رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جيل يحب التّلعيب

4-4-2026 | 14:12

أحمد فضل شبلول

طباعة
أحمد فضل شبلول

تتسارع السنوات والشهور والأيام، ويكبر الأطفال الذين كانوا يتعاملون مع الألعاب الإلكترونية البدائية (مثل لعبة التنس والشطرنج الإلكتروني، ومباريات كرة القدم الإلكترونية أو الفيفا الإلكترونية.. إلخ).

وما كان يُقدَّم لهم على مدار سنوات أو شهور أصبح يُقدَّم لهم خلال أيام أو ساعات، إن لم يكن دقائق، مما جعل تراكم المعرفة عبر طبقاتها المختلفة يأخذ وقتًا أسرع بكثير مما مضى. ولكن أي معرفة؟ وأي ثقافة؟ وأي لغة، وأي زمن؟ بل وأي ديانة؟ سيقتنع بها جيل الإنترنت، أو جيل زد في مستقبل أيامهم؟

لقد تجاوز جيل زد كل تصوراتي ومعظم توقعاتي في كتابي "أدباء الإنترنت أدباء المستقبل" الذي صدر في طبعته الأولى عام 1996، وتجاوز كل ما تحدثت عنه بخصوص ديمقراطية المعرفة في زمن المعلوماتية، والمجلات الأدبية الإلكترونية، والزيارات إلى المكتبات العالمية وأنت لا تراوح مكانك، ومنظومة النص المحوري المرجعي، والتخلص من فيض المعلومات، وملامح النقد الإلكتروني، والألعاب التي تؤدي إلى العزلة، وطفل الإنترنت، وخطورة الشبكة على أطفالنا، والمعاجم الإلكترونية.. إلخ. أصبحت مثل هذه الموضوعات وغيرها من التراث القديم، مقارنة بما وصل إليه جيل زد، وما ستصل إليه الأجيال اللاحقة.

وقد ذكرتُ في مقدمة كتابي "ثورة النشر الإلكتروني" – الذي أهديتُه إلى الخوارزمي وبيل جيتس – (طبعة أولى 2004): "أننا الآن أمام مفترق طرق ووضع صعب، فمع احتياجنا لترسيخ إحدى قدمينا في أساسيات الماضي، نجد أننا بحاجة أيضًا إلى انطلاق الأخرى قُدمًا نحو المستقبل". ولكن يبدو أنه بعد أكثر من عشرين سنة، انطلق جيل زد بعد أن تحرَّر من "أساسيات الماضي".

دعونا في البداية نتعرف على مصطلح جيل زد، وهل يختلف عن الأجيال التي سبقته؟ هل يقرأ مثلما كان يقرأ الجيل – أو الأجيال – السابقة عليه، سواء في الكتب الورقية أو على الشاشات الإلكترونية؟ هل يتعامل مع "الحياة" كما تتعامل الأجيال السابقة، أو كيف يفهم الحياة واللغة والشعر والأدب والسياسة والدين، وغير ذلك من التساؤلات الحيوية؟

جيل زد (Generation Z) هو المصطلح الذي يُطلق على الفئة الديموغرافية التي تلي جيل الألفية (Millennials) وتسبق جيل ألفا (Alpha). يُعرف أفرادُه بكونهم "مواطنين رقميين"، لأنهم أول جيل ينشأ في ظل الانتشار الكامل للإنترنت وتقنيات الهواتف الذكية.

وهم مواليد السنوات ما بين 1997 و2012 تقريبًا. وبحلول عام 2026، تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عامًا.

وهم يتميزون بقدرة تقنية عالية واعتمادٍ كليٍّ على وسائل التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك وإنستجرام وريلز وغيرها) للتواصل والحصول على المعلومات والفيديوهات. وهو جيل يهتم بقضايا التنوع والعدالة الاجتماعية والتغير المناخي. كما يميلون إلى البحث عن التوازن بين العمل والحياة الشخصية. ويمتلكون وعيًا أكبر بالصحة النفسية مقارنة بالأجيال السابقة، لكنهم أيضًا أكثر عرضة للقلق والضغوط بسبب التأثير المستمر للشاشات والبرامج والمقارنات الرقمية.

إنهم يطورون مصطلحاتهم الخاصة، ويلجأون إلى رموزٍ تعبيرية بمعانٍ مختلفة؛ فعلى سبيل المثال، يستخدمون رموزًا للبكاء للإشارة إلى الضحك الشديد بدلاً من الحزن (وكأنهم يطبقون المثل الشهير "الذي يزيد عن حده ينقلب ضده"). ومنذ صغرهم يشاهدون مقاطع الفيديو والمسلسلات عبر الإنترنت (غالبًا عبر يوتيوب)، ويلعبون الألعاب الإلكترونية. ونظرًا لحيويتهم وطريقة تفكيرهم المختلفة، يكتسبون مصطلحات جديدة، مثل:

Cap تعني "كذب"؛ وإذا قالوا No Cap فهم يقصدون "صدقني، أنا لا أمزح".

Bet تعني "تم" أو "أنا موافق".

Slay تُستخدم للتعبير عن الإعجاب بشخص قام بعمل مذهل أو يبدو بمظهر رائع.

Delulu (اختصار لـ Delusional متوهم)، وتُستخدم غالبًا للمزاح حول التفاؤل المفرط.

Glow up تشير إلى التحول الإيجابي الكبير في المظهر أو الشخصية (متألق).

وهم لا يفضلون الانتظار للتقييم السنوي؛ بل يحبون معرفة رأيك في أدائهم أولاً بأول. ولديهم قدرة هائلة على العمل عن بُعد، أو ما يسمى بالساعات المرنة، ويبحثون عن التوازن بين حياتهم والوظيفة. وهم يكرهون الغموض الإداري ويفضلون التواصل المباشر والصادق. وينجذبون إلى الشركات التي تتبنى قضايا اجتماعية أو بيئية واضحة، وليس فقط الربح المادي.

هذا الجيل يكره الرقابة اللصيقة، ويحب الاستقلالية، وتحفيزهم يكون عبر إعطائهم ملكية المشروع، والحرية في اختيار الطريقة التي ينجزون بها المهام، طالما أن النتيجة النهائية ممتازة. وإذا كانت هناك أدوات تقنية أو برامج ذكاء اصطناعي تُسرِّع العمل، فسيتحمسون جدًا لاستخدامها. ولا يجدي معهم الإجبار على طرق تقليدية "عفا عليها الزمن"، مثل مسألة الحضور والانصراف في المؤسسات التقليدية.

ولعل الطريقة المثلى للتعامل معهم هي منحهم "الأمان النفسي" عن طريق تشجيعهم على مشاركة أفكارهم حتى لو كانت غريبة. هذا الجيل يفضل أن يُسمع صوتُه، ويشعر بأن رأيه مؤثر بغض النظر عن مسمَّاه الوظيفي. ويجب توفير فرصٍ لتعلم مهارات جديدة باستمرار. إنهم يميلون إلى ترك العمل إذا شعروا بالركود المهني، أو إذا كان العمل "استاتيكيًّا".

وهناك مصطلحات جديدة قد يتداولونها في حياتهم الوظيفية، مثل:

Rizz (اختصار لـ Charisma كاريزما) وتعني الجاذبية أو القدرة على الإقناع والتأثير.

Rent Free ويُستخدم هذا المصطلح عندما لا يستطيع شخص إخراج فكرة أو شخص آخر من رأسه (ويعني: هذا المشروع يعيش في عقلي)، ويقترب من المعنى المباشر "إيجار مجاني" أو "إيجار حر".

Main Character Energy وهي جملة تُقال عن الشخص الذي يثق بنفسه جدًا ويتصرف وكأنه بطل الفيلم في حياته الخاصة، أو تعني "طاقة الشخصية الرئيسية".

I'm Weak تُستخدم عند الضحك الشديد لدرجة الضعف، وليس لوصف ضعف حقيقي.

وبما أن جيل زد نشأ وبيده هاتف ذكي، فإن أفراده يميلون إلى الأدوات التي تتميز بواجهات بسيطة، وتزامن فوري، وقدرات ذكاء اصطناعي. ومن القائمة المفضلة لديهم نذكر:

في مجال إدارة المهام والتنظيم (The All-in-One) "الكل في واحد":

Notion هو "المقدس أو الفكرة المقدسة" لديهم. يستخدمونه لكل شيء: كتابة الملاحظات، وتتبع المشاريع، وحتى تنظيم حياتهم الشخصية بفضل مرونته العالية.

Trello / Monday.com يفضلون هذه الأدوات لأنها تعتمد على "البصريات" (سحب وإفلات المهام) بدلاً من القوائم الكتابية المملة.

وللتواصل السريع (Instant Vibes) أو "المشاعر الفورية"، يفضلون منصات Slack وDiscord؛ لأنها تشبه تطبيقات الدردشة، فهي تسمح باستخدام الرموز التعبيرية (Emojis) والـ GIFs، مما يجعل بيئة العمل أقل رسمية وأكثر حيوية.

Loom: بدلاً من كتابة إيميل طويل، يفضلون تسجيل "فيديو سريع لشاشتهم" وشرح الفكرة في دقيقة.

وفي مجال الإبداع والتصميم (Pro but Easy) يستخدمون (في المجال الاحترافي والسريع والسهل) Canva، وهي الأداة رقم 1 لديهم للتصميم السريع والمبهر دون الحاجة إلى تعقيدات فوتوشوب.

CapCut لإعداد فيديوهات قصيرة واحترافية للمشاريع أو العروض التقديمية.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي (The Work Bestie):

ChatGPT / Claude لا يستخدمونها للغش، بل للعصف الذهني أو كـ "مساعد تفكير" (Brainstorming) لتوليد أفكار وتلخيص اجتماعات.

Otter.ai لتسجيل الاجتماعات وتحويل الكلام إلى نص تلقائيًّا حتى لا يضطروا إلى كتابة محاضر الاجتماع يدويًّا.

نضيف إلى ذلك أن جيل زد يكره "الإيميلات الرسمية" أو الرسائل الطويلة؛ وإذا أراد شخصٌ ما الوصول إليهم بسرعة، عليه أن يستخدم Slack أو رسالة مباشرة مختصرة.

ولإعداد بيئة عمل رقمية ترفع من إنتاجية جيل زد وتجعلهم يشعرون بالانتماء، علينا التركيز على "الرقمنة السلسة" بعيدًا عن البيروقراطية، وذلك عن طريق الخطوات الأساسية:

1– إلغاء "ثقافة الإيميلات" الداخلية: عن طريق نقل التواصل اليومي إلى Slack أو Microsoft Teams. فهذا الجيل يفضل المحادثات السريعة (Chat) التي تتيح استخدام الرموز التعبيرية، مما يقلِّل من حواجز الرهبة الوظيفية ويجعل التواصل أكثر إنسانية.

2– التوثيق المركزي أو المصدر الواحد للحقيقة (Single Source of Truth): عن طريق استخدام Notion أو ClickUp كقاعدة بيانات لكل شيء (سياسات الشركة، أهداف المشاريع، الملاحظات).

فهذا الجيل يكره البحث في ملفات Word قديمة أو السؤال عن معلومة بسيطة. إنهم يفضلون الوصول إلى كل شيء من خلال "بحث" سريع بأنفسهم.

3– اعتماد "الاجتماعات المرئية القصيرة"، بدلاً من اجتماعات الساعة الكاملة، من خلال فيديوهات Loom لشرح المهام، وجعل اجتماعات Zoom مخصَّصة فقط للعصف الذهني أو بناء العلاقات الاجتماعية. فهذا الجيل يقدّر وقته جدًا ويشعر بالإحباط من الاجتماعات التي "كان يمكن أن تكون رسالة نصية".

4– التغذية الراجعة "المستمرة" (Real-time Feedback): من خلال استخدام أدوات مثل 15Five أو حتى قنوات خاصة في Slack للثقة والمديح (Kudos). ذلك أن جيل زد يحتاج إلى معرفة أنهم يسيرون على الطريق الصحيح بشكل لحظي، ولا يفضلون انتظار التقييمات ربع السنوية أو نصف السنوية أو السنوية التقليدية، مثل تقييم أو تقرير النشاط السنوي العام.

5– دمج الذكاء الاصطناعي كـ "زميل عمل": عن طريق استخدام أدوات مثل ChatGPT لتلخيص محاضرة، أو Gamma لإنشاء عروض تقديمية بلمحة بصر، مما يجعلهم يفخرون بالعمل في مكان "مواكب للمستقبل" وليس عالقًا في الماضي.

ولعلنا نستطيع الحديث عن إدارة التوقعات مع جيل زد في بيئة مفتوحة، وهو ما يتطلب توازنًا دقيقًا بين المرونة والحزم. وبما أنهم يقدّرون الوضوح دون أن يُخنق إبداعهم، فيجب تحديد "بروتوكول" التواصل معهم. وبما أن التواصل يتم عبر تطبيقات الدردشة (مثل Slack)، فيجب تحديد، وبوضوح، متى يجب توقع الرد. مثلاً: "الرسائل المباشرة للرد في غضون ساعتين، أما المنشورات العامة فخلال يوم عمل". هذا يمنع شعور هذا الجيل بالضغط النفسي للرد الفوري خارج ساعات العمل.

ويجب أن تكون النتائج واضحة تمامًا بدلاً من مراقبة عدد الساعات التي يقضونها خلف الشاشة، ربما بدون إنتاج. قل لهم: "لا يهمني أين أو متى تعمل، طالما أن التقرير جاهز بجودة عالية يوم الخميس الساعة 10 صباحًا"، على سبيل المثال.

وضع حدود للذكاء الاصطناعي:

وما دام الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) قد ساد مناحي حياتنا، فيجب تشجيع هذا الجيل على استخدامه، وليس النهي عنه وتسفيه مخرجاته. لكن يجب أن نحدد بوضوح أين ينتهي دور الآلة ويبدأ دورهم، حتى لا يغرقهم هذا الذكاء ويأخذهم إلى مناطق بعيدة قد تكون خادعة أو كاذبة. لذا يجب التأكيد على أن المسؤولية القانونية والمهنية عن "دقة المعلومات" تقع عليهم، وليس على ذكاء الآلة أو ChatGPT على سبيل المثال. مع توضيح أن الذكاء الاصطناعي قد يعرض أو يقدم معلومات غير صحيحة، لذا يُنصح بالتحقّق من ردوده.

وفي مجال العمل في بيئات مفتوحة، قد يتشتت انتباههم بكثرة الإشعارات الواردة إليهم، لذا يجب توفير ساعات من "الهدوء" أو "التركيز" أثناء عملهم. ومن الملائم الاتفاق معهم على ساعات محددة يوميًا (مثلاً من 10 إلى 12) تُغلق فيها تطبيقات التواصل للتركيز العميق (Deep Work) في عملهم.

إن جيل زد يحب "الجيميفيكيشن (Gamification)" أي التلعيب (أو اللعبنة أو اللوعبة)، وهو استراتيجية تعتمد على استخدام عناصر وميكانيكيات تصميم الألعاب في سياقات غير ترفيهية، مثل العمل أو التعليم، بهدف زيادة التفاعل والتحفيز. بالنسبة لجيل زد، يُعد هذا الأسلوب فعالاً جدًّا؛ لأنه يحول المهام الروتينية إلى "تحديات" ممتعة تشبه الألعاب التي نشأوا عليها. ولذا يُحبَّذ جعل مسارهم المهني يبدو كخطوات واضحة في لعبة. وعلى سبيل المثال: "إذا أنجزت المهام بنجاح في المرحلة X ستنتقل إلى المستوى Y وهكذا.."، وهذا يمنع توقعهم للترقية لمجرد مرور الوقت، أو الترقية بالدور، أو بالأقدمية.

ويُفضَّل عدم إرسال رسائل عمل في وقت متأخر من الليل، وتوضيح أن عدم الرد بعد الساعة 5 مساءً –على سبيل المثال– هو أمر مقبول تمامًا ومحترم.

قد يستطيع جيل زد أن يضيف جديدًا إلى عالم المعرفة والابتكار، عن طريق الاستخدام الحسن للذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أن هناك أحداثًا وتاريخًا وقضايا لم يعاصرها، ولم يفهم مغزاها أو بداياتها، مثل القضية الفلسطينية، لذا يجب على الأجيال السابقة أن تقترب من هذا الجيل والأجيال اللاحقة، وتتعامل معهم بأدواتهم الجديدة لضخ المزيد من الوعي حول مثل هذه القضايا والأحداث، وأن تؤكد على زيف ما يأتي به الذكاء الاصطناعي في بعض الأحوال، وأنه ليس كل ما يقوله صحيحًا. وعلى الرغم من حياد الذكاء الاصطناعي الظاهر للعيان، فإن هناك مناطق شائكة أو تغذية خاطئة ينتج عنها ردود سلبية إزاء عدد من القضايا المركزية، وخاصة فيما يتعلق بالعقائد والحروب.

وقد استطاعت الدراما المصرية أن تواكب أو تقترب من جيل زد وأفكاره، فرأينا –على سبيل المثال– الشاب المهندس عادل (الذي جسَّد دوره الفنان الشاب عصام عمر) في مسلسل "عين سحرية" الذي عُرض في رمضان 2026.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة