رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر صانعة النجوم


4-4-2026 | 14:23

.

طباعة
بقلم: أشرف غريب

على مدى تاريخ الفن العربى لم تكن مصر فقط أرضا خصبة لنمو مواهبها الفنية، وإنما كانت كذلك بيئة جاذبة وحاضنة لكل منْ حباه الله بموهبة أصيلة، كانت تريد أن تطل برأسها فى عالم الإبداع العربى، ومن هنا جاءت مقولة «هوليوود الشرق»، التى كانت تعنى ما هو أكبر بكثير من مجرد بلد كان ولا يزال قبلة كل باحث عن فرصة حقيقية، إلى دولة ذات كيانات مؤسسية صانعة للفن والإبداع، وأجواء مرحبة بكل ما هو وافد يبحث عن حرية التعبير.

 

وهذا يفسر لماذا أتى الشوام تحديدا من مجتمعاتهم الطاردة فى عصر الكبت العثمانى والاضطهاد الاستعمارى إلى مجتمعات منفتحة ومتفتحة فى مصر (الإسكندرية ثم القاهرة) ليؤسسوا مع أشقائهم المصريين فنون الصحافة والمسرح والموسيقى والغناء، والسينما، فإذا بهؤلاء جميعا قد انصهروا فى بوتقة التجربة الفنية المصرية الأكثر شمولا بحيث لا تستطيع أن تميز بين جنسية وأخرى.

فحينما أتى رائدا المسرح العربى أبو خليل القبانى وسليمان القرداحى من الشام إلى مصر ليؤسسا للمسرح المصرى تاريخا عريضا، جاءت معهما تحديدا مجموعة من الممثلات اليهوديات مثل لبيبة مانيللى وميليا ديان، والشقيقتان ألمظ وإبريس ستاتى؛ ليسدوا فراغا فى الأدوار النسائية وقت أن كان المجتمع المصرى – مسلموه وأقباطه – لا يرحب بظهور المرأة على المسرح، ومع تنامى الحركة المسرحية فى مصر أتى أيضا كل من جورج أبيض وأمين وسليم عطا الله وعزيز عيد وروز اليوسف، فى الوقت الذى بزغ فيه نجم الشيخ سلامة حجازى ومنيرة المهدية ثم فاطمة رشدى وعبد الرحمن رشدى وحسين رياض والشيخ سيد درويش على سبيل المثال وليس الحصر.

والذى يلفت الانتباه فى هذه المرحلة أن الخديوى عباس حلمى حينما ارتأى النهوض بالمسرح المصرى قرر تبنى موهبة اللبنانى جورج أبيض الذى كان حتى سنة 1904 مجرد ناظر سكة حديد فى محطة سيدى جابر للقطارات، فأوفده الخديوى لدراسة التمثيل والإخراج فى فرنسا على نفقة الحكومة المصرية، ليعود بعد ست سنوات ويؤسس النهضة المسرحية الحقيقية مطلع القرن العشرين، وفى هذه الأجواء المرحبة نشأت فرق أخرى ضمت العديد من الفنانين العرب مثل فرق سلامة حجازى وعبد الرحمن رشدى وعزيز عيد والريحانى ورمسيس وأولاد عكاشة وأنصار التمثيل، وصولا إلى الفرقة القومية للتمثيل التى أسسها زكى طليمات عام 1935، فعرفت مصر أسماء أخرى آتية من بعيد مثل دولت أبيض وبديعة مصابنى وبشارة واكيم ومارى منيب وغيرهم.

فإذا ما ازدهرت فنون السينما والغناء فى فترة ما بين الحربين الأولى والثانية فتحت مصر ذراعيها لمجموعة من الأسماء الأخرى مثل آسيا داغر ومارى كوينى وعبد السلام النابلسى وفريد الأطرش وأسمهان، وفى أرضها نبتت هذه المواهب وشقت طريقها نحو النجومية والشهرة، ومع نهايات الحرب الثانية عرفت مصر موجة جديدة من المواهب العربية وقت أن زاد طلب الموزع الخارجى على الفيلم الغنائى المصرى، فأتى يوسف وهبى سنة 1943 بـ»أليكساندرا بدران» من لبنان؛ ليصنع منها نجمة سينمائية هى نور الهدى، وحذت آسيا داغر حذوه بعد سنتين، حينما استقدمت جانيت فغالى وقدمتها تحت اسم الشحرورة صباح، وهى الفترة ذاتها التى جاء فيها من الشام محمد سلمان ونجاح سلام وسعاد محمد، ومن العراق عفيفة اسكندر وعلى حقى الشبلى، ومن تونس حسيبة رشدى، ومن الجزائر ليلى الجزائرية، وحقق جميعهم فى مصر نجاحا لافتا كل بحسب موهبته وتمتعه بالنفس الطويل.

ومع تنامى البعد القومى فى أعقاب ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 لعبت إذاعة صوت العرب على وجه الخصوص دورا مهما فى تبنى الأصوات الغنائية العربية، وأفسحت عبر حفلاتها الغنائية لتلك الأصوات فرصا حقيقية للغناء، وعرف المستمع العربى من خلال أثيرها كل هذه الأصوات، أنا شخصيا تعرفت من خلال صوت العرب على أصوات مثل فيروز ووديع الصافى ونصرى شمس الدين وفهد بلان وماجدة الرومى ووليد توفيق وميادة الحناوى وجوليا بطرس وفدوى عبيد وطروب وموفق بهجت من الشام، وناظم الغزالى وسعدون جابر من العراق، وطلال مداح ومحمد عبده وأبو بكر سالم من السعودية، وعبد الرب إدريس وشادى الخليج وغريد الشاطئ ونوال وعوض دوخى من الكويت، وخالد الشيخ من البحرين، وعلى عبد الستار من قطر، وإسماعيل خضر من الأردن، وعبد الوهاب الدكالى وعبد الهادى بلخباط من المغرب، وتونس مفتاح من ليبيا، ولطفى بو شناق من تونس، وسيد خليفة ومحمد وردى من السودان، وغيرهم، ومع هؤلاء جميعا كانت التجربة الفريدة للمطربة وردة الجزائرية التى احتضنتها مصر منذ مطلع الستينيات تمثيلا وغناء، فغدت فى سنوات قليلة واحدة من أكبر الأسماء الموجودة على الساحة الفنية العربية.

ولم تتوقف مصر عن أداء دورها العروبى فى تبنى المواهب الفنية حتى بعد أن أظلنا زمن السماوات المفتوحة، فكان الجميع يفدون إليها بحثا عن الفرص العريضة وصك الاعتراف بالنجومية، فعلى مستوى الغناء عرفنا سميرة سعيد وعزيزة جلال ولطيفة وصابر الرباعى وكاظم الساهر وراغب علامة وإليسا ونانسى عجرم وهيفاء وهبى وكارول سماحة وعبادى الجوهر وعبد المجيد عبد الله وعبد الله الرويشد ونبيل شعيل على سبيل المثال لا الحصر، وسينمائيا جاءت من تونس كل من هند صبرى ودرة وظافر العابدين، ومن لبنان نور، ومن سوريا سولاف فواخرجى وكندا علوش، ومن الأردن أتى إياد نصار ومنذر رياحنة وصبا مبارك، والقائمة تطول وتطول.

ومن المهم هنا التأكيد على أن مصر وهى تقوم بدورها هذا فى تبنى المواهب العربية لم تكن تشعر بأنها تمن على أحد، وإنما كان ذلك من منطلق الإيمان بدورها الريادى وقدرها باعتبارها الكبيرة التى تحتوى الجميع، وفى المقابل كانت هناك دعوات عربية للسير فى الاتجاه المعاكس، كحال الشاعر اللبنانى سعيد عقل ابن مدينة زحلة الذى نادى ليس فقط بـ«لبننة» الغناء اللبنانى، وإنما إلى « زحلنة» هذا الفن، وأذكر أن شاعر لبنان الكبير جورج جرداق شاعر قصيدة «هذه ليلتى» التى تغنت بها أم كلثوم دعا عبر إذاعة صوت العرب سنة 1993 وفى حضور الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى والمطربة ماجدة الرومى إلى توقف المطربين العرب عن الغناء باللهجة المصرية وعدم المجىء إلى القاهرة، يومها ترك لى الأستاذ رجاء النقاش رئيس تحرير الكواكب فى ذلك الوقت صفحات المجلة لأخوض معركتى مع شاعر لبنان الكبير، وقلت له كفانا «شوفينية» ونبرة أحادية، وأنه بذلك يريد إسقاط تجارب الأسماء الكبيرة من قبيل فريد الأطرش وصباح ونور الهدى ونجاح سلام ووردة الجزائرية الذين حققوا شهرتهم وأسماءهم الكبيرة عبر الغناء المصرى وتحت مظلة الفن المصرى.

ورغم هذه الدعوات التى تفاجئنا بين الحين والآخر؛ فإن مصر لم ولن تتوقف عن القيام بدورها الريادى فى تبنى المواهب العربية الحقيقية، فهذا هو دورها الذى لن تحيد عنه.

 
    كلمات البحث
  • تاريخ
  • الفن
  • العربي
  • هوليوود
  • الشرق

أخبار الساعة

الاكثر قراءة