رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عيد القيامة المجيد


8-4-2026 | 17:37

.

طباعة
بقلم:الأنبا عمانوئيل عياد مطران إيبارشية طيبة الأقصر وتوابعها للأقباط الكاثوليك
في ظلّ عالم يمتلئ بالتّغيّرات السّريعة والضّغوط المتتاليّة، يجد الإنسان نفسه غارقًا في دوامة من الأحداث المتلاحقة، باحثًا في وسطها عن لحظات يلتقط فيها أنفاسه، ليتوقّف قليلاً ويتأمّل في حياته الّتي يعيشها، فيقوم بإعادة ترتيب أوراقه الدّاخليّة، كي يستعيد إحساسه بالمعنى والهدف. وفي تلك الأثناء، تأتي الأعياد، ليس فقط كاستراحة من روتين الحياة ونمطها المُعتاد، بلّ هي بالأحرى تكون كفرصة للدخول إلى العمق، لإعادة اكتشاف ما يوجد بداخله، لاكتشاف معنى الحياة ذاتها. وهنا نجد دور عيد القيامة، الّذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة، بلّ بعمق الحياة ذاتها، إذ يحمل في طيّاته فكرة التّحوّل الّتي تُشكّل جوهر التّجربة الإنسانيّة.

إنّ عيد القيامة يأتي كلّ عامّ حاملاً معه مكانة خاصّة في الوجدان، لأنّه يُمثّل في جوهره إعلانًا للرجاء وانتصارًا للحياة على كلّ ما يبدو أنّه نهاية. فهو مُناسبة تحمل معاني أوسع في عمقها تترك أثرًا إنسانيًّا واجتماعيًّا واسعًا، يمكن أن يلمسه كلّ من يعيش في المجتمع. فالقيامة في معناها الأعمق هي القدرة على النّهوض بعد السّقوط، واستعادة الأمل بعد اليأس، والتّمسّك بالحياة. هذه المعاني هي معاني إنسانيّة مُشتركة بالدّرجة الأوّلى، يمرّ بها الجميع في لحظات مختلفة من حياتهم. إنّ فكرة "البداية الجديدة" الّتي يرمز إليها عيد القيامة، هي فكرة إنسانيّة في جوهرها، يفهمها ويحتاج إليها كلّ إنسان. فالإنسان بطبيعته كائن متغيّر باستمرار، لا يبقى على حالة ثابتة. يمرّ بمراحل من القوّة والضّعف، من الأمل والانكسار، وفي كلّ مرّة يكتشف أنّ هناك إمكانيّة لبداية جديدة. هذه الحركة المستمرّة بين النّهاية والبداية، هي في جوهرها صورة إنسانيّة لمعنى القيامة. هنا يتحوّل العيد إلى رسالة رجاء .

وفي سياقنا المصريّ، يكتسب هذا العيد بُعدًا إضافيًّا حيث يأتي بعده مُباشرةً عيد شمّ النّسيم، ذلك العيد الّذي يجمع المصرييّن جميعًا في مشهد فريد من نوعه. فبينما يحمل عيد القيامة معاني الرّجاء الرّوحيّ، يأتي عيد شمّ النّسيم ليُترجم هذه المعاني إلى فرح ملموس في الحياة اليوميّة، حيث يخرج النّاس إلى الطّبيعة، ويحتفلون ببساطة الحياة. هذا التّلاقي بين العيدين لا يمكن اعتباره مُجرّد تتابع زمنيّ، بلّ هو تعبير عن انسجام أعمق بين البعدين الرّوحيّ والإنسانيّ. إذ يتحدّث الأوّل عن قيامة داخليّة معنويّة، ويُعبّر الثّاني عن قيامة الطّبيعة وتجددّها، وكأنّ الرّسالة واحدة وإن اختلفت اللّغة. ولا يمكننا أن نغفل أنّ كلّ هذا يأتي مع حلول فصل الرّبيع، فصل التّجديد والتّغييّر، حيث تستعيد الأرض حيويّتها وتُزهر بعد سكون، وكأنّ الطّبيعة بأكملها تُشاركنا أفراح التّجديد، ولكن بلغتها الخاصّة الّتي تغمر كلّ ما يُحيط بنا بورود الأمل وأزهار الرّجاء. فالأرض الّتي بدت صامتة تعود فتنبض، والأشجار الّتي فقدت أوراقها تعود للحياة وتخضر. وكذلك الإنسان هو ليس عنصرًا منفصلاً عن الكون، بلّ هو جزء منه. لذا فتجدّد الطّبيعة في الرّبيع، يعكس بطريقة غير مباشرة، إمكانيّة تجدّد الإنسان نفسه.

وفي هذا الإطار، نجد أنّ الكنيسة لا تنظر إلى القيامة كواقع منفصل عن الحياة، بلّ كدعوة مستمرّة للتجدّد الدّاخليّ. فالإنسان مدعو دائمًا أن يترك ما يُثقله، وأن يسعى نحو حياة أفضل، قائمة على المحبّة والغفران والتّجدّد، كما قال البابا فرنسيس في عظته بمناسبة عيد قيامة 2025، أنّ "الحبّ غلب الكراهيّة، والنّور غلب الظّلام، والحقّ غلب الباطل، والمغفرة غلبت الانتقام". إنّ هذه القيم الإنسانيّة المشتركة هي أساس الرّجاء الّذي يدفعنا نحو التّغييّر، نحو التّجدّد وإعادة اكتشاف معاني سامية كالتّسامح والسّلام وحبّ الآخر. فهي دعوة مفتوحة لكلّ إنسان، أن يتأمّل في قدرته على النّهوض، وأن يتمسّك بالرّجاء، وأن يُشارك الآخرين فرحة الحياة، في أبسط صورها وأكثرها صدقًا. فالمعنى الحقيقيّ للقيامة يكمن في القدرة على النّهوض بعد السّقوط، والاستمرار رغم الألم، واختيار الحياة دومًا حتّى في أصعب الظّروف والمواقف. هكذا تتحوّل هذه الفترة من العامّ إلى مساحة زمنيّة خاصّة، تتقاطع فيها معاني مُتعدّدة؛ دينيّة، إنسانيّة وطبيعيّة. وفي هذا التّقاطع، يجد الإنسان فرصة نادرة ليرى الصّورة بشكل أوسع وأشمل، ليُدرك أنّ الحياة، رغم تعقيداتها، تحمل دائمًا إمكانيّة الفرح والتّجدّد. فالتّجدّد هنا لا يعني فقط تغيير الظّروف، بلّ تغيير طريقة النّظر إلى الحياة، واختيار قيم مُجرّدة كالمحبّة والتّسامح والبداية الجديدة. فمن منظور أعمق، يمكن اعتبار هذه اللّحظات بمثابة "استراحة إنسانيّة" تُعيد للإنسان توازنه النّفسيّ، وتمنحه فرصة للتأمّل وإعادة التّقييم. فتُعيد للإنسان فرصة الاستمتاع بالأمور البسيطة الّتي قد ينساها في وسط مشاغل الحياة؛ كالجلوس مع الآخرين، ومشاركتهم اللّحظة، والاستمتاع معهم. تلك اللّحظات البسيطة الّتي تمرّ كلحظات في الزّمن، لكنها تُنقش في أعماقنا ووجداننا طول الحياة. فالفرح والرّجاء هو اختيار شخصيّ، نصنعه حين نتمسّك بالحياة، ونُشاركه مع الآخرين .

أخبار الساعة

الاكثر قراءة