رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جيل زد.. ماذا وكيف يقرأ؟

4-4-2026 | 13:16

زياد عبدالتواب

طباعة
زياد عبدالتواب

يصنف جيل زد Generation-Z على أنه المواليد في الفترة بين عامي 1997 و2012، ومعنى ذلك أن أكبر أعضاء هذا الجيل سنًا يبلغ 29 عامًا، وأصغر الأعضاء سنًا يبلغ 14 عامًا، أي أن هذا الجيل يمكن القول بأن أكبر المنتمين إليه قد وُلد بعد سنوات قليلة من وصول شبكة الإنترنت إلى مستوى كبير من النضج والانتشار، ثم بدأ في سنوات طفولته الأولى يعاصر كيف بدأت وانتشرت ونضجت شبكات ومنصات التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها المختلفة، تلك التي باتت في نظر البعض، بالإضافة إلى منصات الألعاب الإلكترونية، هي كل ما يعرفونه عن شبكة الإنترنت تقريبًا.

ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن هذا الجيل هو الجيل الأول للاتصال اللامحدود عبر الشبكات، حيث تعرض منذ طفولته المبكرة إلى العالم الافتراضي، ربما قبل أن يبدأ في التعرف على العالم الواقعي التقليدي، وهو في هذا يختلف عن الجيل السابق له مباشرة -جيل الألفية- المولود بين عامي 1981 و1996، الذي يمكن القول بأنه الجيل الأخير الذي عاش حياة شبه طبيعية قبل سيطرة الشبكات والتطبيقات بالصورة التي نراها اليوم. فأطفال جيل الألفية كانت لديهم الفرصة لبدء حياتهم في أجواء شبه تقليدية، كان فيها التلفاز وبعض ألعاب الفيديو البسيطة هي قمة التكنولوجيا، وعدم إتاحتها طوال الوقت أيضًا سمح لهم بالانخراط في ممارسة الأنشطة بصورتها التقليدية مثل اللعب والتعلم والتواصل الإنساني، وذلك بخلاف جيل زد الذي يمكن اعتباره أول السكان الأصليين للعالم الرقمي الفسيح، وأن الأجيال السابقة عليه هم مجرد زوار أو قادمين إلى هذا العالم، أما الأجيال التي تلتهم -مثل جيل ألفا- فيُعتبرون من السكان الأصليين أيضًا، ولكن مع بعض الاختلافات الناجمة عن تشعب الشبكات والخدمات والتطبيقات والمنصات، إضافة إلى بزوغ نجم الذكاء الاصطناعي الذي حاول اللمعان بعد عقود من الانطفاء.

نعود إلى السؤال الرئيسي هنا والخاص بالثقافة والاطلاع والقراءة لدى جيل زد الذي تفتحت عينه على الشاشات المختلفة -حواسب وهواتف ذكية- ووجد الكتاب والصحيفة الورقية في أيدي الكبار والأجيال السابقة له مباشرة، وهنا تثور عدة تساؤلات حول ماذا يقرأ وكيف يقرأ هذا الجيل؟ هل الأمر مجرد اختلاف في الوسيط -من ورقي إلى إلكتروني أو رقمي- وإذا كان الأمر كذلك فإن المنطق يقودنا إلى حقيقة أن هذا الجيل يفضل القراءة من الوسائط الرقمية أكثر من الوسائط التقليدية، وأن مد الخط على استقامته زمنيًا سيجعلنا نصل إلى عصر بلا كتاب ورقي أو صحيفة أو مجلة إلا بالصورة الإلكترونية أو الرقمية فقط. ولكن، وللعجب، فإن العديد من الدراسات واستطلاعات الرأي تشير إلى عدم تراجع المطبوعات الورقية بالقدر الذي نتخيله في مقابل الوسائط الرقمية؛ أما المؤشرات المرتبطة بالإقبال على القراءة نفسها بغض النظر عن الوسيط فتشير إلى أن هذا الجيل أكثر اهتمامًا بالقراءة والمعرفة مقارنة بالجيل السابق له، ربما بفعل انتشار مصادر المعرفة وتنوعها ووفرتها مقارنة بالندرة التي كانت عليها من قبل، أو ربما لأن هذا الجيل تعرض وتفاعل مع العديد من الابتكارات والاختراعات والأنماط الجديدة في جميع مناحي الحياة، ما أسهم في تحفيزه على المزيد من الاطلاع، وربما أيضًا نتيجة التسارع الكبير في تغير وتطور التقنيات المختلفة، وكذا أيضًا الأحداث التي تدور من حوله على مستوى البيئة الملاصقة أو على المستوى المحلي والإقليمي والدولي أيضًا، أو ربما بسبب تلك العوامل مجتمعة.

ولكن لا يعني هذا أن أساليب وأنماط القراءة لم تتأثر، بل على العكس نجد أن نمط القراءة العميقة تراجع كثيرًا في مقابل نمط جديد هو القراءة السطحية أو الخفيفة، حيث يقضي جيل زد حاليًا وقتًا أطول من أي وقت مضى في القراءة -رسائل، مقالات، أخبار على التواصل الاجتماعي- بسبب ضعف التركيز الرقمي. وضعف التركيز هذا ناجم عن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية والتطبيقات المختلفة؛ فالذاكرة تتراجع، والقدرة على التركيز تقل، والقدرة على التحليل تتضاءل، ويبقى سيل المعلومات الصحيحة والمغلوطة والكاذبة والشائعات، وأيضًا المشتتات المختلفة من مقاطع الفيديو القصيرة Reels والمواد المختلفة التي يتم تصميمها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق Deep Fake، كل هذا يجعل الذهن في حالة استثارة مستمرة واضطراب وصفه قاموس أكسفورد في كلمة العام لعام 2024 بمصطلح "تعفن الدماغ" Brain Rot.

فأدوات هذا العصر تتميز بخصائص مختلفة عما سبقها من عصور، وذلك في الإمكانية الآنية والمستمرة في التواصل وتلقي المعلومات والمعارف، وفي التعبير عن الذات أيضًا. فالتواصل قبل هذا الجيل كان منظمًا ومحدودًا وغير متاح للكافة، ويحتاج إلى جهد ومشقة أيضًا. أما التواصل الذي مارسه ويمارسه هذا الجيل فهو تواصل سهل وسريع بكل الوسائل، من كلمة مكتوبة ومقطع صوتي مسموع أو مقطع فيديو. ولا يقتصر التواصل على زمن محدد أو على مكان محدد، بل يتم على مدار الساعة ومع أي طرف في أي مكان على وجه الأرض، بل لا يستلزم التواصل أيضًا وجود الطرفين متصلين معًا مثلما كان الحال في السابق، بل يمكن أن يكون المتلقي نائمًا أو منفصلًا عن الشبكة Offline، ومع ذلك تتم عملية الاتصال والتواصل بنجاح ولا يشعر أي من طرفيها بأي غضاضة أو انزعاج.

بالإضافة إلى هذا، فإنه نتيجة تغلغل شبكات التواصل الاجتماعي وانفتاح المستخدمين عليها -وعددهم وصل إلى 5.3 مليار مستخدم- بات من الطبيعي التواصل بصورة يومية مع عدد كبير جدًا من الأصدقاء، ربما احتاج جيل الألفية إلى عدة ساعات -أو عدة أيام- للتواصل مع نفس العدد بالفاعلية المطلوبة. وهو وإن كان يزيد من مساحات التواصل وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات، فإنه يصيب المستخدمين بحالة من التوتر العقلي وقصر زمن الانتباه Span of Attention للأمر الواحد بدرجة كبيرة، وهو ما نلاحظه بسهولة في إصابة هذا الجيل بالضجر وعدم التركيز في حالة أن تحدث إليه أحد من الأجيال السابقة، أو شاهد أي منتج إبداعي أو ثقافي بالوسائل التقليدية، كأن يقرأ كتابًا كبيرًا أو يستمع إلى محاضرة أو يدخل في نقاش، أو حتى يطالع هذا المقال بعدد كلماته التي تصل إلى 1500 كلمة.

مما سبق يتضح أن هذا الجيل مختلف تمامًا في نمط التنشئة والتفاعل مع العالم الخارجي بصورة كبيرة عن الأجيال السابقة له، ولذلك سيكون من الحماقة محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإجبار تلك الأجيال على تناول الثقافة والفنون بنفس الكيفية التي تفاعل معها أجيال ما قبل عصر المعلومات. وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك التخلي تمامًا عن الأساليب التقليدية والارتماء التام في أحضان -أو براثن- التقنيات الحديثة بصورة كاملة، ولكن علينا أن نعترف بخصائص هذا العصر؛ فالسرعة هي كلمة السر، بالإضافة إلى إمكانية استخدام وسائط متعددة في التواصل -في الإرسال والاستقبال- ما يجعل الكلمة المقروءة أقل جاذبية وأكثر إثارة للملل وقلة الاهتمام، خاصة مع جيل يتقلص زمن الانتباه لديه عامًا بعد عام.

وللتأكيد على أن الحياة قد تغيرت ما نراه من أن أغلب التركيز من الخبراء تمركز حول كيفية تغيير عادات هذا الجيل ليعود إلى ما كانت تقوم به الأجيال السابقة من تواصل ومن تلقي للمعلومات وخلافه، وهي محاولات باءت بالفشل ولم تحقق أدنى نتيجة؛ فكم المعلومات والمعارف في هذا العصر غير مسبوق في عمر البشرية منذ بدأ التدوين والحفظ، وأيضًا معدلات الزيادة اليومية في هذه المعارف مهولة، سواء المولدة بواسطة البشر أو الآلات، وآخرها ما تصدره نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. لذلك لا يمكن أن نتصور أحد أفراد الجيل زد يقرأ كتابًا يتكون من 500 صفحة مثلما كان الحال، ولا يمكن لهم متابعة أحداث رواية طويلة أو الاستماع إلى محاضرة طويلة لشرح أحد الموضوعات العلمية بنفس الصورة والوتيرة التي اعتادها من سبقوه.

لذلك قد يكون من المناسب أن نقسم القراءة طبقًا للغرض: هل الغرض الاستمتاع أو التعرف على معلومة جديدة في أمر من الأمور أو خبر من الأخبار، ثم نهبط بعد ذلك في هذا التقسيم إلى مستوى آخر يتيح عمقًا أكبر في تناول المعلومة أو الخبر، يكون متاحًا لمن يرغب في المزيد. ولذلك يجب النظر والاهتمام بالأنماط والتصاميم والأساليب الجديدة لإعادة صياغة الأفكار والمعلومات والمعارف، وكذا أيضًا التفكير في أنماط جديدة للكتابة الأدبية تكون مناسبة لعقلية وذهنية هذا الجيل السريع الذي يميل دائمًا إلى الدخول في لب الموضوعات متجاهلًا ومنزعجًا من المقدمات الطويلة والإسهاب الذي يعتبره حشوًا غير مرغوب فيه.

فمحركات البحث متاحة أمامهم طوال الوقت ويستخدمونها كما يتنفسون، فلا حاجة للإسهاب في الشرح داخل العمل؛ تكفي إشارة بسيطة، وإن لم تكن كافية فليس على الكاتب أن يقلق على القارئ وعلى كيفية حصوله على باقي المعلومة. لذلك فإن الأسلوب الأمثل هو أسلوب الاختصار الشديد مع استخدام الوسائط المتعددة، وإثارة القارئ وحثه على الرجوع إلى العالم الرقمي للبحث عن أي جزئية يرى أنها خفية أو تحتاج إلى إيضاح، خاصة مع وجود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تقوم بعمليات الرصد والبحث والتحليل والمقارنة والصياغة النهائية بالأسلوب الذي يناسب كل مستخدم على حدة، وبناء على تفضيلاته والأسلوب الذي يرغب فيه ويرتاح إليه.

فالبعض قد يميل إلى القراءة الورقية التقليدية العميقة، والبعض الآخر قد يفضل البدء بالقراءة السريعة، وقد يفضل البعض الآخر الانتقال بأي من النمطين السابقين إلى العالم الرقمي من خلال الكتاب الإلكتروني، أو استبدال الكتاب المقروء بالكتاب الصوتي Audio Book، وقد يرغب البعض الآخر في استبدال القراءة بمتابعة الملخصات أو الاستماع إلى حلقات بودكاست يقدمها مؤثرون آخرون ويحصل منها على المعلومة والخبر ومتعة المعرفة أيضًا.

ما أريد أن أقوله في النهاية أنه لا يجب أن نصر على وسيلة دون أخرى، وأن نغفل الهدف النهائي من القراءة والاطلاع، وهو المتعة الروحية والعلم والمعرفة وزيادة الخبرات. ففي حالة جيل زد نجدهم يميلون أكثر إلى القراءة من خلال الشاشات، ويفضلون الملخصات التي تحتوي على وسائط متعددة -صوت وإنفوجراف وفيديو- ويفضلون الأساليب التفاعلية، أي يتمكنون من إبداء الرأي والتواصل مع الكاتب أو صانع المحتوى. أما عن الأسلوب الأمثل والأكثر جاذبية فتبقى التجربة الشخصية والرواية والقصة على قائمة تفضيلات القراءة لهذا الجيل وما بعده أيضًا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة