حين جلست في مقعدي لم أكن أشاهد “متولي وشفيقة” بل كنت أعيشها بكل تفاصيلها، شعرت وكأنني أخطو داخل حكاية أعرفها جيدًا لكنني أراها هذه المرة من زاوية مختلفة تمامًا.
هي حكاية قديمة نعم لكنها هنا بدت نابضة بالحياة، قاسية وصادقة إلى حد الإيلام، منذ اللحظة الأولى اختار المخرج أمير اليماني ألا يروي القصة كما اعتدناها بل أن يجعلنا نشعر بها، لم يكن هناك استعراض تقليدي للأحداث بل تفكيك واعٍ لها، وكأن العرض يهمس لك بأن ما رأيته من قبل لم يكن الحقيقة كاملة بل مجرد رواية واحدة من بين روايات عديدة.
اللافت أن العرض لا يُدين أحدًا بسهولة بل يضعك طوال الوقت في منطقة رمادية مربكة، متولي لم يظهر كأخ قاسٍ فحسب بل كإنسان مثقل بمسؤولية لم يخترها، رجل حاول أن يكون أبًا قبل أن يكون أخًا فدفع الثمن من قلبه قبل أفعاله.
قدّم أمير اليماني درسًا حقيقيًا في كيف يمكن للمسرح أن يكون حيًا، إدارته للإيقاع كانت دقيقة، لا لحظة زائدة ولا مشهد بلا معنى، كل تفصيلة على الخشبة بدت محسوبة بعناية، صمت مقصود ونظرة ممتدة وحركة جسد تقول ما تعجز عنه الكلمات.
الأجمل أن رؤيته لم تعتمد على الإبهار الفارغ بل على الإحساس الصادق، التنقل بين الأزمنة جاء سلسًا حتى بدا وكأن الماضي والحاضر يتداخلان داخل وعيك أنت لا على خشبة المسرح فقط، لم تشعر أنك تشاهد فلاش باك بل كأنك تعيش ذاكرة تُفتح فجأة وتُغلق فجأة تاركة داخلك ارتباكًا مشدودًا.
أما الصورة البصرية فجاءت كلوحة مشحونة بالمشاعر، الديكور بدا بسيطًا ظاهريًا لكنه محمّل بإيحاءات الوحدة والضياع، كأن الشخصيات تتحرك داخل فراغ يشبه فراغها الداخلي، والإضاءة لعبت دورًا خفيًا لكنه بالغ التأثير تنقلك بسلاسة من دفء لحظة إنسانية إلى برودة قاسية في لحظة انهيار دون أن تشعر بحدّة الانتقال.
وعلى مستوى الأداء لم يكن هناك استعراض تمثيلي بل صدق واضح، الشخصيات لم تؤدِ أدوارها بقدر ما عاشت أمامنا، وهذا هو الفارق الحقيقي بين عرض يُنسى سريعًا وآخر يظل عالقًا في الذاكرة.
تميّز الممثلون جميعًا وقدّمت الممثلات الثلاث شخصية شفيقة بعمق لافت، بينما جاء أداء محمد فريد في دور متولي مبهرًا بحضور طاغٍ وثبات واضح حتى في أدق تفاصيل اللهجة الصعيدية التي لم تفلت منه لحظة، وظل متمسكًا بالشخصية حتى النفس الأخير.
لكن الحقيقة الأهم أن العرض لم ينتهِ مع إسدال الستار، خرجت وأنا أحمل سؤالًا ثقيلًا هل كنا نظلم شفيقة طوال الوقت، وهل كانت الحكايات التي ورثناها عادلة فعلًا أم أننا صدقنا الرواية الأسهل فقط.
ما فعله أمير اليماني هنا لم يكن مجرد إخراج مسرحي بل إعادة إنصاف لحكاية كاملة، أعاد ترتيب المشاعر قبل الأحداث ومنح كل شخصية حقها في أن تُفهم لا أن تُحاكم.
متولي وشفيقة ليست مجرد مسرحية بل تجربة إنسانية موجعة تذكّرك بأن خلف كل حكاية نعرفها حكاية أخرى لم تُروَ بعد.
قضيت ساعة ونصف من المتعة الكاملة لكنني في الحقيقة لم أخرج كما دخلت، ذهبت لمشاهدة قصة أعرفها وعدت وأنا أواجهها، أربكني العرض ووضعني في حالة لا تسمح بالمشاهدة الباردة، لا توجد مسافة آمنة بينك وبين ما يحدث بل تجد نفسك متورطًا منحازًا ومجبرًا على إعادة التفكير.
ما يقدمه اليماني يتجاوز الإخراج التقليدي، هو لا يصنع عرضًا بقدر ما يبني تجربة شعورية متكاملة، إيقاع العمل متماسك كنبض قلب متسارع وكل انتقال يبدو امتدادًا طبيعيًا لانكسار سابق لا مجرد تبديل مشهد.
الأهم أنه تعامل مع الشخصيات ككائنات بشرية حقيقية بكل تناقضاتها لا كأدوار نمطية، الرؤية الإخراجية كانت واضحة في كل تفصيلة دون افتعال أو استعراض.
اعتمد على بساطة ذكية في التكوين البصري، مساحات تبدو فارغة لكنها في الحقيقة ممتلئة بالمعنى، وكأن الفراغ ذاته يصرخ بما تعجز الشخصيات عن قوله.
حتى بعد مرور أيام على مشاهدة العرض ما زال السؤال يلاحقني، هل كنا قساة في أحكامنا، وهل كانت الحكايات التي نحفظها ناقصة دائمًا.
ما قدمه أمير اليماني ليس إعادة تقديم لمتولي وشفيقة بل إعادة نظر كاملة في الحكاية، جعلنا نرى ما لم نكن نراه ونشعر بما تجاهلناه طويلًا، إنها تجربة تؤكد أننا أمام مخرج واعد يكتب اسمه بثقة في عالم المسرح.