان الذكاء الاصطناعى إحدى تلك الأدوات، لكن مع مرور الوقت ظهرت الحقيقة أمام «الأمريكيين» أن تلك الحرب لا تتناسب مع أهداف ومصالح الشعب.

وكشفت إنجى الطوخى أنه من المفارقات أن البعض استخدم الذكاء الاصطناعى فى محاولة رفع الروح المعنوية بعد مقتل «خامنئى» المرشد الأعلى لإيران، حيث تم إطلاق شائعة وفاة رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» أو اغتياله، وتم الاستناد فى تلك الشائعة إلى فيديو يظهر فيه «نتنياهو» وهو يشرب كوبا من القهوة، وتم تحليل الفيديو بناء على «خوارزميات» الذكاء الاصطناعى، وبدأ البعض يعلن بالدليل القاطع أن هذه الفيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعى وأن «نتنياهو» تم اغتياله، ومع مرور الوقت تم اكتشاف زيف تلك الشائعة؛ «قديما كان يتم استخدام الإعلام فى نقل صورة مخالفة للحقيقة عن ساحة الحرب بهدف رفع الروح المعنوية للجنود وإظهار العدو فى موقف الضعيف الذى يدافع عن نفسه، كما كان يفعل «جوبلز» وزير الدعاية السياسية الألمانية، ولكن مع تطور التكنولوجيا، لم يعد الإعلام فقط هو تلك الأداة بل أيضا وسائل التواصل الاجتماعى، ثم حاليا الذكاء الاصطناعى، وهو أمر مخيف؛ لأن الذكاء الاصطناعى ليس من السهل اكتشافه ويحتاج فترة أطول فى كشفه ومراجعته وتصحيحه بالحقائق».

وكشف أحمد البندارى استشارى التسويق الرقمى أن الذكاء الاصطناعى لعب دورًا محوريًا فى «حرب المعلومات» الموازية للحرب العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؛ حيث بدا تأثيره واضحًا جدًا على خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعى، وظهرت قوته فى هيكلة وعى النشطاء، وتضليل المتابعين.

وأكد البندارى فى تصريحات خاصة لـ«المصور» أن الذكاء حول الخوارزميات من أدوات توصية محايدة إلى محركات دعاية قوية وفعالة، ونتيجة لذلك تحولت خوارزميات المنصات إلى محركات دعاية تعزز الرواية الإيرانية والمناهضة للحرب لدى الجمهوريين الغربى والعربى، فى الوقت الذى يصعب فيه على المنصات كشف التزييف بسبب الحجم الهائل والسرعة الفائقة للإنتاج.

وأشار البندارى إلى أن خوارزميات «إكس» و«إنستجرام» وتيك توك و«فيسبوك» و«بلوسكاى» تعتمد أساسًا على نماذج ذكاء اصطناعى متقدمة تعمل بنظام التعلم الآلى؛ حيث ترتب المحتوى وفقًا لمستويات التفاعل (الإعجابات والمشاركات والمشاهدات ومدة المشاهدة). مبينًا أنه مع اندلاع الحرب أصبح الذكاء الاصطناعى وقودًا لهذه الخوارزميات من خلال مسارين رئيسيين.

وشرح البندارى أن المسار الأول يتضمن القدرة على إنتاج محتوى فائق التفاعل بتكلفة شبه معدومة. استطاعت إيران وحلفاؤها (روسيا والصين) إنتاج آلاف الفيديوهات والصور المولدة بالذكاء الاصطناعى بما فى ذلك الديب فيكس والوسائط الاصطناعية فى ثوان معدودة. متابعا أن هذا النوع من المحتوى يستهدف إثارة العواطف القوية كالغضب والرعب والفخر الوطنى، مما يجعله ينتشر بسرعة تفوق المحتوى الحقيقى من 6 إلى 10 مرات، وفق دراسات جامعة جنوب كاليفورنيا ويورونيوز. وبالتالى تكافئ الخوارزميات هذا الانتشار السريع بعرضه على ملايين المستخدمين.

وتابع: أن الطريقة الثانية تقوم على استراتيجية الفيضان؛ حيث وثقت جامعة كليمسون حملات إيرانية أنتجت 37 ألف وحدة محتوى فى الأسبوع الأول فقط وحققت أكثر من 145 مليون مشاهدة. تعجز الخوارزميات عن التمييز بين الجودة والكمية، فتعطى أولوية قصوى لكل محتوى يولد تفاعلًا سريعًا حتى لو كان مزيفًا، وقد اضطرت منصة إكس إلى تعديل سياساتها فى مارس 2026 لمواجهة هذه الظاهرة إلا أن تنفيذ هذه التعديلات ظل ضعيفًا وغير فعال.

وقال «البندارى» إن الذكاء الاصطناعى أسهم فى تضليل المتابعين بشكل غير مسبوق، وشكل إحدى أبرز سمات الحرب الإعلامية الموازية للحرب الأمريكية-الإيرانية عام 2026. وأوضح البندارى أن الذكاء الاصطناعى أتاح إنتاج ونشر محتوى مزيف بكميات هائلة أسهمت فى تشويه الإدراك العام لدى ملايين المتابعين. وضرب مثالا على ذلك: بالفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعى تظهر غرق حاملة الطائرات الأمريكية إبرام لينكولن وأسطولها، وديب فيكس لجنود أمريكيين أسرى أو باكين داخل سفارة مدمرة، وصور أقمار صناعية مزيفة لتدمير تل أبيب وقواعد أمريكية فى قطر والبحرين، بالإضافة إلى فيديوهات بأسلوب Lego تسخر من الرئيس ترامب وأنتجتها قنوات إيرانية.

وأشار إلى أن الآلية تعتمد على أدوات ذكاء اصطناعى تجارية رخيصة يتم نشرها عبر حسابات وهمية ومؤثرة، ثم تضخمها خوارزميات المنصات. وحتى البيت الأبيض استخدم مزيجًا من المحتوى المولد بالـذكاء الاصطناعى ومشاهد ألعاب فى فيديوهات الترويج، متابعًا أن هذا أدى إلى تشويه الإدراك العام وزيادة معارضة الحرب داخل الولايات المتحدة، مع صعوبة بالغة فى المساءلة عن جرائم الحرب بسبب غموض الحقيقة، كما وصفت «يورونيوز» هذه الظاهرة بأنها إعادة تشكيل للحرب عبر الرأى العام.

أخبار الساعة