رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عمارة حسن فتحي..حلم الطين و الحجر

4-4-2026 | 10:27

الدكتور حاتم شافعي

طباعة
د. حاتم شافعي

في البدء، لم تكن العمارة علمًا ولا صنعة، بل كانت صلاة. حين رفع الإنسان أول حجر، لم يكن يشيّد مأوى، بل يبني صدى لروحه في العالم. ومنذ لحظة الوقوف الأولى على الأرض، صار البناء فعلًا وجوديًا، شهادة على أن الإنسان مرّ من هنا، وأنه أراد أن يُخلِّف أثرًا يشبهه. ولهذا، فإن العمارة لا يمكن اختزالها في الطوب والمونة، أو في التصميمات والنماذج، بل هي اختزال دقيق لفلسفة الإنسان، لتاريخه، لعلاقته بالسماء والأرض، بالماء والنار، بالظلّ والنور، بالآخر، وبنفسه.

في بابل، شُيِّدت الزقّورات درجاتٍ نحو الآلهة، تدرّجاتٍ من الطين والصمت، وفي بلاد اليونان ارتفعت الأعمدة مثل نغم من الرخام يترنّم باسم العقل والتناسق. أما في الأندلس، فكانت القصور تهمس بنمنمات الجصّ والماء المتدفّق بأن الجمال جزء من الإيمان، وفي كيوتو، كانت المعابد تُبنى من الخشب والهواء، حتى لا يَثقل الحلم فوق الأرض. في كل حضارة، كان للعمارة وجه، لكنه كان دومًا انعكاسًا لعينٍ تنظر إلى الحياة بطريقة معينة.
وفي مصر، حيث الماء يحفر اسمه في الأرض كما لو أنه يكتب تاريخًا حيًّا، لم تكن العمارة يومًا رفاهية، بل ضرورة مقدسة. الأهرام، تلك التي تُنسب عادة إلى الموت، هي في الحقيقة احتفال بالحياة، وبالخلود كإمكانية لا كأمنية. الأعمدة المزهّرة في معابد الأقصر لم تكن فقط دعائم حجرية، بل تجسيد حيّ لفكرة النمو والانبعاث، لحلم أن يصير الحجر كائنًا حيًّا. ووسط كل ذلك، بقيت المعمارية المصرية متفردة في شيء جوهري: أنها لا تسعى للسيطرة على الطبيعة، بل للتعايش معها، لا لفرض الهندسة على المكان، بل لاكتشاف تناغمه الداخلي.
وعلى هذا الدرب، ظهر حسن فتحي. لم يأتِ كمهندس تقليدي يُراكم اللبنات، بل كمتصوّف معماري، كشاعر يحمل قلمًا من طين. وسط موجة من التحديث المسعور، حيث صار "الحداثي" مرادفًا للخرسانة والزجاج والصلب، تجرأ هذا الرجل أن يسأل: "وماذا عن الإنسان؟ ماذا عن قرانا؟ ماذا عن البيوت التي لا تعرف الكهرباء، لكن تعرف الشمس والظل؟"
كانت الأسئلة التي طرحها فتحي، رغم بساطتها، مُزلزِلة في عمقها. لقد تجرأ على مواجهة سردية الحداثة التي جعلت العمارة سلعة، ورفعت الفرد فوق الجماعة، والبهرجة فوق الوظيفة، والنموذج المستورد فوق الخبرة المحلية. في زمنٍ كانت فيه القاهرة ترتفع عموديًا، وتغيب عن هويتها أفقيًا، كان هو يحفر أفقيًا في الذاكرة، في الجغرافيا، في الاحتياجات.
ولم يكن فتحي وحده مَن انتبه لهذا التيه. في حضارات متعددة، ظهر معماريو "العودة"، الذين قرروا أن المستقبل لا يُبنى دائمًا في الأعلى، بل أحيانًا في الجذور. في المكسيك، استلهم لويس باراغان البساطة واللون من تراث بلاده وأدخل الصمت في العمارة، وفي الهند، صنع بالكريشنا دوشي مدارس من الطين، وفي السودان، أعاد كومار هادي بناء المدارس بأساليب تقليدية مقاومة للحر، وفي المغرب، عادت القرى تُبنى بالطوب اللبن مستلهمة تقنيات "التربة المدكوكة".
لكن ما فعله حسن فتحي لم يكن فقط عمارة بديلة، بل كان مشروعًا أخلاقيًا. مشروعًا يرى أن لكل إنسان – مهما كان فقيرًا – حقًا في الجمال، وأن للبيوت ذاكرة مثل البشر. كان يؤمن أن البيت لا يجب أن يكون فقط "مأوى"، بل فضاءً يُشبه ساكنه، يُشبه أحلامه، ويُحترم احتياجاته: في المناخ، في الضوء، في الخصوصية، في الظل، في الصوت.
حين صمّم قرية "القرنة الجديدة"، لم يكن يُقيم مجرّد حيّ، بل كان ينسج سردية بديلة لكيف يمكن أن يعيش الناس معًا، متقاسمين المكان والزمن والحياة. كانت قبابه تُحاكي العمارة النوبية، وأزقّته ضيقة كي تظل باردة، ومواده من الطين المحروق والمواد المحلية. وحين كتب كتابه الأشهر "عمارة الفقراء"، لم يكن يدوّن مشروعًا، بل يعلن ثورة: على الإقصاء، على الجشع المعماري، على اللا-انتماء.
لم يأتِ حسن فتحي من فراغ، بل كان وارثًا لكل ما خطّه المصريون من قبل. كان وريث الأهرام، والكنائس القبطية، والمشربيات الإسلامية، والصوامع الطينية، لكنه كان أيضًا ثائرًا عليها، حيث رفض أن تتحول التقاليد إلى قيد، أو أن تتحوّل الأصالة إلى تحنيط. كان مع المعمار الذي يعيش، لا الذي يُحَنَّط في المتاحف.
ومن هنا، فإن فتحي يُجسّد ذلك التوتر الخلّاق بين الأصالة والتجديد، بين الطين والضوء، بين الإنسان والطبيعة. لم يكن مهووسًا بالماضي، بل كان مُنصتًا له. لم يكن ضد الحداثة، بل كان مع "الحداثة المتجذّرة". ولهذا، صار رمزا عالميًا. دُعي إلى الأمم المتحدة، استلهمه المعماريون في أفريقيا وآسيا، وها هو الآن يُدرّس في كبرى مدارس العمارة في الغرب، بينما لا تزال بعض مشاريعه في مصر مهجورة، كأن الزمن لم يلحق بروحه بعد.
كان يرى أن العمارة مرآة للسياسة أيضًا. ففي بلدٍ يُهمَّش فيه الفقير، لا يمكن أن يكون له بيت لائق. في اقتصاد يُكرّس السوق، يُمحى الإنسان. وفي ثقافة تُمجّد الاستيراد، يُهان ما هو محلي. لذلك، كانت عمارة فتحي سياسيّة من حيث لا يدري، لأنها تُعيد ترتيب الأولويات: الإنسان أولًا، الأرض أولًا، الشمس أولًا.
ولأن كل شيء في العمارة يتأثر، كان فتحي مدركًا لتأثير الدين، والثقافة، والعادات، والعلاقات الاجتماعية، والمناخ، والموقع. لم يفصل الجدران عن الروح، ولا المداخل عن الكرامة. كان يرى أن فتحة نافذة قد تُقرّر مصير لحظة شاعرية، وأن انسياب الهواء أهم من التكييف، وأن شكل القبة يُشبه الرأس البشرية لأن كلاهما يطلب الحماية من الأعلى.

فتح هذا الفهم العميق الطريق أمام جيل جديد من المعماريين المصريين، مثل سيف أبو النجا ومصطفى فهمي ويحيى شوكت وهدى عفيفي، ممن يحاولون استكمال الطريق، كلّ على طريقته، في حوارٍ صعب بين الواقع والحلم، بين المخطط وبين الموروث.

وما أشدّ الحاجة اليوم إلى فلسفة فتحي. في زمنٍ تتسارع فيه ناطحات السحاب، وتُستنسخ فيه الأحياء، وتتكرر الأشكال، صار السؤال عن "الهوية" أكثر إلحاحًا. من نحن في هذا العالم الإسمنتي؟ ما الذي نتركه لأبنائنا؟ هل يعرف طفلٌ وُلد في "كمبوند" كيف كانت بيوت جدوده؟ هل يشعر بأن له جذورًا؟

الإجابة، كما كان يُردد فتحي، تبدأ من الطين. من الاعتراف بأن المعمار ليس رفاهية، بل هوية. ليس صورة على إنستغرام، بل علاقة حيّة بين الإنسان ومكانه. من الاعتراف بأن المعلّم البنّاء، والفلاح، والمرأة التي تطرّز الستارة، شركاء في المعمار كما المهندس.

وهكذا، يبقى حسن فتحي، لا كأثرٍ من الماضي، بل كإمكانية للمستقبل. كأنَّ كل قبة بناها كانت رجاءً، وكل جدارٍ من طينٍ دعوة للتواضع. إننا لا نحتاج ناطحة كي نُثبت وجودنا، نحتاج بيتًا يُشبهنا. بيتًا نحلم فيه، ونبكي، ونغني، ونسكن كما يليق بالبشر.

ومن هنا، فإن كل ما فعله فتحي يمكن اختزاله في فعل واحد: أنه أعاد الإنسان إلى البيت. لا بيت التملك العقاري، ولا بيت البذخ، بل بيت العِشرة. بيت لا يلمع من الخارج، بل يُنير الداخل. وفي هذا البيت، ربما تبدأ مصر من جديد.

ولعلنا لا نملك الآن إلا أن نتأمل: ماذا لو كانت المدن مرآةً لأرواح من سكنوها؟ هل كنّا سنبنيها بهذه القسوة؟ هل كنا سنطرد الظلّ من الأزقة، ونطمر الزقزقات خلف الزجاج العازل، ونقتلع الأشجار من الجذور كي نزرع بديلًا عنها أعمدة خرسانية لا ظلّ لها ولا شوق؟

ربما لم يكن حسن فتحي نبيًا، لكنه كان يُنصت لما لا يُقال، يُصغي لشكوى البيوت، لحنين التراب، لاحتياج الناس إلى مأوى لا يُشبه السجون، بل يُشبه أمهاتهم، يُشبه طفولتهم. كان يعرف أن العمارة لا تُقاس بالمقاسات، بل بالمشاعر. أن الحوائط إن لم تحتضن، فهي جدران لا بيوت.

واليوم، وبينما يعلو صوت السوق على صوت الطين، نحتاج أن نعود إلى أول الحكاية، إلى تلك اللحظة التي رفع فيها الإنسان حجرًا لا ليُقيم به جدارًا، بل ليكتب به بيتًا لقلبه.

نحتاج أن نطرح السؤال من جديد، لا كمهنة، بل كقصيدة:

كيف نسكن هذا العالم دون أن نؤذيه؟

كيف نبني بيوتًا لا تعزلنا عن الضوء، بل تُمرّره إلينا بحنو؟

كيف نُصغي لصوت الجدران، لصمت الساحات، لصدى الأقدام على البلاط؟

    كلمات البحث
  • العالم
  • الطوب
  • صلاة
  • حجر
  • الإنسان

أخبار الساعة

الاكثر قراءة