يشهد محيط كنيسة القيامة في مدينة القدس هذه الأيام أجواءً استثنائية مع احتفالات عيد القيامة، حيث يُعاد فتح أبواب الكنيسة أمام الحجاج والزوار بعد فترة من الإغلاق الإسرائيلي التي سبقت طقوس أسبوع الآلام، ويأتي ذلك بعد ضغوط دولية واستنكار لمنع الدخول، وسط استعدادات دينية وأمنية مكثفة لاستقبال آلاف المسيحيين القادمين من مختلف أنحاء العالم لإحياء أهم المناسبات في التقويم المسيحي.
فالكنيسة التي تُعد من أقدس المواقع لدى المسيحيين، حيث يؤمن مسيحيو العالم بأنها شهدت صلب ودفن وقيامة السيد المسيح، تتحول خلال هذه الأيام إلى مركز روحي عالمي تتجه إليه الأنظار، وبين إجراءات الإغلاق ووصد أبوابها بهدف تنظيم حركة الحجاج، والاستعدادات لإعادة فتحها أمام المسيحيين، تتجدد مشاهد الصلاة والترانيم والشموع المضيئة في أرجاء المكان، معلنة بدء رحلة روحية تمتد حتى الاحتفال بعيد القيامة .
في هذا الإطار، أكد الباحث القبطي كريم كمال، أنه في كل مرة تُثار فيها مسألة غلق كنيسة القيامة أو تعذر الوصول إليها، يعود السؤال الأعمق: هل يرتبط الإيمان بالمكان أم أن المكان مجرد وسيط رمزي لتجربة روحية أوسع؟ فهذا السؤال لا يخص الأقباط وحدهم، بل يمتد إلى كل تقاليد التدين التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع العقيدة، ولا شك أن كنيسة القيامة في القدس تمثل مركزًا روحيًا فريدًا في الوجدان المسيحي، إذ ترتبط بأحداث الصلب والقيامة، وهي أحداث تؤسس لجوهر الإيمان ذاته، غير أن تحويل هذه الزيارة إلى ما يشبه الفرض الديني يعد، في تقديري، انزلاقًا نحو فهم شعائري ضيق لا يتسق مع الطبيعة الروحية المفتوحة للمسيحية، فالإيمان كما أراه لا يُختزل في موقع جغرافي مهما بلغت قداسته، بل يتجلى في علاقة الإنسان بالله وفي ممارسته اليومية لقيم المحبة والرجاء.
وقال إنه من هنا فإن وقف الحج إلى كنيسة القيامة، سواء بقرار سياسي أو ظرف أمني، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه أزمة إيمانية، بل اختبارًا لمدى قدرة المؤمن على إعادة تعريف علاقته بالمقدس، فالأقباط عبر تاريخهم الطويل اعتادوا أن يعيشوا الإيمان في ظروف معقدة، ولم تكن الأماكن يومًا شرطًا حصريًا لممارسة الروحانية، فالكنيسة المحلية بأجراسها وصلواتها وطقوسها قادرة على أن تكون قيامة مصغرة تتكرر كل عام دون الحاجة إلى السفر، والبديل عن الحج إذن ليس بديلًا ناقصًا، بل هو إعادة اكتشاف لما هو أصيل، مثل حضور صلوات أسبوع الآلام والانخراط في الطقوس الليتورجية وزيارة الأديرة المرتبطة بتاريخ العائلة المقدسة، مثل دير السيدة العذراء (المحرق) بجبل قسقام بأسيوط، والذي مكثت فيه العائلة المقدسة، ويعتبر الأقباط زيارة الدير المحرق بمثابة حج، وكلها ممارسات تمنح المؤمن عمقًا روحيًا قد يفوق أحيانًا الزيارة العابرة للأماكن المقدسة .
وأوضح بأن البعض قد يجادل بأن البعد عن سياحة التدين يحرر التجربة من طابعها الاستهلاكي ويعيدها إلى جوهرها التأملي، أما عن فتح كنيسة القيامة فالإجابة، بكل واقعية، مرهونة بمعادلات سياسية معقدة تتجاوز الإرادة الدينية، فالقدس ليست مجرد مدينة، بل عقدة تاريخية تتشابك فيها المصالح والنزاعات، ومن ثم فإن ربط الممارسة الدينية بظروفها المتقلبة يظل رهانًا غير مضمون، لذلك فإن التعويل على الفتح القريب قد يخلق حالة من الانتظار المعلق، بينما الأجدر هو التكيف مع الواقع دون التفريط في جوهر الإيمان، وعلى مستوى الأسر المسيحية يتبدى المشهد متنوعًا، فهناك حنين واضح لدى أجيال نشأت على حلم زيارة القدس، خاصة أولئك الذين اعتادوا السفر سنويًا قبل تشديد القيود، فبالنسبة لهم تمثل الرحلة طقسًا شخصيًا بقدر ما هي تجربة جماعية، في المقابل تتبنى أسر أخرى رؤية أكثر التزامًا بموقف الكنيسة، وترى في الامتناع عن الزيارة تعبيرًا عن موقف أخلاقي يتجاوز البعد الفردي.
وأشار الباحث كريم كمال إلى أن الموقف التاريخي للبابا شنودة الثالث يظل علامة فارقة في الوعي القبطي المعاصر، وقراره بمنع زيارة القدس لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان إعلانًا عن رؤية ترى في الإيمان موقفًا من العالم لا انسحابًا منه، فقد ربط بين الروحي والوطني مؤكدًا أن القداسة لا تنفصل عن العدالة، وأن زيارة الأماكن المقدسة لا يمكن أن تكون بمعزل عن السياق السياسي الذي يحيط بها، وخلال عهده كان الأقباط لا يذهبون إلى القدس، بل يذهبون إلى عمق الإيمان من خلال المشاركة في الصلوات خلال أسبوع الآلام وعيد القيامة المجيد، وسوف يظل قرار البابا شنودة الثالث علامة فارقة في التاريخ، تتحدث عن وطنية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر التاريخ .
وأشار الباحث كريم كمال إلى أن الموقف التاريخي للبابا شنودة الثالث يظل علامة فارقة في الوعي القبطي المعاصر، وقراره بمنع زيارة القدس لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان إعلانًا عن رؤية ترى في الإيمان موقفًا من العالم لا انسحابًا منه، فقد ربط بين الروحي والوطني مؤكدًا أن القداسة لا تنفصل عن العدالة، وأن زيارة الأماكن المقدسة لا يمكن أن تكون بمعزل عن السياق السياسي الذي يحيط بها، وخلال عهده كان الأقباط لا يذهبون إلى القدس، بل يذهبون إلى عمق الإيمان من خلال المشاركة في الصلوات خلال أسبوع الآلام وعيد القيامة المجيد، وسوف يظل قرار البابا شنودة الثالث علامة فارقة في التاريخ، تتحدث عن وطنية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر التاريخ.
وأضاف بأنه يبقى السؤال الأخير: هل يمكن للأقباط ممارسة طقوس الحج دون زيارة كنيسة القيامة؟ الإجابة في تقديري نعم، بل وربما بشكل أكثر نقاءً، فالطقوس في جوهرها ليست إعادة تمثيل جغرافي للأحداث، بل استحضار روحي لمعانيها، يمكن للقيامة أن تُعاش في كل كنيسة وفي كل قلب دون أن تكون مشروطة بالحضور الجسدي في موقع بعينه، ولا يقلل هذا الطرح من قيمة كنيسة القيامة ولا من رمزية زيارتها، لكنه يضعها في إطارها الصحيح: علامة على الإيمان لا شرطًا له، وبين الغلق والفتح، يبقى التحدي الحقيقي هو كيف نحافظ على جوهر التجربة الروحية بعيدًا عن تقلبات الواقع، دون أن نفقد شغفنا بالمقدس أو قدرتنا على إعادة اكتشافه في كل زمان.
من جانبه، شدد الراهب الفرنسيسكاني أنطونيوس أبو الخير على أنه حين يتعذر الوصول إلى كنيسة القيامة لا يتوقف الحج، بل يتحول إلى حج داخلي وروحي، فلا يعني انقطاع المسيرة الإيمانية، بل يفتح المجال أمام ما يصفه بـ"الحج الداخلي"، وهذا النوع من الحج يقوم على استحضار مدينة أورشليم في الوجدان من خلال الصلاة والتأمل في آلام المسيح، لا سيما عبر ممارسة "درب الصليب"، وكأن المؤمن يسير فعليًا في شوارع المدينة المقدسة، بالإضافة إلى الانخراط في المقدسات المحلية باعتبارها امتدادًا حيًا لحضور الكنيسة الجامعة حتى خارج الأراضي المقدسة، ولا يقتصر الأمر على الممارسات التعبدية.
ولفت الراهب أبو الخير إلى وجود بعد إنساني أساسي يتمثل في "حج الفقراء"، أي خدمة المحتاجين انطلاقًا من رؤية القديس فرنسيس الذي اعتبر الفقير صورة للمسيح المتألم، كذلك يبرز دور الصلاة من أجل السلام كوسيلة لتحويل الشوق الروحي إلى رسالة تضامن وشفاعة من أجل العالم، مستعيدًا قول فرنسيس: "حيثما يوجد حب وسلام، هناك الله"، وفي المقابل تبقى لكنيسة القيامة مكانتها التاريخية والروحية الخاصة، إذ تعد محور الإيمان المسيحي لارتباطها بموقع صلب ودفن وقيامة المسيح، وقد شُيّدت الكنيسة في القرن الرابع الميلادي على يد القديسة هيلانة، ومنذ ذلك الحين أصبحت وجهة رئيسية للحجاج المسيحيين على مدى نحو 1700 عام، كما تتميز باحتضانها لعدة طوائف مسيحية من كاثوليك وأرثوذكس وأرمن في مشهد يعكس وحدة فريدة رغم التنوع.
وأضاف الراهب الفرنسيسكاني أنه في كل مرة تُغلق فيها أبواب كنيسة القيامة أو تُفرض قيود على الوصول إليها، لا يقتصر المشهد على حدث محلي داخل مدينة القدس، بل يتحول إلى قضية رأي عام كنسي ودولي، فالعالم المسيحي سرعان ما يتفاعل مع مثل هذه التطورات، إذ ترتفع الصلوات في الكنائس عبر القارات، وتصدر بيانات رسمية من الفاتيكان وبطاركة الكنائس، بينما ينخرط المؤمنون في حملات تضامن عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، إلى جانب تحركات دولية تهدف إلى صون حرية العبادة.
وقال إن هناك بُعدًا أعمق من هذا الحراك الظاهر يتمثل فيما يسمى "انتفاضة القلب"، فبحسب تعبيره لا تتوقف رسالة الكنيسة عند حدود البيانات أو التحركات، بل تتجسد أساسًا في الصلاة كفعل إيمان يعكس قناعة راسخة بأن الله يعمل حتى في أزمنة الإغلاق والقيود، فطقوس أسبوع الآلام التي تقام في كنيسة القيامة، بوصفها ذروة الحياة الروحية في هذا الموقع ومؤشرًا على ارتباط المؤمنين به، تبدأ بأحد الشعانين، حيث يُستعاد مشهد دخول المسيح إلى أورشليم في أجواء احتفالية، ثم خميس العهد الذي يُحيي ذكرى العشاء الرباني ويتضمن رتبة غسل الأرجل، أما الجمعة العظيمة فتتخذ طابعًا مهيبًا مع إقامة رتبة الصليب والسجود عند موضع الجلجلة، ثم سبت النور الذي يشكل لحظة مفصلية، إذ يرمز النور الخارج من القبر إلى القيامة، قبل أن تبلغ الاحتفالات ذروتها في عيد القيامة، حيث يُعلن انتصار الحياة على الموت، فهذه الطقوس، رغم ارتباطها الجغرافي بكنيسة القيامة، تتجاوز حدود المكان لتبقى حاضرة في وجدان المؤمنين أينما كانوا.
وحول الطقوس في مصر خلال أسبوع الآلام، أوضح الراهب الفرنسيسكاني أنها تدخلنا في سر آلام المسيح من خلال صلوات البصخة المقدسة التي لا تُقرأ فيها أحداث الآلام فقط، بل نعيشها، أما الألحان الحزينة فتلمس القلب وتوقظه، والإنجيل يُعلن حضور المسيح، وطقس الصلوات الحزين هنا لا يشرح الألم بل يجعلنا نشترك فيه بمحبة، فضلًا عن تنقية القلب بالتوبة من خلال الصوم والسجود والصلوات الطويلة، وتكرار الطلبة: "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك"، كل هذا يجعل الإنسان يراجع نفسه ويتوب بصدق، ويعود إلى الله بقلب جديد، فهكذا تقودنا الكنيسة إلى تجديد داخلي حقيقي، كما تُوحد الكنيسة حول الصليب في كل كنائس مصر، ويعيش المؤمنون نفس الروح، فالجمعة العظيمة تعني سجودًا عميقًا، وخميس العهد يعني تأسيس سر "الإفخارستيا" حيث تواضع المسيح في غسل الأرجل، أما سبت الفرح فيعني صمتًا وانتظارًا، وهنا نشعر أن الكنيسة كلها جسد واحد متألم مع المسيح.
وأشار الراهب أبو الخير إلى أن طقوس أسبوع الآلام لا تقتصر على الذات، بل نصلي من أجل السلام ومن أجل المتألمين والفقراء ومن أجل العالم كله، وطقوس القيامة ليست يأسًا، بل كل لحن حزين يحمل رجاء، وكل دمعة تنتظر فرح القيامة، وفي النهاية نصل إلى النور وإلى الفرح والانتصار، والمعنى الفرنسيسكاني العميق أن القديس فرنسيس الأسيزي رأى في آلام المسيح حبًا بلا حدود وتواضعًا إلهيًا ودعوة لنعيش الفقر والبساطة، والخلاصة: طقوس أسبوع الآلام في مصر تدخلنا في سر الفداء، لا نكتفي بأن نحضر الصلوات، بل تُطهِّر القلب وتُوحد الكنيسة وتفتحنا على العالم وتقودنا إلى القيامة.
ونوه أبو الخير إلى أنه خلال هذا الأسبوع تُرفع بقوة صلوات لأجل السلام وتحرير الأرض المقدسة، والكنيسة كلها تصلي من أجل السلام في العالم والأرض المقدسة وحرية العبادة في كنيسة القيامة، وهذه النية حاضرة في القداسات والطلبات والصلوات الخاصة، لذا تصلي الكنيسة في مصر من أجل السلام في القداسات والصلوات، خاصة خلال أسبوع الآلام، وتُذكر نية السلام في العالم، وتُرفع طلبات من أجل إيقاف الحروب، وأيضًا نصلي لأجل المتألمين والمظلومين، وهذا يتماشى مع وصية المسيح: "طوبى لصانعي السلام"، فالصلاة تشمل الأرض المقدسة بوضوح روحي عميق، ومن أجل المؤمنين هناك، ومن أجل حرية العبادة في الأماكن المقدسة مثل كنيسة القيامة، ليس بالمعنى السياسي، بل بروح إنجيلية بأن "يعمّ السلام.. أن تُصان الكرامة الإنسانية.. أن يبقى الإيمان حيًا".
واختتم بقوله: في الطقس القبطي الطلبات مليئة بعبارات مثل: "سلام العالم" و"سلام الكنائس" و"سلام الشعوب"، لذا تصلي الكنيسة بروح الشفاعة من أجل الجميع دون تمييز بمحبة شاملة، كما علّم القديس فرنسيس الأسيزي: "السلام يبدأ من القلب.. نصلي حتى لأجل الأعداء.. نحمل العالم كله في صلاة بسيطة ومتواضعة"، وكان فرنسيس يقول: "اجعلني يا رب أداة لسلامك"، وخلال أسبوع الآلام تأخذ هذه الصلوات عمقًا أكبر، فنصلي لأجل إنهاء الحروب والمصالحة بين الشعوب وشفاء الأرض المقدسة، لذلك تُرفع الصلوات في مصر من أجل السلام، من أجل العالم ومن أجل الأرض المقدسة، لكن بروح إيمانية لا سياسية، وبمحبة لا صراع، وبرجاء لا يأس، لأن السلام لا يُطلب فقط بل يُصنع.