لا شكّ أن مفتاح الفهم الصحيح لجدار الدورة النقدية فى مرحلة مفصلية بسبب ظاهرة الخداع المرئى بأسواق المال عالميا، وهو حديث «وول ستريت»، والسؤال الحائر والمُلح: ماذا تريد أن تقول الأسواق المالية وهل نستطيع قراءة ما بين السطور؟
بعدما ارتفع منسوب النار فى منطقة الشرق الأوسط، ويريد رجل الصفقات توزيع كلفتها على العالم كله فى واقع مرير سياسيًا واقتصاديًا، فى حرب لا يستطيع هذا الرجل إنهاءها، هناك مَن هو يعبر ومَن هو عالق ومَن يحاول النجاة.
الاقتصاد العالمى يختنق فى لحظة فرضت نفسها على المشهد، وأصبح التخوف والذعر القائم من دخول العالم إلى مرحلة اللاعودة بركود شبه مؤكد، وهنا ظهر الثعلب الماكر، رئيس الفيدرالى الأمريكى، فى الاجتماع ربع الثانوى الأول لعام 2026، وحاول أن يكون هادئا فى ظل هذه الجغرافيا الملتهبة التى ليست خطأ سياسيا، بل هى خطيئة تاريخية، فالأسواق المالية والنقدية فى العالم كله لا ترى كيف تم سداد المسام عن رؤية الحقيقة التى سوف تنفجر فى وجه الجميع بالعاصفة المكتملة، خصوصًا للدول الناشئة مع إطالة أمد الصراع والبعد الزمنى، وكيف تتفاعل الأسواق المالية مع قرارات تثبيت سعر الفائدة.
فى محفل الوداع الأخير لـ«رجل وول ستريت»، جيروم باول، عندما أعلن تثبيت سعر الفائدة الأمريكية، ومن بعده رئيسة الفيدرالى الأوروبى، كريستين لاجارد، بتثبيت الفائدة الأوروبية، هذه الأيام ليست عادية فى تاريخ الأسواق كأنها عاصفة تسونامى، ولكنها خلف الشاشات لـ«وول ستريت».
الكارثة ليست فى القرار، ولكن ما هى الرسالة التى تُوجه للعالم من خلال هذا المشهد الصقورى، لقد ألقاها «باول» فى وجه المستثمرين فى العالم كله أن الشموع الحمراء الحزينة للذهب والفضة تبكى، والمبتسم الوحيد هو أسعار النفط والغاز والأسهم المرتبطة بها وعقودها الآجلة، وكأنها رسالة تحذيرية بظاهرة الخداع البصرى للدول أو الهدوء الذى يسبق العاصفة، فالنمو يموت تدريجيًا فى أمريكا أو الاقتصاد الأمريكى يحتاج إلى نقل دم، فقد أُصيب بأنيميا حادة، فالنمو كان ضعيفا فى الربع الأخير 2025 يبلغ 07, فى المائة، والتضخم بدأ يستفيق من جديد بسبب غلق الفناء البحرى هرمز والتأثير على سلاسل الإمداد وأسعار السلع وصعود برميل النفط إلى ثلاثة أرقام.
هناك بعض النقاط التى تلفت الأنظار فى حديث الفيدرالى الأمريكى وهو أن موضوع الفائدة سوف يطول، والأرقام على الشاشات فى العالم تفضح الموقف والنوايا، وأصبحت توقعات المحللين بخفض سعر الفائدة مرة واحدة هذا العام؛ واقعًا بعيد المنال.
المعادلة الجديدة للفيدرالى الأمريكى هو أن قواعد البيانات تقول: قد يتعذر أى خفض هذا العام، فالناتج المحلى والنمو الاقتصادى الضعيف يساوى أن تظل الفائدة فى سياسة الصقور أى السياسة التشديدية النقدية، ولفترة طويلة وغير محددة.
قال رئيس الفيدرالى الأمريكى، فى حديثه: نتقدم ببطء فى السيطرة على التضخم، وهنا بدأت المحافظ المالية حول العالم فى النزيف المستمر، وظهرت النتيجة النهائية على شاشات وول ستريت فى الحال.
صحيح أنه رفض كلمة الركود التضخمى، ولكنه قالها ضمنيًا، فأسعار النفط والغاز بوصلة الشظايا التى تتطاير إلى واجهة اقتصادات العالم كله، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، الذى وصل جالون البنزين إلى ما يقارب 6 دولارات.
سيترك «باول» منصبه فى منتصف مايو القادم وهو يدافع عن استقلاليته فى العلن، ويترك كيفين ورش المتعطل داخل الكونجرس نتيجة الفراغ المؤسسى الأمريكى الذى يحدث لأول مرة، وها هى الشاشات تسجل مرحلة تعميق الخسائر، فالأسواق قرأت رسالة رئيس الفيدرالى الأمريكى، وانهار مؤشر الداون جونز أكثر من 600 نقطة تراجع الذهب كملاذ آمن مع قوة الدولار، وأصبح النفط والغاز هما الأداة الفاعلة فى البورصة مع عوائد السندات الأمريكية، الكل ذهب إلى الكاش بحثا عن السيولة والهروب من المخاطرة.
الاقتصادات الأوروبية تختنق بشدة عند تثبيت الفائدة، أما الخليج العربى فالصورة منقسمة، النفط عالى السعر كان سينعش موازنات هذه الدول لو كانت الحالة العالمية طبيعية؛ وإنما معظم دول الخليج أعلنت القوة القاهرة، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة يخنق سوق العقارات وأرباح الشركات، ذهب الجميع للاستثمار فى الأسهم الدفاعية وأسهم الطاقة، وبعض الجميع عن أسهم التكنولوجيا حتى يزول عدم اليقين.
أصبح برميل النفط بوصلة الميزان لكل المتداولين مع السندات الأمريكية طويلة الأجل، الخطورة أن جيروم باول سيترك منصبه بعدما سوى العالم على نار هادئة بسياسة التشديد النقدى، ولعل المصفوفة الأبرز هنا هل المحافظ المالية حول العالم جاهزة لسيناريو الفائدة العالية أم هى قنبلة موقوتة؟
ومع ارتفاع الديون السيادية العالمية وإعادة تشكيل التضخم مرة أخرى للاقتصادات وتصاعد التوترات الجيوسياسية تنتقل رؤوس الأموال بهدوء غير مسبوق عبر الحدود وتتغير الأصول الاستراتيجية وقيمة العملات المحلية وترتفع درجة الحرارة فى أسعار النفط والغاز ويدخل العالم مرحلة جديدة، حيث لم تعد القواعد المالية القديمة سارية، فهناك نقطة تحول تعيد بناء شبكة مالية بديلة قد تعيد تعريف كيفية تحريك الأموال، وهذه ليست وجهة نظر وإنما إعادة ترتيب محتملة للثروة العالمية وتغير مسار تدفق رؤوس الأموال.
الخلاصة أن هناك مهمة أمام البنوك المركزية للدول الناشئة، ومنها مصر فى المرحلة القادمة، لدراسة تحرك الأسواق المالية العالمية ورؤوس الأموال والنظر بعين الاعتبار كيف نضع منهجية لمسار أسعار الفائدة فى المرحلة القادمة، فليست الأمور كما تبدو، وخواتيم الأمور لن تكون لامعة، فكل حرب لها خاسرون، وهناك رابحون، وعلينا إيجاد طريق النجاة.