لا شك أنه بينما الأوراق الدبلوماسية تتطاير بين العواصم العالمية؛ لتجد حلا لتطاير شرر المنشآت النفطية والبنية التحتية التى أعلنت القوة القاهرة، حالة من الاختطاف للاقتصاد العالمى بفعل الفوضى الجيوسياسية لواحد من أهم الملفات الاقتصادية ألا وهو ملف الطاقة.
لقد تم وضع النفط والغاز فى واجهة الصراع فى استراتيجية ممنهجة لتعطيش الأسواق الطاقوية، بعدما تحولت التصريحات أيضاً إلى أداة ضغط اقتصادى مع تحول المعركة الميدانية إلى معركة اقتصادية بامتياز، يقوم فيها رجل التغريدات بتحريك الأسواق وجعل النفط فى قلب الصراع باستراتيجية حافة الهاوية. وأصبح النفط يسعّر الحرب والقصة معه تتحول من ارتفاع الأسعار إلى ركود اقتصادى عميق، وهنا نقول إن معادلة الطاقة والاقتصاد العالمى خرجت عن مسارها الطبيعى مع نقص الإمدادات الطاقوية حوالى 40 فى المائة.
التاريخ يقول دوماً إن الاقتصاد غالباً هو من ينهى الحروب وليس المعارك، وإن النفط أصبح يغرد خارج السرب حتى مع محاولات ترامب المستميتة فى تحريك الأسواق الطاقوية، لقد ولد من رحم هرمز طوفان العطش الطاقوى الاستراتيجى؛ ليضرب الاقتصاد العالمى بمطرقة من حديد، والقرارات أصبحت لا تقاس بالتوازن العسكرى فقط، وإنما بمدى تحمل الأسواق العطش الطاقوى والمديونية التراكمية وتبعاتها مع إعادة تسعير الأصول.
الحقيقة خلف الكواليس أنه حتى إن هدأت الحرب، فالآثار ممتدة، فهناك دول مستوردة للنفط والغاز ودول منتجة، ولكن تعطلت بنيتها التحتية بفعل التوترات الجيوسياسية، وتحتاج إلى وقت بعدما أعلنت القوة القاهرة، بالإضافة إلى وصول بعض الدول إلى أقصى حد تخزينى.
يقول مدير وكالة الطاقة الدولية إننا أمام أكبر تهديد تاريخى لملف الطاقة العالمية، وإن الانعكاس المباشر لا يزال قائما فى مسار التضخم، وهو يمثل عاملا محوريا فى المشهد الاقتصادى العالمى، وارتفاع أسعار النفط والغاز يدعم زيادة الضغوط التضخمية، ويقيد حركة البنوك المركزية حول العالم فى خفض الفائدة، مما يخلق ضغطا مزدوجا على الاقتصادات، ويؤدى إلى تباطؤ الطلب والتضخم وضعف النمو الاقتصادى.
كل الأسئلة إجاباتها غير مفهومة من أبعاد رجل التغريدات بتحريك الأسواق العالمية وخصوصا ملف الطاقة، وحينما تتقاطع الجغرافيا السياسية، وتتشابك المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وهرمز الذكى يلعب دورا فى صدارة التوترات الجيوسياسية والذى يمر منه خمس إنتاج العالم الطاقوى، مما يجعل الأمر أكثر حساسية مع لجوء أمريكا اليوم إلى زيادة إنتاجها إلى 13,600 مليون برميل يوميا، ويصل الفارق فى الأسعار بين خام برنت وغرب تكساس الأمريكى الوسيط حوالى 8 دولارات لصالح اللاعب الرئيسى فى سوق الطاقة العالمى المسئول عن استراتيجية العطش الطاقوى حول العالم.
القدرة على التدمير سهلة، بينما القدرة على الإصلاح صعبة؛ لذلك إرهاصات انهيار البنية التحتية الطاقوية بفعل التوترات الجيوسياسية تمثل تهديدا عدائيا على حساب أو نفقة العالم كله، فمخزن الطاقة فى منطقة الشرق الأوسط، وهى منطقة الخليج العربى مهدد فعليا بفعل مشروع قائم فى ذهن رجل واحد يريد إغراق العالم بالنفط والغاز الأمريكى، بعدما أصبح النفط يتأرجح على المسار السياسى، ولا توجد وجهة واحدة واضحة فى المسارات، ولا أحد يعرف إلى أين يأخذنا ترامب؟!
ولنأخذ الأمر من زاوية فنية أخرى، فالقوة القاهرة التى أعلنتها الدول فى الخليج تفجر أزمة من نوع خاص، فقد أصبح النفط يصرخ داخل خزاناته للدول المنتجة للنفط والغاز، فالأصول الاستراتيجية موجودة ولكن المشكلة تكمن فى أن البراميل لا تجد طريقها للخروج مع تعطل الملاحة فى هرمز الذكى.
وأيضا هناك معضلة كبيرة تكمن عند الدول المنتجة أن الخزانات تمتلئ وتتكدس الناقلات فى البحر، وهنا يتحول النفط من أصل استراتيجى إلى عبء لوجستى، فأزمة النقل تتحول سريعا إلى أزمة تخزين تدفع المنتجين إلى الخفض القسرى للإنتاج أو إعلان القوة القاهرة عندما يصبح تنفيذ العقود المستقبلية مستحيلاً، لكن الخطر لا يتوقف هنا فقط، فبعد عدة أشهر تفقد بعض الخامات خصوصاً الخامات الخفيفة جزءًا من مكوناتها المتطايرة، بينما تتعرض الخزانات لزيادة المياه والرواسب داخل الخام، وهذا يعنى تراجع الجودة، وقد يصبح الخام غير ملائم لمواصفات المصافى المصممة له.
وهنا نقول إن القدرة التخزينية لا تستوعب الإنتاج، وإن الدول سوف تحتاج إلى وقت أطول عندما تهدأ الأوضاع حتى تعود إلى الإنتاج الأصلى، فالموضوع ليس خلافا سياسيا، بل إعادة تشكيل المشهد الطاقوى لقوى الكوكب كله لصالح شخص واحد يمارس العطش الطاقوى الاستراتيجى، لذلك تعيش الأسواق حالة من الذهول السعرى بفعل صدمة الطاقة، حتى كلفة التخزين فى الناقلات أصبحت 300 ألف دولار يوميا بعدما كانت 25 ألف دولار.
حتى مع الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية لوكالة الطاقة الدولية فإن الفجوة الطاقوية ستظل موجودة حتى لو كان هناك إفراج آخر، فهذه الخطوة حل مؤقت وليس حلا مستداما، وقد تؤدى إلى ضغوط تضخمية أكبر من استنزاف الاحتياطيات مع تواصل الشلل الجزئى للممرات المائية الحيوية، وتعطل سلاسل الإمداد الطاقوية والسلعية والخدمية والذى يرفع التضخم وكيف يصل أثره إلى حياة الناس، وينظر المستثمرون للطاقة من زاوية تحمل التكاليف، أما «وول ستريت» فتنظر بعين الاعتبار إلى أسعار النفط الذى يتحول إلى أزمة مالية داخل الأسواق العالمية؛ ليظل هناك عطش شديد طاقوى استراتيجى صنعه رجل واحد لصالح دولة تغرد منفردة خلف المحيط.
وإلى حديث آخر.