رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصـــــر مركز إقليمى للطاقة والحبوب


9-4-2026 | 13:35

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

يمثل مشروع إنشاء مركز إقليمى للحبوب والطاقة فى مصر، بالتعاون مع روسيا والذى دعا اليه الرئيس الروسى بوتين، خطوة استراتيجية تحمل أبعادًا اقتصادية وتنموية كبيرة، خاصة فى ظل التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائى وسلاسل الإمداد، وتزداد أهمية هذا المشروع عندما يتم ربطه ببيانات وإحصاءات حديثة تؤكد حجم الطلب المصرى والإقليمى على الحبوب، وعلى رأسها القمح، وهو ما يعزز من جدوى تحويل مصر إلى مركز لوجستى عالمى يخدم إفريقيا والشرق الأوسط.

 

أهمية المشروع تأتى فى ظل اعتبار مصر واحدة من أكبر مستوردى القمح فى العالم، حيث يعتمد جزء كبير من منظومة الأمن الغذائى على الاستيراد لتلبية احتياجات السكان، خاصة فى ظل استهلاك سنوى يتجاوز 20 مليون طن من القمح، ووفق بيانات حديثة لعام 2025، بلغت واردات مصر من القمح نحو 13.1 إلى 13.2 مليون طن، بانخفاض يتراوح بين 8 فى المائة و10 فى المائة مقارنة بعام 2024 الذى سجل نحو 14.4 إلى 14.6 مليون طن، ورغم هذا التراجع النسبى فإن هذه الأرقام تعكس استمرار اعتماد مصر الكبير على الأسواق الخارجية، وهو ما يبرز أهمية وجود مركز إقليمى لتأمين الإمدادات.

كما تكشف الإحصاءات أيضًا عن هيمنة روسيا على قائمة موردى القمح لمصر، حيث استحوذت على نحو 55 فى المائة من إجمالى الواردات خلال 2025، بإجمالى يقارب 7.8 مليون طن، تليها أوكرانيا بنحو 3.4 مليون طن. هذا الارتباط القوى بين البلدين فى تجارة الحبوب يعزز من فرص نجاح مشروع المركز المشترك، حيث يمكن أن يتحول إلى منصة مستقرة لتدفق الحبوب الروسية إلى مصر ومنها إلى الأسواق المجاورة.

وقد شهدت مصر تحسنًا ملحوظًا فى الإنتاج المحلى من القمح خلال عام 2025، حيث بلغ الإنتاج نحو 10 ملايين طن، مع متوسط إنتاجية مرتفع يصل إلى نحو 2934 كجم للفدان، كما نجحت الدولة فى جمع ما يزيد على 4 ملايين طن من القمح المحلى، وهو ما أسهم فى تقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، ورغم هذا التقدم لا تزال هناك فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، ما يفرض الحاجة إلى بنية لوجستية قوية لإدارة الاستيراد والتخزين وإعادة التوزيع بكفاءة.

ولا شك أن مشروع إنشاء مركز للحبوب والطاقة كحل استراتيجى لسدّ هذه الفجوة، ليس فقط على المستوى المحلى، بل على المستوى الإقليمى أيضًا. فمصر تمتلك مقومات تؤهلها لهذا الدور، من أهمها موقعها الجغرافى الفريد الذى يربط بين قارات العالم، إضافة إلى امتلاكها شبكة موانئ متطورة وبنية تحتية حديثة، تشمل صوامع تخزين قادرة على استيعاب ملايين الأطنان من الحبوب.

كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا فى إنشاء الصوامع الحديثة، ما أسهم فى تقليل الفاقد وتحسين كفاءة التخزين. وتُعد هذه البنية التحتية عنصرًا حاسمًا فى تحويل مصر إلى مركز لوجستى لإعادة تصدير الحبوب إلى إفريقيا، خاصة أن العديد من دول القارة تعانى من نقص فى مرافق التخزين وضعف فى سلاسل الإمداد.

ولا يقتصر المشروع على الحبوب فقط، بل يمتد ليشمل قطاع الطاقة، وهو ما يضاعف من أهميته الاقتصادية. فروسيا تُعد من أكبر منتجى الطاقة عالميًا، وتسعى إلى تنويع منافذ التصدير، بينما تمتلك مصر بنية تحتية متقدمة فى مجال الغاز والطاقة، بما فى ذلك محطات إسالة الغاز وموانئ التصدير. وبالتالى، فإن التعاون بين البلدين يمكن أن يؤدى إلى إنشاء مركز متكامل لتداول الطاقة يخدم الأسواق الإقليمية.

وعلى المستوى الاقتصادى، يمكن لهذا المشروع أن يسهم فى زيادة الإيرادات من خدمات النقل والتخزين وإعادة التصدير، فضلًا عن جذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير فرص عمل، كما أنه يعزز من قدرة مصر على التحكم فى سلاسل الإمداد، وتقليل تأثير التقلبات العالمية فى أسعار الغذاء والطاقة.

أما على المستوى الإقليمى، فإن تحويل مصر إلى مركز لوجستى للحبوب والطاقة يعزز من دورها فى دعم الأمن الغذائى فى إفريقيا والشرق الأوسط. فالقارة الإفريقية، على سبيل المثال، تستورد كميات ضخمة من الحبوب سنويًا، وتعانى من تحديات لوجستية كبيرة. ومن خلال هذا المركز، يمكن لمصر أن تصبح بوابة رئيسية لتدفق الإمدادات، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة وعلاقاتها الاقتصادية المتنامية مع دول القارة.

ورغم الفرص الكبيرة، يواجه المشروع بعض التحديات، مثل الحاجة إلى استثمارات ضخمة، وضمان استدامة الإمدادات، والتعامل مع المنافسة الإقليمية. إلا أن الأرقام الحالية، خاصة حجم الواردات الكبير من القمح، تؤكد وجود طلب حقيقى ومستمر يمكن أن يدعم نجاح هذا المشروع.

وتوضح الإحصاءات الخاصة بعام 2025 أن مصر لا تزال لاعبًا رئيسيًا فى سوق القمح العالمى، سواء كمستورد أو كمركز محتمل لإعادة التوزيع. ومع توافر البنية التحتية القوية، والعلاقات الاستراتيجية مع روسيا، فإن إنشاء مركز للحبوب والطاقة يمثل فرصة حقيقية لتحويل مصر إلى محور لوجستى عالمى، يعزز من أمنها الغذائى، ويدعم دورها الإقليمى فى تأمين الإمدادات للدول المجاورة، خاصة فى إفريقيا والشرق الأوسط.

أخبار الساعة