رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قرن ونصف القرن من قضايا الحكومة


26-3-2026 | 17:32

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

قبل سنوات طويلة كان الشارع الرئيسى باسم عبدالحميد بدوى، وذلك بمنطقة قرب مطار القاهرة والنزهة، فبحثت عن الاسم وقتها حيث كنت أسكن بها، فعرفت أنه المستشار أو العلامة القانونى وأول مصرى يتم تعيينه عام 1926 ليرأس هيئة قضايا الحكومة كما كان يطلق عليها، لذلك عندما وجدت كتابا واحتفالا بمرور 150 عامًا على إنشائها سعيت للحضور ولاقتناء الكتاب الذى تعرض لملامح تاريخ مصر القانونى من خلال أهم محطات وأدوار هيئة قضايا الحكومة أو الدولة فيما بعد.

 

كتاب بغلاف فاخر وكلمات وتأريخ مهم هكذا كانت وقائع الاحتفالية بالجامعة الألمانية بالقاهرة قبل أسابيع، ولتوقيع بروتوكول وشراكة تعاون خاصة لكلية الحقوق بالجامعة الألمانية وبين هيئة قضايا الدولة ممثلة فى المستشار حسين مدكور رئيس الهيئة، ود .أشرف منصور رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية وعضو المجلس القومى للتعليم .

وكانت أول مرة أستمع للتاريخ الوطنى المهم لهذه الهيئة بالندوة، وفى معرض الكتاب كانت الندوة والفيلم التسجيلى وكان الكتاب حاضرًا أيضًا والذى أعده المستشار محمد عبدالعال الخطيب نائب الهيئة والذى تم تدشينه كذلك بمكتبة الإسكندرية.

جلست وحرصت على اقتناء الكتاب المكتوب باللغتين العربية والإنجليزية فوقعت على تاريخ كامل لمصر لا سيما القانونى منه خلال قرن ونصف القرن، وكان ذلك بدءًا بعهد الخديو إسماعيل وبعد إنشاء مجلس شورى النواب بعقد كامل وكذلك إنشاء مدرسة الحقوق الخديوية التى أنشئت عقب تأسيس مجلس شورى النواب بعامين - المصور أصدرت عددًا تذكاريًا متميزًا قبل سنوات عن مدرسة الحقوق.

ثم فى يناير عام 1876 تم ميلاد وإنشاء مؤسسة قانونية فريدة سميت لجنة «قضايا الدولة» لتكون بيتًا للفتوى وللدفاع القانونى، هكذا كتب المستشار حسين مدكور رئيس الهيئة فى مقدمته للكتاب لتكون الهيئة الوليدة وعبر تاريخها هى الرحم الأول الذى ولد منه عظماء الفكر القانونى لمصر وللعالم العربى وكان أبرزهم عبدالحميد بدوى أول مصرى يتم تعيينه رئيسًا لها، وهو الذى تخرج فى الحقوق الخديوية ويحصل على الدكتوراه من فرنسا ويكون سكرتيرا أول لدستور 1923 وأصبح قاضيا دوليا ووصل إلى نائب محكمة العدل الدولية، ومن أهم أعماله لمصر دفاعه الحكومى فى مسألة الديون المصرية واحتسابها بالذهب أم بالعملة الورقية، وبعد سجال قانونى لسنوات فاز دفاعه بالقضية وعدم صحة دفع الفروق بين الذهبى والورقى، وبذلك نجح فى اجتياز عقبة كبيرة وأزمة كادت أن تطيح بمالية مصر، وحرر تنازل الخديوى عباس حلمى الثانى عن العرش، ودوره فى إنشاء مجلس الدولة وقانونها، وكذلك صاغ بنود معاهدة مونترو التى أنهت عصر الامتيازات فى مصر وأدّت إلى تمصير المحاكم المصرية وصدر له قرار برئاسة الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والتشريع وأصبحت النقود المصرية ممهورة باسمه كوزير للمالية، وامتدت أهم أعماله كذلك إلى مجال التعليم وتمصير التدريس بكلية الحقوق ووصف بأنه أهم عقلية قانونية جاءت بمصر فى النصف الأول من القرن العشرين .

 كما عمل بالهيئة لفترة د. عبدالرازق السنهورى صاحب السجل القانونى الحافل، وكذلك المحامى صليب سامى الذى رفض العمل بالقضاء وفضل المحاماة وأن يكون وكيل نقابة المحامين، ولكنه وافق أن يكون مستشارًا ملكيًا بالهيئة فى قلم القضايا الأهلية وأصدر العديد من الفتاوى المهمة المؤثرة لصالح سن ضباط الجيش المصرى، وعبدالحليم الجندى الذى عين رئيسًا للهيئة وأصدر المجلة القانونية واشتراكه فى المفاوضات عقب تأميم قناة السويس ود. عوض المر الذى أصبح رئيسًا للمحكمة الدستورية العليا وله أحكام مهمة لصالح حقوق المواطن الفرد لا سيما المرأة وحكمه بعدم شرعية ارتداء الطالبات للنقاب بالمدارس، وكذلك فى مجال الحريات وعدم دستورية قانون مجلس الشعب، والأهم دفاعه عن حرية الرأى والتعبير وكون النقد ضرورة للسلامة القومية، وكذلك عدم قانونية فرض ضريبة على المصريين بالخارج. وكان هناك دور مهم للأجانب كذلك وعلى رأسهم روستى الذى دافع ببسالة عن كنوز توت عنخ آمون، ومالكوم ماك الذى وقف ضد قانون النفى وبيولا كازللى الذى دعم تولى المصريين للمناصب العليا .

وإذا كانت تلك هى أسماء أهم رموزها، فالذى لا يقل عنها ارتباط الأسماء هى القضايا التى كان للهيئة دور بها ولعل من أشهرها ما تم عام 1883، هو الفتوى بعدم جواز منح امتياز جديد لحفر قناة بحرية موازية لقناة السويس، وهو كان تفكيرا بدأت به إنجلترا وأصحاب المصالح لإنشاء قناة موازية لتحجيم سيطرة الفرنسين على الأولى، وبسؤال هل يعد امتياز ديلسبس احتكارا لطريق المواصلات؟، وهنا ظهرت الفتوى بأنه ليس هناك احتكار للشركة العالمية للقناة لتضع عائقا مع عوائق أخرى لحفر قناة جديدة التى كانت ستكبل مصر أكثر ولبقاء أطول للاحتلال .

ومن القضايا التى لا تقل أهمية وذكرها المستشار محمد الخطيب مؤلف ومحرر كتاب «قضايا الدولة صفحات من نور 150 عاما» هى قضايا الدفع بالذهب أى نوع العملة التى تدفع به الحكومة مدفوعاتها أو ديونها، وكذلك دورها الحالى والاختصاص القانونى لها طبقا للدستور والتمثيل عن الدولة بالمنازعات الخارجية والتحكيم الدولى ضد الدولة المصرية وأخطرها كما ذكر الكتاب المنازعات الخارجية والعقود عقب ثورة يناير 2011 وتم تحقيق الانتصارات المصرية بها.

وربما أشهر قضايا الدولة تاريخيا والتى حققت بها انتصارات هى إرث توت عنخ آمون والذى يقبع الآن بالمتحف المصرى، وكان ذلك عقب اكتشاف مقبرته كاملة عام 1922، وثار نزاع قانونى أمام المحاكم عن إرث اللورد وكارتر فى السيطرة كاملاً على المقبرة، وبفضل دقة القانونيين المصريين والأجانب فى صياغة تراخيص التنقيب، وأنها سوف تخدم مصر عند اكتشاف الآثار وكنوزها، وتم تفعيل ذلك لمواجهة كارتر الذى كان يريد اقتسام كنوز المقبرة مع مصر، ولكن ساندت مصر الصحافة حتى العالمية ووصف بعضها أعماله بأنها تجارة وربما احتكار كذلك، وظل كارتر يماطل ويتحايل حتى تولى سعد زغلول الحكومة وتم تعيين مرقص حنا باشا وزيرا للأشغال وكان محامى كارتر وهو النائب العام -البريطانى سابقا وكان قد طلب سابقا وقت ثورة 1919 بإعدامه؟! وبفضل مرقص حنا وافق مجلس الوزراء على إلغاء تراخيص اللورد وتابعه كارتر، والأدهى هو اتهام ووصف هذا المحامى للحكومة المصرية بأنها تتعامل كانها لص؟!

وقامت المظاهرات ضد هذا الاتهام البغيض وكسبت مصر القضية، واضطر كارتر إلى التنازل. وفضت مصر إقفال المقبرة فى حضور عبدالحميد باشا بدوى الذى يقبع اسمه فى أهم شوارعها كما كتبت أول المقال.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة